جودت هوشيار :الكتاب الأدبي في العالم العربي تحول إلى سلعة في السوق .وتحول المتلقي إلى مجرد مستهلك

جودت هوشيار: . أنا معجب بنتاجات محمد شكري ، والطاهر بن جلون ، ومحمد زفزاف ، واحمد المديني

 أجرت صحيفة “ريتاج بريس “الإلكترونية لقاء مع  الكاتب جودت هوشيار وهو أيضا مهندس وباحث عراقي معروف ، أصدر العديد من الكتب الفكرية والأدبية القيمة ، منها ” ذخائر التراث الكردي في خزائن بطرسبورغ ” وبموازاة نشاطه الهندسي ، كتب مئات الدراسات الفكرية في الصحف والمجلات الرصينة في العراق والعالم العربي . متفرغ حالياً للدراسات الفكرية . نتاجاته تنشر في الصحف والمجلات العربية والعراقية والكردية الإتحاد ” و ” التآخي ” و ” كل العراق ” و ” صوت الآخر ” يتقن اللغات العربية والكردية والتركية والروسية والإنجليزية نتابع الحوار

 حاورته: حفيظة الدليمي

 من هو  جودت هوشيار؟  وكيف لمهندس أن يتحول كاتبا ؟

 جودت هوشيار : من الصعب أن يصف المرء نفسه وأعماله . وأقول بكل تواضع اني كاتب وباحث عراقي .

من كتبي المنشورة :   

 – ” دراسات معاصرة ”  وزارة الثقافة ، بغداد ، 1973

– ” ذخائر التراث الكردي في خزائن بطرسبورغ ” أربيل ، 2011 ، وقد قامت الدكتورة البروفيسورة شكرية رسول ، الأستاذة في جامعة صلاح الدين بترجمة الكتاب الى اللغة الكردية ونشره على نفقتها عام 2015

– ” السلطة الخامسة ”  ( نبض الحياة في القرية العالمية ) ، دار نشر موكرياني ، اربيل ، 2014

– ” الرواية بين الخيال والواقع ”  دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع ، دمشق ، 2017

– نشرتُ مئات البحوث الأدبية والفكرية في المجلات الرصينة في العراق والعالم العربي

– ترجمتْ مقالاتي عن الأدب الروسي الى اللغة الروسية .

 – متفرغ حالياً للكتابة .

– أكتب باللغتين العربية والروسية ، رغم اني اعرف عدة لغات اخرى منها الأنجليزية والتركية 

”  أما كيف لمهندس أن يتحول كاتباً – حسب تعبيركم – أقول أن من حسن الحظ أني ادركت مبكراً أن الكاتب ينبغي أن لا ينعزل عن الحياة ، وعليه أن يعمل في مهنة أخرى الى جانب ممارسة الكتابة الأدبية ، من اجل معرفة الحياة على نحو أعمق وأوسع ، حيث ان العمل في مهنة أخرى يوسع افق تفكير الكاتب ، ويرى الحياة من جوانب عديدة .

إن معظم الكتّاب في العالم عملوا في مهن كثيرة قبل أن يكرسوا بقية حياتهم للكتابة الأدبية أوالإبداعية

ويقول فيكتور شكلوفسكي ( 1984-1893)  ، رائد المدرسة الشكلانية في النقد الأدبي ، في كتابه ” تقنيات المهارة الأدبية ” الصادر في موسكوعام 1927 ، انه  ” لا بد للكاتب ان يعمل في مهنة أخرى ليعرف الحياة ، ويصف ما حوله بطريقته الخاصة ،التي تختلف عن طريقة  الكاتب الذي لم يمارس أية مهنة أخرى ” .

حقاً أن من يكتفي بمخالطة امثاله من الأدباء ومناقشة شؤون الأدب معهم ، لا يمكن أن ينتج أدباً حقيقياً. التجارب الحياتية ، بما فيها من معاناة وآلام ، واحباط ، او لحظات سعادة غامرة مهمة للكاتب القصصي أو الروائي ، ولا تقل أهمية عن الموهبة الفطرية ، أوالقدرة على التخيّل ، أوالتفرغ للعمل الدؤوب بكل تركيز ، فالخيال في القصة والرواية ،إنما يتغذى ابدا من الحقيقة .

لم يكن بمقدور ليف تولستوي أن يكتب أعظم رواية في تاريخ الأدب العالمي وهي ” الحرب والسلام ” لولا أنه كان في شبابه ضابط مدفعية ..

الكاتب الروسي اسحاق بابل (1894 – 1940 ) وهو أحد اساتذة فن القصة القصيرة في العالم ، كان في الثانية والعشرين من عمره في نوفمبرعام 1916عندما نشر قصتين قصيرتين في مجلة ( ليتوبيس ) التي كان يصدرها مكسيم غوركي في بطرسبورغ , ولكن غوركي رفض نشر أي قصة أخرى لبابل قائلاً : ” يا سيدي انك لا تعرف الحياة . اذهب واعمل في اي مهنة اخرى “. وبعد أن تكتسب تجارب وخبرات حياتية كافية يمكنك ان تواصل الكتابة ” . وخلال السنوات السبع اللاحقة (1924-1917)  عمل بابل في مهن كثيرة ، وفي الوقت نفسه واصل الكتابة دون ان ينشر شيئا جديدا ، بل انكب على اعادة النظر في نصوصه المرة تلو المرة ، وعندما اطلع غوركي على اعمال بابل الجديدة قال له : “يمكنك ان تبدأ الآن ” !

عندما قررتُ دراسة الهندسة لم اكن قد قرأت شيئاً لشكلوفسكي ، ولم أطلع بعد على نصيحة غوركي لبابل ، ولكني رأيت كيف أن الأدباء في بلادي والشعراء منهم على وجه الخصوص يعانون من الفاقة ، ويدورون في فلك مغلق بين المقاهي والحانات . والحياة أوسع واجمل من الخمارات وأعمق من الثرثرة حول الأدب .

كان تشيخوف يقول : ” الطب زوجتي ، والأدب عشيقتي ” وأنا اقول الهندسة زوجتي ، والأدب عشيقتي “.

ما سر اهتمامك بالأدب الروسي؟ وهل يمكن التحدث عن التحولات التي عرفتها القصة أ والرواية؟

جودت هوشيار– عشقت الأدب الروسي منذ يفاعتي ، وقرأت معظم ما صدر من الأعمال الأدبية الروسية المترجمة ألى اللغة العربية ، وبعد سفري إلى روسيا – في بعثة دراسية على نفقة الحكومة العراقية ودراستي للغة الروسية  –  قرأت تلك الأعمال وأعمال أخرى كثيرة بلغتها الأصلية. وخاصة الأدب الروسي الكلاسيكي ، التي اعتقد أنها تحتل مكان الصدارة في الأدب العالمي . وخلال إقامتي في موسكو اكتشفت الثراء الباذخ للغة الروسية ، حيث يمكنك التعبير بهذه اللغة عن أدق وأعمق الأحاسيس والمشاعر والإنفعالات والأفكار . اللغة الروسية قد تبدو غريبة لمن لا يعرفها ، ولم يسعفه الحظ للدخول الى جنة الأدب الروسي الكلاسيكي .يكفي ان تقرأ عدة أبيات لأمير الشعراء الروس الكساندر بوشكين بلغتها الأصلية لتدرك جمال هذه اللغة وموسيقاها الساحرة .

أما بخصوص التحولات التي شهدتها القصة والرواية فلا يمكن تلخيصها في هذه العجالة ، ولكن يمكن القول أن القصة القصيرة الفنية أو التحليلية من اصعب الفنون  السردية  ، لذا نجد في كل بلد عددا محدودا من المتميزين في فن القصة القصيرة بين مئات من كتابها .

 في زمن موباسان كان هناك مئات الكتاب الفرنسيين يكتبون القصة القصيرة ولكن أين هم الآن ؟. لقد طواهم النسيان وظل موباسان شامخا . وكذلك الحال في روسيا سواء في زمن تشيخوف او بونين أو بابل . القصة القصيرة ليست ملخصاً لرواية . ان لها مقوماتها الخاصة التي تختلف عن مقومات الرواية . فالرواية تتعدد فيها الشخصيات والحوادث والمواقف ، ومجال الإسهاب فيها متسع جداً ، مثل تضمين نصوص من اجناس مختلفة ، واكبر قدر ممكن من الآراء والأفكار ذات الصلة ، في حين ان القصة القصيرة تدور في نطاق حدث رئيسي واحد في العادة  ، وتركز ضوءاً قويا على شخصية واحدة أو بضع شخصيات ،أو على فكرة أو مشهد أو على شيء خاص .

تطور الرواية بمراحلها المختلفة معروف لكل متابع ، ولكني أود أن اشير الى الأهتمام العالمي بالرواية الفتية – الوثائقية ، التي دشنها الكاتب الأميركي ترومان كابوتي ، منذ اواسط الستينات من القرن الماضي .والى الرواية البوليفونية الجيديدة ، التي يعد اربعة كتاب بيلاروس من روادها الأوائل .

ففي عام 1977 صدر في موسكو رواية : ” أنا من القرية المحروقة ” من تأليف ثلاثة كتاب بيلاروس  هم ، اليس اداموفيتش ( 1927-1994 ) و  يانكه بريل ( 1917-2006) و فلاديمير كوليسنيك ( 1922

ويتضمن شهادات حوالي 600 شخص  نجوا من الموت بأعجوبة عندما قام الجيش النازي الألماني عام 1944 بحرق مئات القرى خلال احتلاله لجمهورية بيلاروسيا في الحرب العالمية الثانية. فكرة هذا الكتاب وصياغته على شكل رواية وثائقية متعددة الأصوات تعود الى أداموفيتش تحديدأً ، والذي كان على قناعة تامة بأن الكتابة عن مآسي القرن العشرين الكبرى، بلغة النثر الفني التقليدي أي على شكل ( رواية خيالية ) ، تعني الأستهانة بمعاناة ضحايا تلك المآسي وجرح شعورهم . وهو أمر يثير التقزز ، ومرفوض أخلاقياً ، حيث لا يجوز في هذه الحالة أن نتخيل أو نختلق ، بل ينبغي التعبير عن الحقيقة على نحو فني من دون قناع، أو تحريف ، أو تزويق .

. فالرواية البوليفونية الجديدة أشبه بجوقة درامية جبارة لأصوات متعددة ، يختفي فيها صوت المؤلف أو الراوي وتحل محله أصوات الناس . وقد طورت سفتلانا الكسيفيتش هذا النوع الجديد من الروايات الفنية – الوثائقية ، وتُوجتْ أعمالها بمنحها جائزة نوبل في الآداب لعام 2015 .

قربت القارئ العربي من الأدب الروسي خاصة من  الكتاب  الذين كتابتهم غير مترجمة للعربية .

جودت هوشيار : لم يطلع القاريء العربي سوى على جزء يسيرمن الأعمال الأدبية الروسية الكلاسيكية لبعض كبار الكتاب الروس ( غوغول ، تورغينيف ، تولستوي ، تشيخوف ، غوركي  ) فعلى سبيل المثال تتكون المؤلفات الكاملة لتولستوي من تسعين مجلداً ، وتشيخوف من خمسة عشر مجلدأً . كم من هذه الأعمال ترجمت الى العربية ؟ أقل من الربع في أفضل الأحوال .ومن حسن الحظ ان اعمال دوستويفسكي شبه الكاملة قد ترجمت الى العربية من قبل سامي الدروبي ، ولكن من لغة وسيطة هي اللغة الفرنسية .ولم تترجم نتاجات كتاب كلاسيكين روس كبار آخرين مثل كورولينكو ، وشدرين ، وغونجاروف ، وإكساكوف، وعشرات غيرهم من فحول الكتّاب .

 ايفان بونين هو أول كاتب روسي حاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1933 ، شرعنا بترجمة أعماله منذ عام 1973 حين كان مجهولاً تماما بالنسبة الى القاريء العربي  .

عندما صدر كتابي المعنون ”  دراسات معاصرة ” عن وزارة الثقافة العراقية عام 1973 ، وفيه اشادة بالفن القصصي لدى ايفان بونين . كتب عميد النقد الأدبي العراقي الحديث المرحوم الدكتور على جواد الطاهر مقالا ً في جريدة الجمهورية البغدادية يقول فيه ما معناه اننا لم نسمع باسم ايفان بونين ، وطالبني أن اترجم بعض قصص بونين لأثبت صحة ادعائي . وقد استغربت ذلك في حينه ، لأن الطاهر كان من أوسع النقاد والأكادميين العراقيين اطلاعا على الأدب الفرنسي ، وقد حصل على درجة الدكتوراه في الادب من جامعة السوربون . وله دراسة مطولة ورائعة عن نأريخ الفصة القصيرة في الأدب العالمي نشرها في ملحق مجلة ” المعلم الجديد ” العراقية الصادر قي كانون اول 1957 . ولم يشر فيها الى روائع ايفان بونين في القصة القصيرة رغم ان معظم نتاجات بونين ترجمت الى اللغة الفرنسية أكثر من مرة . وعندما كان الطاهر في باريس كانت شهرة بونين مدوية وواسعة.

ولا يعرف القاريء العربي من الأدباء السوفيت الا بعض نتاجات عدد محدود من أولئك الذين روجت لهم دور النشر اليسارية في العالم العربي في العقدين الرابع والخامس من القرن الماضي ، مثل شولوخوف وألكسي تولستوي. أوبعض الأدباء  السوفيت المغضوب عليهم في بلادهم  من قبل السلطة السوفيتية خلال السنوات اللاحقة ، مثل باسترناك الذي ترجمت روايته (دكتور زيفاكو ) ترجمة تجارية مشوهة ومبتورة ، في حين أن باسترناك شاعر عظيم في المقام الأول . ولم يترجم من أعمال سولجنيتسن ، الا تلك التي أثيرت حولها ضجيج سياسي مغرض في الغرب. ولم يترحم شيء من أعمال أكسيونوف الرائد المؤسس للأدب الروسي المعاصر . وحتى الآونة الأخيرة لم يكن القاريء العربي قد عرف اسماءاً لا معة في الأدب السوفيتي مثل بلاتونوف وبيلنياك وزوشينكو وماندلشتام وشالاموف ،  وعشرات غيرهم . لهذا كله أحاول التعريف بأولئك الكتاب والشعراء العظام ، الذين لم يسمع بهم المثقف العربي ناهيك ، عن المتلقي العادي .وثمة أمر آخر بالغ الأهمية وهو أن معظم ما ترجم الى العربية من الأعمال الأدبية الروسية كان عن طريق لغتين وسيطتين ، هما الأنجليزية والفرنسية وليس عن الروسية مباشرةً.

    هل سبق أن ترجمت من العربية أو الكردية  للروسية ؟

جودت هوشيار : انا لا أترجم من الروسية أو الإنجليزية ، إلا ما استمتع بقراءته ، ويهزني من الأعماق ، ترجمة أمينة صادقة أحاول أن أعبر فيها عن روح النص واحرص على ايقاعه  ، وقد يستغرب البعض هذا القول ، ولكني أرى أن لكل نص فني حقيقي ايقاعاً معينا .ومن لا يحس بذلك ، تكون ترجمته ميتة لا تعكس روح النص الأصلي . والهدف من ترجماتي هواشراك القاريء في المتعة الذهنية التي شعرت بها عند قراءتي لتلك الروائع الأدبية .

ولم أترجم من العربية أو الكردية إلى الروسية لأن الكثير من أعمال الكتّاب والشعراء العرب مترجمة الى الروسية .  وثمة عدد من الكرد لوجيين الروس الذين نقلوا الى الروسية عيون الأدب الكردي الكلاسيكي . وقد تناولت هذا الموضوع بالتفصيل في كتابي المعنون ” ذخائر التراث الكردي في خزائن بطرسبورغ ” . ولا أرى حاجة لتشتيت جهودي للقيام بالترجمة بين عدة لغات . لأن الترجمة لا تشكل عندي الا نشاطاً هامشياً في مسيرتي . ويبدو ان الروس أنفسهم مهتمون بترجمة مقالاتي عن الأدب الروسي الى لغتهم ، وأنا ممتن لهم .

قلت يوما في مقال لك بأن القصة القصيرة جداً”  ليست فنا أو جنسا أدبيا جديدا  لماذا ؟

جودت هوشيار : القصة القصيرة جداً أو المنمنمة – ليس جنساً أدبيا مستقلا عن القصة الفصيرة ، حيث لا توجد حدود واضحة بينهما . والمنمنمة كشكل من أشكال القصة القصيرة موجودة في الأدب العالمي منذ نشأة القصة القصيرة الفنية  ذاتها . وقد برع فيها هنري جيمس ، وتورغينيف وتشيخوف ، وبونين . وفي الأدب العربي جبران خليل جبران وزكريا ثامر ونجيب محفوظ ، وسهيل ادريس وغيرهم . ان معظم ما ينشر هذه الأيام تحت مسمى ” القصة القصيرة جداً ” لا ينتمي الى القصة القصيرة الفنية، وينم عن العجز الإبداعي في كتابة قصة فنية ناجحة. فهؤلاء الأدعياء لا تتوفر لديهم لا الموهبة ولا المهارة الكتابية لأنتاج قصة محكمة البناء ، جميلة الأسلوب . ومع شديد الأسف هناك نقاد عرب أخذوا يكيلون المديح لهذه النتاجات الرديئة الهابطة ويتفلسفون حولها . وحكاية القصة القصيرة جدا في الأدب العربي المعاصر يشبه حكاية ”  الملك العاري ”  للكاتب الدنماركي  هانس أندرسن ، فهؤلاء النقاد يرون الملك ( القصة القصيرة جداً العربية )  في ثياب مطرزة بالذهب ، في حين أن الملك عار تماماً .

في إحدى مقالاتك  أيضا تحدثت عن موت الأدب الروسي هل يمكن أ ن توضح لنا لم قلت ذلك؟

جودت هوشيار : تتوحش المجتمعات بعد كل هزة سياسية عنيفة أو أزمة اقتصادية خانقة ( الأنقلاب ، الأحتلال ، الحرب الأهلية ، الخراب الأقتصادي ، الأنتقال الفجائي الى نظام اقتصادي جديد ) حيث تختفي القيم الإنسانية  والأخلاقية  والروحية ، وينعكس ذلك على الثقافة على نحو كارثي . ولا يعود الفرد يفكر الا بنفسه ، وبتأمين حياته  وما يمسك به قوت عياله ، ويتضاءل الإهتمام بالثقافة عموماً وبالكتاب الأدبي خصوصاً .وروسيا ليست استثناءاً من هذه القاعدة .

في مثل هذه الظروف يشعر معظم القراء وحتى قسم من المثقفين بالحاجة إلى الترويح عن النفس بعيداً عن متاعب العمل والأسرة ، ومشاق الحياة ويميلون الى قراءة الأعمال الأدبية الخفيفة المسلية ، أو ما أسميه ” أدب اللذة ” الذي لا يترك حصيلة في الذهن ، ولا أثراً في النفس . ومثل هذا الأدب لا يهتم بها النقاد ومؤرخو الأدب ويطويه النسيان سريعاً .

كان الشعب الروسي – إلى عهد قريب – أكثر الشعوب إطلاعا على الأدب الرفيع الروسي والعالمي. وقد تغيّر الحال بعد مشاريع الصدمة الاقتصادية التجريبية التي اتبعها بوريس يلتسن . وإدى إلى إفقار معظم المواطنين الروس ، وعجزهم عن إقتناء الكتب التي ارتفعت اسعارها كثيراً .

ورغم أن الظروف الأقتصادية في روسيا اليوم في تحسن مستمر ، ولكن التحول الى الرأسمالية أدى الى سيادة ثقافة الإستهلاك ، وجعل الكتاب الأدبي سلعة تطرح كأية سلعة أخرى في السوق . .

دور النشر الكبرى في روسيا تهيمن اليوم على صناعة الكتاب والكاتب معاً . وهي ليست دور نشر بالمعنى المتعارف عليه ، بل مؤسسات اعلامية – اشهارية في المقام الأول ، تعمل على ترويج ( الكتاب – السلعة ) والهيمنة على الجوائز الأدبية الكثيرة في روسيا ،وعلى خلق نجوم الأدب المزيفين عبر كل السبل من تلفزيون و شبكات عنكبوتية  وصحف ، وحفلات توقيع على الكتب . ولهذه الدور جيش من النقاد المرتزقة الذين يكيلون المديح لكتب فجة ومؤلفين تافهين ، لا يتقنون حتى اللغة الأدبية الروسية.

يتناول نجوم الأدب الإستهلاكي ، في كتاباتهم السطحية موضوعات شديدة المحلية ،وغير مفهومة أو غريبة للقاريء الأجنبي . وهم لا يعرفون سوى اللغة السوقية الشائعة في قاع المجتمع بين المدمنين على الكحول ، وبائعات الهوى ، ومثلي الجنس ، و( أبطال) الجريمة المنظمة. وهذا مؤشر على الخواء الفكري والروحي لهؤلاء النجوم .

ويلعب الجانب المادي في هذا كله الدور الحاسم ، فلم تعد  لقيمة العمل الأدبي ، أي إعتبار لدى دور النشر والإشهار الروسية ، الذين يزعمون أن الأدب الرفيع لا يلقى رواجاً ، وهذا محض كذب مفضوح ، لأن روسيا كانت دوماً ولا تزال زاخرة بالمواهب الأدبية الخلاقة ، وبالكتاب الكبار ، ولكن لا يلقى هؤلاء  من دور النشر والإشهار ، إلا الصدود والإعراض ، ويلجأ بعضهم الى طباعة أعمالهم الأدبية على نفقتهم الخاصة بأعداد قليلة ويعانون من مشقة ايصال نتاجاتهم الى الجمهورالقاريء.

وصفوة القول أن الأدب الروسي اليوم هو أدب محلي استهلاكي يفتقر إلى كل ماهو انساني ومشترك بين الشعوب ، وهو غير مفهوم للقاريء الغربي ، حتى اذا ترجم الى اللغات الأخرى . ولهذا السبب تحديداً تراجع دور الأدب الروسي في العالم  وخاصة في الدول الغربية . .

     هل هنا ك تواصل ثقافي  بين الكتاب الروس والعرب ؟

جودت هوشيار :أجل ، ولكن في حدود ضيقة وخاصة بين الكتاب العرب وبين مترجمي الأدب العربي في روسيا والمستعربين الروس ، الذين يزورون البلاد العربية ، والكتّاب والشعراء العرب ، الذين تلقوا تحصيلهم الدراسي في روسيا أو المقيمين فيها .

       هل بالفعل أن الترجمة خيانة للنص الأصلي؟

جودت هوشيار :هذا يعتمد على مستوى الترجمة ومدى تعبيرها عن روح النص الأصلي . يقال أن الشعر لا يترجم وهذا صحيح إلى حد كبير ، اذا كانت الترجمة نثرية أو شعرية رديئة، ليس فيها لا روح النص الأصلي ولا ايقاعه ، ولكن ثمة ترجمات شعرية رائعة ربما أفضل من الأصل مثل ترجمات بوشكين للشعر الفرنسي وترجمات باسترناك لمسرحيات شكسبير، وهي ان لم تكن افضل من الأصل فهى تكافئها دقةً وجمالاً. ولدينا في الأدب العربي ترجمات ممتازة لرباعيات الخيام لعدد من الشعراء العرب النابغين ( أحمد رامي ، واحمد الصافي النجفي ) . اما ترجمة النثر الفني او السرديات ، فقد اصبح ميدانا لكل من يريد الحصول على المال والشهرة من اسهل الطرق . ولو كانت ترجمة ركيكة لفصة خفيفة .وغالبا تكون من لغة وسيطة .

وعندما كنت طالبا في موسكو في الستينات من القرن الماضي رأيت أن عددا كبيراً من الطلاب الغربيين ، وخصوصا من الولايات المتحدة الأميركية يدرسون اللغة الروسية في جامعة موسكو والجامعات والمعاهد الروسية الأخرى . استفسرت من اولئك الذين كانوا معنا في جامعة موسكو عن سبب اختيارهم دراسة اللغة الروسية ، فكانت أجوبة السواد الاكبر من هؤلاء الدارسين ، أنهم جاؤوا ليتعلموا هذه اللغة – رغم صعوبتها –  من اجل قراءة روايات تولستوي ودوستويفسكي وقصص تشيخوف وشعر بوشكين وماياكوفسكي ويسينين باللغة التي كتبت بها . فقراءة الأعمال الإبداعية بلغتها الأصلية شيء ، وقراءة ترجمتها في أي لغة أخرى ، مهما بلغت درجة اتقان الترجمة – شيء آخر . النصوص الإبداعية ، وخاصةالشعرية منها  تفقد ايقاعها وكثيراً من رونقها وحرارتها في الترجمة .. .

هل تعرف شيئا عن الأدب المغربي وعن الكتاب المغاربة ؟

جودت هوشيار :المستوى الفني للأعمال الروائية والقصصية المغربية أعلى من معظم ما نشر خلال العقود الأربعة الأخيرة وما ينشر اليوم في بقية انحاء العالم العربي . أنا معجب بنتاجات محمد شكري ، والطاهر بن جلون ، ومحمد زفزاف ، واحمد المديني . واعتقد ان سر تفوق الكتاب المغاربة يكمن – اضافة الى مواهبهم الأدبية الكبيرة – في المامهم باللغة الفرنسية  واطلاعهم على الأدب الفرنسي العظيم . وبعض من ذكرت اسمائهم له مؤلفات باللغة الفرنسية ، والبعض الآخر باللغتين الفرنسية والعربية.

قلت في  مقال لك بعنوان  من هو الكاتب الحقيقي ؟  بأنه  بات من الصعوبة بمكان فرز الكتّاب الحقيقيين عن الأدعياء كيف في نظرك  يمكن فرزهم ؟

جودت هوشيار :الكاتب الحقيقي يخلق عالمه الخاص ، والأدب الحقيقي يستمد قيمته من جماليته و تعبيره عن عوالم الأعماق ، وكونه شهادة إنسانية عابرة للزمان والمكان ، ففي أساس كل ادب حقيقي هناك سعي لفهم الحياة وادراك قضايا الوجود الأنساني وايجاد الشكل الملائم لأيصال ذلك الى الجمهور القاريء. اما اساس الأدب الأستهلاكي فهو انتاج سلعة قابلة للبيع والتسويق . وثمة فرق جوهري آخر بين هذين النوعين من الأدب  يكمن في اختلاف الدافع للكتابة ، الذي يحدد علاقة المؤلف بالجمهور القاريء . الكاتب الحقيقي صادق مع نفسه ومع الجمهور القاريء .ويقول الحقيقة دائماً  وقد يصطدم بالسلطة أحياناً .

إن الدافع الأساسي لتغليب الأدب الهابط واكتساحه للمشهد الأدبي سواء في روسيا او غيرها هو تخدير وعي الجماهير ، وإلهاء الناس عن همومهم الحياتية ، وزرع الأنانية في النفوس  وتحويل المجتمع الى مجتمع مادي استهلاكي ، لا يعنى كثيراً بالقيم الروحية .

الكاتب الحقيقي يخلق شخصيات نابضة بالحياة ، ويكشف عن عوالمها الداخلية , والقاريء يرى تلك الشخصيات مجسدة أمام ناظريه ، وفي الوقت نفسه يشعر بأن الخيال الممتع يسري خفيفاً لطيفاً في ثناية القصة بطريقة تثيرحبه للأستطلاع إثارة متصلة ، ويحس أنه يعيش مع ابطال القصة . يفرح لأفراحهم ويتألم لعذاباتهم . وكل قصة فنية أشبه بجبل جليدي ،لا يظهر للسطح سوى جزء صغير منه . وكل قاريء يكمل القصة في خياله حسب تجاربه وخبرته الحياته وثقافته .

أما الأدب المزيف فإنه سطحي ، وتقريري مباشر ، وشخصياته دمى يحركهم المؤلف بين يديه. وقبل فترة قرأت نص مقابلة مع روائي عراقي ، جاء فيها : ” أن شخصيات رواياته دمى بين يديه يحركها كما يشاء ” . في حين أن كاتبا عظيما مثل تولستوي مؤلف ” آنا كارينينا ” يقول إن آنا رمت بنفسها تحت عجلات القطار رغم أنف المؤلف ، لأن كل أحداث الرواية قادت البطلة إلى هذه النهاية المحتومة .

ماهو تقيمك للساحة الثقافية العربية في ظل التحولات التي يعرفها العالم؟

جودت هوشيار :الأدب العربي المعاصر زاخر بالمواهب الكبيرة في القصة والرواية والشعر ، وتتمثل فيه التيارات الأدبية السائدة في الأدب العالمي المعاصر . ولكن الأدب العربي يلقى اهتماماً أقل مما يستحقه ، في الدول الغربية ، وفي روسيا . ان العائق الكبير امام ترجمة  جزء كبير من الأعمال الأدبية العربية الى اللغات الأجنبية هو أن الأدباء التقليديين يستخدمون الأسلوب الزخرفي ، الذي لا عمق فيه ،وألفاظ عائمة وكلمات بلا معنى ، وهي كلها لا تخل بالمعنى فقط ، بل تشل قدرة الذهن على التفكير الناضج المحدد .

 الجيل الجديد يتعجل النشر والشهرة قبل الأوان ، وقبل امتلاك التقنيات الأساسية للفنون السردية ، بينهم من لا يعير اهتماما كبيرا للغة التي يكتب بها . ويتركز اهتمامه على نسج العلاقات التواصلية مع اصحاب النفوذ في الساحة الثقافية والوسائل الإعلامية ، ومانحي الجوائز الأدبية . أما قيمة العمل الأدبي فتأتي في المرتبة الأخيرة ، لأن الكتاب الأدبي في العالم العربي أيضاً  تحول الى سلعة في السوق .وتحول المتلقي الى مجرد مستهلك . والهدف الأساسي لدور النشر التجارية العربية هو نشر الكتاب الرائج و تحقيق أقصى الأرباح بصرف النظر عن قيمته الفكرية والفنية .ان مثل هذا الأدب يقود الى مزيد من الأستسهال والركود .

آلاف النصوص الجيدة تهمل لأسباب شخصية ، ولا تأخذ حقها من التنويه والإشارة والإضاءة. وتفتقر الساحة الثقافية العربية الى نقاد يقيمون العمل الادبي تقييماً موضوعياً .ومعظم ما ينشر من نقد حول الإصدارات الجديدة مبني على علاقات شخصية . وكثيراً ما نقرأ مراجعات للأعمال الأدبية المنشورة حافلة بالمديح للنصوص وأصحابها ولكن عندما يقتني القاريء الكتاب ويقرأها بتمعن يصاب بخيبة أمل ، ذلك لأن الدعاية المصاحبة للكتاب لا علاقة لها بمستواه الفني .

هل هناك بالفعل ركود إبداعي في العالم  وإذا كان كذلك فما السبب؟

جودت هوشيار : لا اعتقد ذلك . كل ما الأمر ان  كثبرا من المحتوى الأدبي الأبداعي قد انتقل الى الشبكة العنكبوتية والأجهزة الذكية ، مما أدى الى خلق نوع من الفوضى وفسح المجال لكل من من يريد تجربة حظه في عالم الأدب ، وان كان يفتقر الى الموهبة ، والحد الأدنى من الثقافة ، ولا يمتلك التقنيات المطلوبة للعمل الأدبي الناجح .

ليس ثمة ركود . ومن يقرأ احصاءات منظمة اليونسكو سيكتشف أن عدد العناوين المنشورة سنوياً لكل مليون شخص في اميركا وانجلترا وفرنسا واسبانيا مثلاً تصل الى حوالي ( 10 – 15 ) ألف كتاب. واجمالي عدد العناوين المنشورة في اسبانيا وحدها يفوق اجمالي العناوين المنشورة في العالم العربي ،

ما هي نصيحتك للمبدعين الشباب؟.

جودت هوشيار : المثابرة الدؤوبة  لأكتساب التقنيات الفنية ، عن طريق قراءة الأعمال الأدبية الجادة ، ليس من أجل التقليد ، بل من أجل هضم واستيعاب التقنيات المستخدمة فيها . والعمل على صقل ما يكتبونه المرة تلو المرة .

 ان الشيء الذي نقرؤه في سهولة ويسر هو شديد الصعوبة في كتابته . فالكتاب الكبار في العالم ، كانوا يعيدون النظر في نصوصهم مرات عديدة ،  حتى الوصول الى الصيغة المناسبة التي يتطلبها المعنى ، والنغم العام او الموسيقى السائدة .

 

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد