مصطفى جباري : كاتب مغربي
أصبح دودو من المتحمسين للنظرية الفلكية القائلة بأن أصل الحياة قادم من مكان آخر في الكون، بواسطة نيازك أو شهب اصطدمت بالأرض في مرحلة من مراحل تكونها، ونقلت من هناك البكتيريا المخلِّقة لكل هذا الصخب.
قضى دودو وقتا طويلا في تجميع المعلومات المتصلة بالموضوع، واطلع على التجارب المخبرية التي تبرهن على أن البكتيريا تقاوم صدمات الارتطام في أقوى درجاتها.
وبدأ يشيد نسقا فكريا ووجوديا انطلاقا من عقيدته الجديدة القائمة على ذلك “الهناك” المجهول الذي أتت منه الحياة.
وصار هذا “الهناك” مصدرا لمعاني جديدة للغربة الوجودية والقلق الأنطولوجي والحدوس الشعرية العظيمة التي تركب الشعراء دون أن تكون لهم فيها يد. وحين سمعني دودو مرة أقرأ: “كم من منزل في الأرض يألفه الفتى _ وحنينه أبدا لأول منزل”. تأوه وقال: “لو كان لهذا المنزل اسم ومكان هنا، ما كان للحنين من معنى وما كان لهذا الشعر من جاذبية. لقد عبر السرُّ هذا الشاعر دون أن يذكر له اسمَه.”.
ولأن الإنسان في نظر دودو فقد مكانه الأول فإنه لن يهدأ له بال. وهذا ما يفسر دوامة الحروب والاستعمار والاستيطان والجلاء والشتات. فالأرض، وإن كانت وعاء الإنسان، لا هدأة له فيها…
وبخصوص الأحلام لا يتوقف دودو عن السخرية من نظرية فرويد ولا يتوقف عن الاجتهاد من أجل أن يستبدل بفكرة “الهناك” فكرة “اللاوعي”.
فكرة الموت نفسها لم تسلم من آلة دودو التأويلية: فنحن نموت فقط لأننا ألقي بنا من الهناك إلى هذه الأرض. ولكننا حملنا معنا (رغم قوة الارتطام الهائلة) بذرة الخلود وفكرة الروح الخالدة.
لغز اللغة أيضا يجد تفسيره في هذه النظرية: بذرة اللغة أي سرها الأعظم قاوم أيضا هول الارتطام، وبقي معنا لتتأسس عليه آصرتنا الإنسية، رغم تعدد اللغات الذي له علاقة بالمظهر المرئي والمحسوس لهذا العالم أي التاريخ والجغرافيا…
وصار دودو يشرح للناس هذه الأشياء، وصار الناس ينظرون إليه نظرة غريبة لا تخلو من شفقة، وكان دودو يبادلهم النظرة بمثلها ويقول: “مساكين… إنهم لا يعرفون من أين أتوا…”.
وعندما تصيبه عقيدة “الهناك” بسوداوية ومِرّة، يقول هامسا لنفسه: “ما أسعدهم إذ لا يعرفون أنهم لا يعرفون…”. وينزوي في أقصى ركن، شاردا في النجوم مركزا على النجمة التي تتلألأ بينها، كأنها تحدثه بشيء ما…
من “متاهات دودو”