بقلم الشاعرة السورية الدكتورة ابتسام الصمادي
مشهد أول:
لا أدري كيف جاء الى شاشة ذاكرتي، مشهدٌ (قديم) لجروٍ أي كلب صغير عرضته إحدى الفضائيات وهو محصور على عتبة شباك شاهق لأحد الأبنية الطابقية المرتفعة التي ما زالت قيد الإنشاء… يعوي كمن يستنجد ولا يدري كيف أتى به قدره الى هذا المكان… لا سور يحميه ولا مسافة قريبه يقفز إليها، فما كان من السلطات إلاّ أن أقامت الدنيا ولم تقعدها. أحضرت سيارات الإسعاف وسيارات النجدة والإطفاء ونصبوا الشِباك تحت المكان المتوقع أن يقع فيه.
صعد الرجال مدججين بكل تقنيات العصر واستطاعوا أن ينزلوا الجرو سالماً مُعافى .
تصاعد هتاف الناس المتفرجين، فرحةً وبهجة… ثم أخذوه الى الأمكنة المخصصة للكلاب المرفهين وأغدقوا عليه الهدايا من كل حدب وصوب. كم هو حالم ولطيف وإنساني عالمنا هذا !!
مشهد ثان:
أطفالٌ بعمر الجراء لكنهم لا يشبهون أحداً سوى ذواتهم الموزّعة في المنافي والمهاجر فوق الثلوج وتحت الخيام.
لا يشبهون سوى صور الجرائد وساحة الشاشات، لا يشبهون سوى ضمير الغائب والمستتر في اللغات ينتشلونهم من تحت الركام.
صبايا تركن مراياهن وسشوارات شعورهن لسيدات القصور، تركن أحمر شفاههن لحريم المسؤولين، تركن قلق النوم للقتلة، وطلاء الأظافر للمجرمين عسى من الأحمر يرتوون.
تحاورنَ مع أنفسهن طويلاً وهنّ يُشاركن في إنقاذ الجرحى، حِواراً لا يشبه ما نسمعه على الشاشات. إنه حوار النوم للأطفال الخُدج، حوار الأم لنفسها في المطبخ وهي تُناجي وحيدها المفقود، وقد تركتْ أُذنيها عند جوالها الصامت. حوار العاشقة لوردتها وهي تقطف وريقاتها أمنية أمنيه، بعُرسٍ يزغردن فيه لوطنٍ شاسع كآلامنا وآمالنا.
بنات ترعبهن قطه، لكن تصلبن كشرايين الأرض. أردن أن يكن مترفعات ومسؤولات فعلقوهن بكلّابات الفضائح والمجاعة.
كم هو لئيم ومجرم ومتواطئ عالمنا هذا !!!!