بقلم الأستاذة مجيدة السباعي
عنوت الكاتبة قصتها بعنوان أعتقده يثير الفضول في ذهن القارئ “دمعات ثلاث حارقة”، لماذا اختارت الكاتبة هذا العنوان ؟ وبالتحديد نوعا ورقما، فهي توحي لهذا القارئ بثلاث مراحل مأساوية ستعيشها البطلة رجاء، فالعنوان إذن يختزل كبرى الأحداث في النص أو المراحل الأساسية التي ستركز عليها الكاتبة !
وإن العنوان – بشكل أو بآخر – هو بوابة النص، هو مفتاحه السحري، أو المادة اللاصقة التي تشد القارئ إلى متابعة القراءة من البداية إلى أن يصدم بتلك الخاتمة التي تكون خفيفة على نفسه كوخز الإبرة، وتترك فيها شيئا من القصة وتعلق الأحداث بجدار الذاكرة، أو أنه يطوي الصفحة ويرمي المقروء جانبا ،فيكون الفشل حليف الكاتب، فربما يكون هناك نوع من التواطؤ بين الكاتب والقارئ إشارة وتلميحا إلى مقاصد النص وفهم القارئ وتوقعه لما سيحدث في متاهات هذه الأحداث، ولكن لا يكون فضح هذه المضامين بشكل مباشر يميت الرغبة في الكشف والاكتشاف أو ما يمكن تسميته بقتل عنصر التشويق في النص :
فالدمعة الأولى تختزل إصرار الأب على حرمان رجاء من المدرسة ورميها في عالم مجهول لا تعرف عنه شيئا، كما لو كان يهم برميها في قاع بئر لا قرار له، وهو المدينة وما تحمله من دلالات لا وجود لها في قاموس رجاء البسيط، وتحميلها مسؤولية إدارة بيت يختلف أهله عنها في العادات والتقاليد والنظرة للحياة، أهل لا يعرف الرحمة والشفقة، بيت يتغلب فيه الغالب على المغلوب ويمعن في الإهانة وعدم احترام إنسانية رجاء الفقيرة والبسيطة، التي حرمت من المدرسة وحرمت من حنان الأب، وفقدت الحق حتى في الحلم بالمستقبل الجميل، هذا الذي اتخذ الفقر مبررا لهذا السلوك الذي يتجاهل عواقبه، لأن الهدف الأساسي الذي يهمه تحقيقه هو جلب المال لطاولة القمار، فالفقر لم يكن في يوم من الأيام من المثالب أو من العيوب، أو من الأمور التي تدفع الأب إلى التضحية بابنته ورميها في ما لا تعرفه لقمة سائغة للاستعباد والاستغلال الجنسي في أبشع صوره، فهل فعلا الفقر يميت النخوة وعزة النفس في نفس الانسان ؟ لا أعتقد ذلك !
أما الدمعة الثانية فتتجلى في هذا الظلم الذي لحق برجاء في بيت مشغليها مقابل دريهمات معدودات لا تغني طاولة القمار ولا تسمنها من جوع، هذا الظلم الذي ستفقد فيه رجاء كرامتها كإنسان كرمه الله، ففي النهار تقوم بأشغال شاقة لا تقوى عليها، وتقوم بها إكراها لأنها استسلمت لقدرها المحتوم، ومن جهة أخرى عندما يخلد الجميع إلى النوم تتحول رجاء إلى متنفس جميل لتفريغ مكبوتات ذلك المدلل المعتوه، فيكون الاستغلال لهذه الطفلة في أبشع صوره، استغلال القوة والجسد !
أما الدمعة الثالثة فربما لن تذرفها رجاء وإنما سيذرفها ذلك المستهتر الذي لم يعد كذلك، لأنه ستعلمه الحياة، وربما كانت دمعته حارة حارقة بوخزة إبرة من ضميره الذي خانه في يوم من الأيام، هذا إذن هو مغزى هذه الدمعات الثلاث الحارقة كما تصورته واستنبطته من النص كقارئ له الحق في التفسير والتأويل الشخصي، لأن النص كيفما كان الحال قابل لتعدد القراءات وإن اعتبره أغلب النقاد نصا محدد المستقبل، محدد المعنى، إلا أن هذا التحديد لا يمكنه أبدا أن يوقف ذلك الكم الهائل من التفسيرات والتأويلات كل حسب مستواه المعرفي وحسب خلفيته الثقافية وتربيته أو بصفة عامة حسب مكوناته وخصائص هويته !
اختارت الكاتبة في نصها البطلة مستضعفة، مأزومة مهزومة، موؤودة الحلم في المهد، بطلة لا حول لها ولا قوة في هذا العالم المليء بالتناقضات والصراعات حتى التخمة، عالم مات فيه الضمير وصدئ الشعور بالآخر إذ حلت مكانه أنانية الإنسان التي تتغذى على عذاب الآخرين، معتمدة في ذلك على التناقض الذي يطبع شخصية رجاء بالضعف أمام قوة أب متسلط تستعبده الأنانية ويغلب عليه حب النفس، ومشغل لا يعترف بإنسانية رجاء وينظر إليها شيئا من الأشياء التي يقتنيها لمنزله، وابن مدلل مستهتر لا تعرف القيم والمبادئ إلى نفسه طريقا !
ركزت الكاتبة على الوصف البراني والبعد الجسمي الذي سيتصوره القارئ من خلال اعتبار رجاء طفلة لا زالت تحمل المحفظة وترتاد المدرسة، ومن ثم عرجت على الوصف الداخلي لهذه المغبونة عندما تفاجأ بأبيها ينتزع محفظتها من ظهرها ويطوح بها في عالم مجهول لا تعرف من أسراره شيئا كالغريق يهوي في قاع البحر ولا يعرف متى سينتهي إلى الأعماق !
هذا الصراع النفسي الداخلي الذي لم يكن بوسعها أبدا أن تتصدى له والتغلب عليه، ثم لا تنسى البعد الاجتماعي للبطلة التي تنحدر من أسرة معوزة فقيرة تعيش على الامل المفقود في حياة باهتة المعالم، موصودة الأبواب، ويتحكم في مصيرها أب منساق لنزواته وميولاته المنحرفة، فتصور الكاتبة مكانة شخصية البطلة في حلبة هذا المجتمع وفي محيطها وظروفها التي تنال من المئات أمثالها ضحية الفقر والأنانية وانعدام الضمير الإنساني، وتفشي الأنانية في واقع متخن بالأمراض والأدران الاجتماعية، من هنا تكون الكاتبة قد نجحت في توظيف الأبعاد الثلاثية لشخصية البطلة والتي أشرنا إليها على الشكل التالي :
– تحديد المظهر الخارجي والبعد البراني للشخصية!
– البعد النفسي الجواني والذي يشمل الحالة النفسية المتخفية للبطلة !
– البعد الاجتماعي الذي يبرز مكانة البطلة في المجتمع والمحيط والظروف العامة التي تحيط بها !
هذه الأبعاد التي نراها ضرورية لرسم الشخصية في النص، وإن اختلفت طرق التوظيف حسب فطنة كل كاتب ودقة ملاحظته، لكنها في أغلب الأحيان تبقى الرابط الأساس بين الشخوص في القصص القصيرة !
ولا يفوتني في هذه القراءة أن أعرج على الإشارة إلى اللغة التي تم توظيفها في هذا النص، باعتبارها جانبا يتوقف عليه نجاح أو فشل الكاتب في احتوائه للقارئ الذي لا يبحث عن سماع الأحداث لأنه يعيشها يوميا في حياته العادية، وإنما يبحث عن مواطن الجمال في طرق نقل هذه الأحداث، فكانت اللغة هي الفيصل الحاسم لتحقيق متعة القارئ ولذة القراءة، أن تدغدغ فكره وتخلخل شعوره وأن لا تعطيه المعاني الجاهزة !
ولعمري إن الإبداع يكمن أساسا في هذا الجانب اللغوي، فأغلب النقاد يكادون يتفقون على أن لغة السرد لا تقل أهمية عن لغة الشعر من حيث طرق التركيب والإسناد والبحث عن التعابير الجديدة التي لا تقتل الإدهاش والغرابة في نفس القارئ، أقصد بذلك أن لغة الأبداع تختلف عن لغة التواصل العادية التي يستهدف منها توصيل معلومات وأخبار لهذا المتلقي لتجعلك منه مستهلكا لا فاعلا ولا منفعلا، لا مؤثرا ولا متأثرا، لهذا كان التكثيف والاقتصاد في اللغة من أبرز سمات جماليات النص السردي خصوصا القصير منه، ولا مجال لإطناب او إسهاب أو ترهل أو زيادة لا تخدم السرد، فجاءت لغة السرد انزياحية فيها بلاغة غموض مكسرة للمألوف، أي أن توظيف الكلمة تختار بدقة متناهية، لأنها ستصبح آجرة في حائط بناء إبداعي بإمكان القارئ أن يهندسه ويبنيه بطريقته الخاصة عندما يقرأ النص ويفكك وحداته ومن بينها عناصر اللغة، وأعتذر عن هذا الاسهاب في التوضيح في ما يخص اللغة لأني أراها العمود الفقري لكل نص إبداعي سواء كان شعرا أو نثرا !
وظفت الكاتبة لغة لا تنحو منحى الغرابة التي قد تخلق للقارئ بعض التوقفات من أجل الاستفسار والتأويل، لان هذه اللغة سهلة بسيطة لكنها منيعة ومتمنعة وعصية عن الابتدال، ومن حين لآخر توظف بعض الجماليات اللغوية وتنحو منحى التركيب الذي يخلق هذا النوع من المجازات والاستعارات والتشابيه، وهذا أعتقده محببا للخروج من النمطية والتعبير المباشر الذي يقتل الحدث والإبداع ويخنق الغرابة والإدهاش في النص، ولعل هذا النوع من التوظيف يضيف مسحة خاصة على كيفية السرد ونقل الأحداث، تجعل القارئ يردد صدى المقروء ويتفاعل معه ويستسيغه ويستوعبه ، فلا غموض حد الانغلاق ولا مباشرة حد الملل، وأعتقد أن خير الأشياء أوسطها !
على كل حال، إن الكاتبة وبما أنها تدخل عالم السرد بهذه الطريقة، ستوفق بحول الله وستنتج نصوصا غاية في الروعة والجمال، وحتما ستغوص في عالم الشخصية الغرائبية التي تخلق شهوة القراءة وتحقق لذة السرد، مزيدا من التألق