بقلم : “الطيب أديب” كاتب مصري
(في العام 1900 م بدأ تنفيذ مشروع سكة حديد الحجاز العملاق ليشق الجزيره العربية قادما من وسط تركيا مارا بالشام ليصل المدينة المنورة.
وأما الهدف من المشروع كما يقول المؤرخ البريطاني”جيمس نيكلسون”في كتابه “خط سكة حديد الحجاز”
1- هدف الديني،فالسلطان الذي كان خليفة المسلمين وخادم الحرمين الشريفين، ورأى أن إنشاء خط سكة حديدي يربط بين دمشق ومدينتي الإسلام المقدستيْن، سيجعل رحلة الحجيج من الشام إلى الحجاز أسهل وأقل مشقة.
2- الهدف السياسي، وهو أن إنشاء مشروع “هندسي” بهذا الحجم من شأنه أن يمنحه مكانة أدبية رفيعة وسط البلدان الأوروبية الأكثر تقدماً صناعياً. وجاءت الفكرة أيضاً لتعزز فكرة السلطان نفسه عن “الجامعة الإسلامية”، التي تعني توحيد جميع المسلمين تحت راية واحدة.
وأما من الناحية الاقتصادية، فكان لتعزيز التجارة والتنمية الزراعية والحضرية في وقتٍ كانت تعاني السلطنة العثمانية من مشكلات اقتصادية جمة.
*رأسمال إسلامي:
وأراد السلطان عبد الحميد أن يضفي على مشروعه الطابع الإسلامي ؛ وإنشاء المشروع برأسمال إسلامي دون اللجوء إلى بيوت المال الأجنبية الربوية.
وهنا وجه السلطان عبد الحميد نداءً إلى العالم الإسلامي عبر سكرتيره “عزت باشا العابد” للتبرع للمشروع. ولقي هذا النداء استجابة تلقائية من مسلمي العالم وانهالت التبرعات، وكان اتساع نطاق هذه التبرعات مظهرًا عمليًا لحركة الجامعة الإسلامية.
وتبرع السلطان بمبلغ (320) ألف ليره ، وأرسل خديوي مصر عباس حلمي الثاني كميات كبيرة من مواد البناء ، وتألفت في سائر الأقطار الإسلامية لجان لجمع التبرعات.
وكان مسلمو الهند من أكثر المسلمين حماسة له ؛ وهو ما أثار غضب بريطانيا، فوضعت العراقيل أمام حملات جمع التبرعات حتى إنها رفضت أن يرتدي المسلمون الهنود الذين اكتتبوا في الخط الأوسمة والنياشين العثمانية.
وبلغت تكلفة المشروع أكثر من أربعة ملايين ليرة عثمانية.
واستمر العمل في ظروف تضاريسية ومناخية صعبة طوال 8 سنوات تقريبا.وتطلب الامر انشاء كباري وأنفاق وتامين الطرق والعمال بعدد كبير من الجنود..!
*مراعاة هيبة المدينة:
وتم إنشاء الخط الواقع بين مدائن صالح والمدينة المنورة كله بأيدي المهندسين والعمال المسلمين فقط؛ لأن هذا الجزء كان داخل حدود منطقة الحرم. وعندما وصل الخط إلى المدينة المنورة في 31 أغسطس من العام 1908م، أمر السلطان عبد الحميد الثاني بأن يُمَدَّ اللباد(الصوف) على آخر ثلاثين كيلومترًا من الخط.كما أن مقطورة القطار كانت عند وصولها إلى المدينة المنورة تخفض من سرعتها وتقترب من رصيف المحطة ببطء؛ اجلالا لقبر النبي -صلى الله عليه وسلم -ومدينته المنورة.. ثم ينـزل الركاب من القطار ماشين على أطراف أقدامهم بتأدب واحترام.
وأما اللباد الممدود على سكة الحديد فيتم غسله بماء الورد خلال كل يوم في ساعات معينة؛ وذلك احترامًا لتلك الأراضي المباركة وتقديسًا لها !
*تدمير المشروع:
اشتدت الهجمات على القطار الحجازي، وقد أفضت في النهاية إلى تدميره. فعقب قيام الحرب العالمية الأولى، قامت “الثورة العربية الكبرى”، التي كان بطلها الشريف حسين أمير مكة ضد العثمانيين، وقررت بريطانيا التدخل لمساندة الثورة العربية، واعتبر البريطانيون وحلفاؤهم العرب سكة حديد الحجاز هدفاً عسكرياً لاستخدامه في نقل الجنود والمعدات أثناء الحرب. لذلك أعلنت الحرب التي قادها “لورنس العرب” ضد القطار الحجازي العام 1917م؛ وانتهت بسيطرة الثوار العرب على أرجاء المدينة المنورة في يناير 1919 م).