صالح جبار خلفاوي
تقع العيادة في نهاية زقاقنا جهة اليمين مقابل بسطية شاكر الحداد الذي يستخدم اللحام والطرق العالي بكثرة .. خصوصا لما تأتي الكهرباء بعد انقطاع طويل .. الباب المصبوغ باللون الأبيض يشبه باب غرفة نوم قديمة البناء .. يجلس قيصر في الجهة الموازية تحيطه رفوف الأدوية المختلفة .. حينما اذهب أليه بعد صلاة العشاء .. أجد ثمة نسوة ملتفعاة بالسواد يتكلمن بانكسار .. نظرات محرجة .. شكوى الم .. مشاكل لا حصر لها .. يستقبل مرضاه بترحيب جميل .. ويشير بيده الى الكراسي الحمراء في الجهة المقابلة للباب قائلا: – تفضل استريح .. أحداهن تدخل بدون استئذان تجلس على الكرسي القريب من منضدته الصغيرة .. تبرز ذراعها البيضاء قائلة : – قيس الضغط .. يبتسم لها بطريقة تنم عن سابق معرفة .. تبقي نظراتها معلقة بوجهه الحليق ونظارته المتدلية .. ثمة حوار صامت يحكيه جهاز قياس الضغط .. تستمر علاقته بالآخرين برتابة محددة .. يبحث في أدراج منضدته عن كائناته .. يقولون تحتفي معه بعد منتصف الليل في الحاجز الذي وضعه ليفصل عيادته الى قسمين الأولى لاستقبال مرضاه والثانية للفحص ألسريري .. في ذلك اليوم الذي قرر فيه أن يقضي ظهيرته في عالمه المسكون .. فتح عليه الباب رجل ملتحي يتبعه رجلان تبدو عليهما ملامح الشر .. قطعوا ضجيج رغبته المستعرة معها .. كان قد وضع رأسه المدهون بعطر النعناع بين نهديها .. حينما أحس بهم ..سحبوه نحو سيارة مضللة النوافذ .. وقادوه بلا رحمة .. الفراغات تحيطه مثل ثقوب قطعة جبن متروكة على حافة النسيان .. الحزن وحده من يتسرب الى قيعان جسده المحموم من الصدمة .. صوت قفل يدور داخله مفتاح .. يسمعه بوضوح .. العتمة تتبدد رويدا .. تتشابه عنده الملامح .. نبرة جوفاء وعميقة تصرخ به : – انهض القاضي يطلبك .. ماذا فعلت لأزج هنا .. وأي قاض هذا الذي يطلبني .. كم مر من الوقت عليً محجورا هنا .. صديقته التي كان يمضغ حلماتها .. خرجت من مكانها الموبوء بعلب فضية تحوي أقراص مخدرة .. الناس الذين تجمهروا لم يعرفوا حقيقة ما جرى .. صدى عقرب الساعة يًرن في أذنيه لتزيده وهنا .. يحاول الاختباء من الضوء الساطع .. يتراجع الى الخلف تدفعه اكف خشنة الى وسط الغرفة .. ثمة حاجز خشبي ومنصة عالية جلس خلفها شخص له مهابة مخيفة .. يجد نفسه مغمورا وسط هلامات من التداعي يتوالد بانكسار .. الرجل الماكث فوق المنصة .. يضع على رأسه عمامة بيضاء .. تبدو الصورة لديه أكثر وضوحا .. سبق لي أن رأيت هذه الهيئة .. ليس غريبا شكله عني .. ربما في إحدى جلسات الدخان الأزرق كان يحتفي معنا .. تستولي عليه رغبة في الانصراف .. اشتاق الى عيادته الصغيرة .. لبرهة شعر برغبة خفية في البكاء .. بقايا صور تتجاذبه فيما راح الرجل المعمم يتكلم بصوت أجش .. – أنت أيها الممرض المزعج متهم ببيع المخدرات .. أنواع تستخدم لإجراء العمليات الطبية .. تقوم ببيعها مهدئات لراغبي المتعة .. اكتفى بحركة من رأسه بنفي التهمة .. كيف أبرهن على براءتي .. من وشى بي .. ظن انه يحلم .. أو كابوس يراوده .. طيف صديقته يتسرب أليه متموجا باسترخاء .. ربما .. لا يمكن .. عانى من زمن لا يتفق مع اهتماماته .. سوى هذه المرأة التي منحته لذة التواصل .. رجع الى عيادته مكسورا .. روحه مغمورة بالخوف .. نبرات محببة يسمعها تقترب منه .. تطل عليه بحضورها القوي .. ارتعش جسده .. حاول الإمساك بتلك الرائحة الطيبة .. يغويه عطرها .. الشمس تمضي نحو المغيب .. ينتفض من مقعده .. تتلاشى ظلال البيوت .. تمنى لو يضطجع معها كما كان يفعل سابقا .. راودته ظنون كثيرة .. ينصت بعمق لأفكار تتنازعه .. الفضاءات المعتمة توحي له بالألفة .. أدمن كثيرا هذه الأوقات .. لكن رغبته تقلصت .. لملم مفاصله ليخرج بعيدا نحو الشارع العام .. باحثا عن أصدقاءه القدامى .. أراد أن يغير نمط حياته الرتيب .. مكث في المقهى الصغيرة بانتظار أن يأتي احدهم .. على امتداد عدة ساعات لم يحضر أحدا ممن تمنى لو يلقاه .. لم يكن له ملاذ سوى العودة الى عيادته .. وقد خلت رفوفها من الأدوية .. مغادرة الأوجاع تحتاج أرادة لتخطي الألم .. يظهر أمامه فجأة رجلا متوسط العمر .. خطوط وجهه الصارمة توقظ داخله ارتباك مفزع .. الشبه واضح بينه وبين القاضي .. انتابه ذهول مربك .. يقدم له كرسيه للجلوس عليه .. يحاول إقناع نفسه انه يحلم .. التفت باحثا عن احد .. يجلب له شايا أو مرطبات يقدمها لضيفه .. يطوف في فراغ أملس .. بقايا ضوء العيادة له بريق فوق أرنبة انفه .. لو تحضر ألان ويطلب منها إحضار أقداح للشاي .. ما انفك القاضي يبحلق به .. يبدو مضطربا .. الدهشة تعقد لسانه من البوح عما يجول في خاطره .. استمر يبحث عن شيء يمكن تقديمه .. سمع صوته الواثق : – ستأتي حاملة اقداح الشاي .. – من هي سيدي .. صدى الدهشة جعلته يتمنى لو يجد مكانا ينغمس فيه بعيدا عن هذه البقعة الموبؤة .. خرج ودخلت حاملة أناء الشاي ورائحتها المغرية تغطي مسامات الأجواء .. وطأة الموقف جعلته يهذي مع نفسه .. حاول أن يعلن تمرده .. لاشيء يسمع سوى همهمات مبهمة وضحكة جذلة تعبر عن فرحة مكبوتة .. تستوطن نفسه هواجس متعددة .. وأصداء متناثرة عن جلسات سرية لا يعرفها إلا المقربون .. صار أشبه بجهاز تنصت .. يغرق بموجات متعاقبة .. تضرب مدياته المنكسرة .. الأزقة خاوية إلا من الكلاب السائبة وحشرات الهوام تطير فوق رأسه .. ذاكرته المستفزة تتسطح مع الأنات المكتومة .. الهاجس الذي لازمه يتسع .. يتخذ شكل خطوات متسارعة في الفروع الضيقة .. تحول فجأة عالمه الى أبراج لا مرئية .. تتوجه نحو أهدافها في الركض خلفا الكلاب .. استجمع قواه وباعد بين ساقيه ليطوي الريح بين أضلاعه .. ما انفك يعدو .. بين أبعاد لا تحتوي الزمان .. الذي اختلت توقيتاته .