الأستاذ محمد الهلالي
3- ماركس وورثته: بانكوك، كورش، ألتوسير
أما الماركسي الهولندي أنطون بانكوك (1873-1960) فقد وصف الثورة الروسية بأنها ثورة برجوازية، وقال أن ظهور الجماهير في المسرح السياسي وتشكل المجالس والسوفييتات لم يكن إلا تعبيرا عن احتجاج جنيني للسلطة البرجوازية من طرف الفئات الشعبية، كما أن خنق الدولة للسلطة العمالية يترجم استحالة تطور الثورة الروسية خارج طبيعتها البرجوازية. وكان يعتقد أن حزب لينين كان حزبا مركزيا برجوازيا وبيروقراطيا تكنوقراطيا أكثر مما كان حزبا عماليا. لذلك ليست هناك قطيعة بين لينين وستالين. وكانت مادية لينين في نظره مادية برجوازية تقود إلى تصورات ابستمولوجية تضفي الشرعية على قادة يملكون معرفة تشكلت قبليا وفي انفصال عن نشاط الجماهير، وهو ما يجعل دور الجماهير ينحصر في التنفيذ.
ويعتبر مسار كارل كورش (1886-1961) متميزا، كما تعتبر مواقفه جريئة وهامة. فلقد رفض التحريفية والماركسية الميكانيكية، كما أولى اهتماما خاصا بمكانة الفلسفة في الماركسية، انتقد اللينينية وعبر عن موقفه من الماركسية في “أطروحاته العشر”. تساءل عن أسباب فشل الاشتراكية، وهو التساؤل الذي قاده لانتقاد الماركسية من داخلها، أي انتقاد الحركة الاشتراكية من خلال الفلسفة، وتأويل الماركسية في تعارض واضح مع الجناح الأورثوذوكسي والجناح التحريفي.
لم تضفِ الماركسية على نفسها، حسب كورش، صفة الفلسفة، وإنما كانت تسمي نفسها بالاشتراكية العلمية، بينما كان ماركس وأنجلز يطلقان كلمة فلسفة على كل فلسفة بورجوازية، أي على الفلسفة ككل. وبما أن ماركس كان يحارب الفلسفة ويعمل على زوالها فإن مسألة علاقة الماركسية بالفلسفة تظل قائمة. أراد كورش إحياء المحتوى الثوري للماركسية. ولقد اهتم كورش أساسا بالأفكار الأصلية لماركس أكثر من اهتمامه بتطور فكره لاحقا، لأن المسألة الأساسية عند ماركس هي “تغيير المجتمع”، أما حيثيات وخصوصيات هذا التغيير فلم يتطرق لها ماركس، ولهذا السبب تكون الماركسية عند كورش صراعا طبقيا ونظرية انتقالية للمجتمع الرأسمالي، وهو ما يعني أيضا أن للماركسية طابعا تاريخيا يمنع سقوطها في الوثوقية.
لا بد أن تتحرر الماركسية حسب كورش من ادعائها احتكار الحركة الثورية، واعتبار ماركس أحد المؤسسين للاشتراكية إلى جانب الاشتراكيين الطوباويين، وإلى جانب منافسيه الكبار مثل أوغست بلانكي (1805-1881)، وبيير جوزيف برودون (1809-1865)، وميخائيل باكونين (1814-1876)…
رفض كورش المبالغة في اعتبار الدولة أداة حاسمة للثورة الاشتراكية، لأن التحويل البسيط للرأسمالية الخاصة التنافسية إلى احتكار وسائل الإنتاج والمراقبة الاجتماعية لا تقود إلى تحقيق أي هدف ثوري. وكل ما فعله لينين في روسيا حول تحويل الماركسية من نظرية ثورية إلى إيديولوجية. كان كورش يرى أن الحزب ليس إلا مجرد وسيلة لتحقيق الديمقراطية المباشرة للمجالس العمالية. فالماركسية في نظره لم تكن لا علما ولا فلسفة، وإنما كانت وعيا نظريا بممارسة ثورية بروليتارية. إن الماركسية هي التعبير العام عن الحركة الثورية الموجودة، وحسب هذا التعريف فاللينينية ليست إلا “إيديولوجية ماركسية”، أي أنها لا تتناقض ضمنيا مع الكاوتسكية، وبالتالي فهي أيضا اتجاه تحريفي.
وبالرغم من أهمية مواقف وتصورات كارل كورش، فيمكن التساؤل عن الأسباب التي جعلت أهم حركة نظرية ماركسية في فرنسا آنذاك، أي الألتوسيرية، لم تعطه الكلمة، أي تجاهلته تجاهلا تاما ؟
خلافا لكارل كورش، كان لويس ألتوسير (1918-1990) يريد أن يجعل من الماركسية نظرية علمية. وكان فكره مركز النقاشات الفلسفية والفكرية ما بين 1965 و1975 قبل الاهتمام بدريدا وفوكو ولاكان، ثم توارى في غياهب النسيان ليحتل هؤلاء المشهد الفكري. ولتحقيق ذلك كان يجب تحريرها من الإيديولوجية، فكان الحوار مع سبينوزا والتحليل النفسي واللسانيات. ولقد عبر بوضوح عن هذا “النزوع العلمي” حين قال سنة 1964: “كل نقاش بين الشيوعيين هو دوما نقاش علمي، وعلى هذه الأرضية العلمية يرتكز التصور الماركسي اللينيني للنقد والنقد الذاتي”(1). ارتكز ألتوسير أيضا في قراءته لماركس على أطروحة “التطور اللاتمتكافئ للتناقضات” (وهي لماو تسي تونغ)، بهدف التركيز على أهمية البنيات الفوقية، وأهمية الفلسفة في الصراع الطبقي. وسيقوده منهجه إلى نبذ الديالكتيك والعمل بطريقته على إبراز حدود فكر ماركس.
كان انتقاده للستالينة محتشما جدا. فلم تكن بالنسبة له ثورة مضادة، وإنما كانت نتيجة “لانحراف نظري”، وكأنه يبرر نظريا الستالينية ويضفي الشرعية على أطروحة “بناء الاشتراكية في بلد واحد” التي هي حجز زاوية فكر ستالين. ورغم أنه اعتبر أن الثورة الصينية هي “النقد اليساري الصامت للستالينية”، فإن نتائج الثورة الثقافية (1973) لم تغير رأيه في الثورة الصينية. فحين ينتقد ألتوسير النزعة الاقتصادية، والنزعة التجريبية، والنزعة الدوغمائية… فإنه ينتقد الستالينية انطلاقا من هذه الانحرافات التي يمسها فلسفية، لأن أساسها نظري وليس سياسيا.
تمحورت أفكار ألتوسير حول ثلاثة قضايا: القطيعة الابستملولجية في فكر ماركس، نقد النزعة التاريخية، نقد النزعة الإنسانية. فلقد استلهم ألتوسير مفهوم القطيعة الابستمولوجية من غاستون باشلار ليطبقه على فكر ماركس، وذلك للتمييز بين مرحلة إيديولوجية ومرحلة علمية في فكره. وحدد لحظة القطيعة ما بعد مخطوطات 1884، أي في سنة 1885، ليكون كتاب “الإييولوجية الألمانية” لماركس وأنجلز هو بداية ماركس العلمي، ولكي يجد حلا لحدوث القطيعة على امتداد مدة زمنية طويلة، تحدث ألتوسير عن “القطيعة كسيرورة” وعن “القطيعة المستمرة” وعن “قطيعة تتخللها قطيعات لاحقة وقطيعات داخلية”. طبق ألتوسير على الماركسية مفهوما معينا للعلمية احتاج لصياغته أن يعيد النظر في مفهموم العلم ذاته، معتمدا على فلسفة سبينوزا. وهو الأمر الذي دفعه إلى انتقاد (سنة 1966) “توجه روحي في الفلسفة” مثله في نظره برغسون وميرلوبونتي، ثم أعلن سنة 1976 أنه اعتمد نظريا لصياغة مواقفه على كافاييس وباشلار وكانغليم إضافة إلى سبينوزا وهيجل، كل ذلك لكي يصل إلى القول بأن ماركس اكتشف علما جديدا هو “المادية التاريخية”. وأعاد النظر في موقفه من ميرلوبونتي ليقول عنه “إنه خلافا لسارتر الذي هو روائي فيلسوف، فإن ميرلوبونتي هو أكبر فيلسوف، بل آخر كبار الفلاسفة في فرنسا قبل العملاق دريدا”(2).
أما بخصوص النزعة الإنسانية، فلقد عمل على استبعاد ثلاثة مفاهيم من الماركسية وهي: الاستلاب، الذات والإنسان، وقدم بديلا عنها تمثل في “سيرورة بدون ذات”. وأصبحت هذه العبارة البديلة مركزية في فكره. وانطلاقا من تعريفه الجديد للإيديولوجية (كعلاقة خيالية للأفراد بظروف وجودهم الواقعية، أي الكيفية التي يعيش من خلالها الأفراد علاقتهم بشروط وجودهم، أي أن الأمر في الإيديولوجية لا يتعلق فقط ظروف وجود الناس وإنما يتعلق أيضا بعلاقة الأفراد بشروط وجودهم)، رفض احتلال الذات لأية مكانة في الماركسية. لذلك “فالسيرورة بدون ذات” ترفض الغائية المتمثلة في الزوج: أصل/نهاية. لكن يجب التمييز بين القول بعدة وجود ذات للتاريخ، ووجود ذوات في التاريخ.
ألقى ألتوسير بالنزعة الإنسانية في حقل الإيديولوجية، التي تخفي العلاقة الواقعية مع الواقع بسبب طبيعتها الخيالية. لكن للنزعة الإنسانية وظيفة إيجابية، بالرغم من وظيفتها السلبية التي تتمثل في إخفاء حقيقة الواقع. وتتمثل إيجابيتها في فعاليتها العملية. لذلك فمعاداتها نظريا لا تؤدي إلى معاداتها عمليا.
خلافا لكارل كورش، يرى ألتوسير أن مجال الفلسفة الماركسية هو العلوم بغية فرز ما هو علمي عما هو إيديولوجي، فهي تخوض صراعا نظريا هو طريقتها في ممارسة السياسة، أي أن الفلسفة تمثل الصراع الطبقي على المستوى النظري، فهي تساعد الشعب على معرفة حقيقة التاريخ حتى وهي لا تتدخل إلا في مجال العلوم دفاعا عن المادية الماركسية، وتحريرا للعلم من الإيديولوجية.
لكنها تهتم أيضا بالإيديولوجيات العملية، وبتكون الإيديولوجيات المسيطرة في إطار صراع طبقي إيديولوجي، وبما أن الإيديولوجية مكون لا مناص منه لأي مجتمع، فبإمكان الفلسفة أن تعمل لتقلب موازين الصراع الطبقي إيديولوجيا، وذلك بجعل الإيديولوجية المُسيطَر عَليها إيديولوجية مُسيطِرة. وبالرغم من هذه الوظيفة فإن الفلسفة في نظر ألتوسير تتدخل كفكر نقدي أكثر منها كفلسفة كاملة التكوين: أي أن الماركسية هي إستراتيجية فلسفية أكثر منها فلسفة جاهزة.
لكن قراءته الجديدة لأعمال ماركس ارتكزت بالخصوص على أعمال فرويد عبر جاك لاكان. ففي كتابه الأساسي “دفاعا عن ماركس” يحضر فكر فرويد حتى وإن لم يذكر بالإسم، ففي هذا الكتاب نجد فكرة القطيعة، ونقد النزعة الاقتصادية الميكانيكية ومفهوم التحديد التضافري (الذي هو مفهوم فرويدي المقصود منه تعدد العوامل المحددة لظاهرة واحدة). كما أن نقده للذات يجد مرجعه عند فرويد: فالذات الواقعية، أي الفرد لا يتخذ صيغة الأنا المتمركز حول الوعي، فالذات الإنسانية لا مركز لها، إنها تتكون من بنية لا مركز لها، وبالتالي فالنزعة الإنسانية وحرية الفرد وحرية الاختيار والمسؤولية والنزعة الإرادية… كلها تعود للإيديولوجيا، أي وجود بنيات لا واعية هي التي تحدد الذات.
إن نصوص ماركس الشاب التي حاربها ألتوسير، وخصوصا مخطوطات 1844، وأراد حجبها بمفهوم القطيعة الابستمولوجية، هي النصوص التي حظيت باهتمام كبير من طرف العديد من المفكرين. فهي التي مكنت من التقاء كل من سارتر (1905-1980) وميرلوبونتي (1908-1961) بالماركسية، وهي التي نهل منها مفكرون ماركسيون، مثل لوكاش (1885-1971) وكورش (1886-1961) وماركوز (1898-1979) ولوفيفر (1901-1991)، الأدوات التي مكنتهم من إعادة الاعتبار للذات والاستلاب في الفكر الماركسي.
كان ألتوسير مطلعا على الكيفية التي استعمل من خلالها ماركسيون ألمان مؤلفات ماركس الشاب ضد لينين من أجل صياغة “تصور أخلاقي للماركسية”. فإسهام ألتوسير تم في سياق فلسفي هيمن عليه إشكال علاقة ماركس بهيجل الذي انخرط في التفكير فيه لوفيفر وغارودي (1913-2012) ودوزانتي (1914-2002)، إضافة إلى المدافعين عن هيجل مثل جون وول (1888-1974) وجون هيبوليت (1907-1968) وألكساندر كوجيف (1902-1968) وغاستون فيسار (1897-1978) ومارسيل رينيي (1900-1998).
وبالرغم من تجاهل ألتوسير لهذا النقاش في كتابه “دفاعا عن ماركس”، فلقد عبر عن موقفه منه بحدة لافتة للنظر سنة 1950 في مجلة (La nouvelle critique) قائلا: “إن الدفاع عن هيجل يستهدف في الواقع مراجعة ماركس، أي تكوين ماركس جديد لإثبات خطأ الشيوعيين (…) وتعتبر العودة لهيجل نزعة تحريفية ذات طبيعة فاشستية”.
لقد عبر جاك رانسيير عن المنزلقات النظرية لقراءة ألتوسير الجديدة لماركس قائلا: “كانت الماركسية التي تعلمناها في مدرسة ألتوسير هي فلسفة الخضوع التي تبعدنا كل مبادئها عن حركة التمرد التي تزعزع النظام البرجوازي (…) يمكن لماركس أن يخطئ ليأتي ألتوسير ليصحح خطأه لأنه هو على صواب، لكنه لا يمكنه القيام بذلك دون مواجهة ماركس بشكل واضح. لكن التاريخ علمه أن عليه أن يتجنب ماركس، لأن مواجهته قد تثير ما لا يمكن تحمُله، وهذا ما يفسر هروبه إلى الأمام. فمن الأفضل له أن يتحدث عن غرامشي عوض الحديث عن ماركس، والحديث عن لوكاش عوض الحديث عن غرامشي، والحديث عن غارودي عوض الحديث عن لوكاش، والحديث عن جون لويس عوض الحديث عن غارودي: إنه يهرب إلى الأمام، إلى أبعد ما يمكن عن المسألة التالية: أين نحن من ماركس ؟ أي أين نحن –في آخر المطاف- من الثورة ؟”(3).
لم يقتنع جاك دريدا قط بفكرة ألتوسير عن القطيعة ما بين ماركس الإيديولوجي وماركس العلمي. واعتبر خطابه الفلسفي نزعة علمية جديدة ونزعة وضعية جديدة. كما لم يتفق معه في قوله بأن الإيديولوجية لا تاريخ لها، ويقول مدققا بهذا الصدد أن هدم مفهوم ميتافيزيقي عن التاريخ لا يعني عدم وجود التاريخ. فبالرغم من كل شيء حظي فكر ألتوسير بمتابعة واهتمام أهم فلاسفة فرنسا المعاصرين.
ويمكن أن نستنتج من هذه المعطيات عن بعض ورثة ماركس أهمية الصراعات والرهانات واختلاف قراءة المرجع الأصلي، مما يوضح أن الأمر لا يتعلق بعلم وقوانينه، وإنما بفلسفة وإيديولوجية وممارسة ثورية سياسية ونقابية، إضافة إلى اختلاف المجتمعات والظرفيات والمرجعيات الفلسفية والثقافية، ولعل امتلاك تصور مكتمل إلى حد ما عن اختلافات ورثة ماركس لن يتم إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار ورثة آخرين لهم مكانة هامة وخاصة في تاريخ الفكر الماركسي والنضال الثوري مثل: كاوتسكي (1854-1938)، روزا لوكسمبورغ (1871-1919)، إرنست بلوخ (1885-1977)، غرامشي (1891-1937)، أنطونيو لابريولا (1843-1904)، إدوارد برنشتين (1850-1932)، أوتو باور (1881-1938) (4)، الماركسي الأمريكي دانييل دو ليون Daniel De Léon (1852-1914)، الماركسي الياباني سين كاتاياما Sen Katayama (1859-1953)، الماركسي الأندونيسي ذو الأصل الهولندي هنك سنيفلييت Henk Sneevliet (1883-1942)…
وكل هذه الإسهامات النظرية، والمجادلات السياسية والانتقادات باسم العلم أو الفلسفة أو الإيديولوجية أو التاريخ أو العدالة هي انتقادات تطرح دوما مسألة راهنية فكر ماركس. فكل مفكر ماركسي، وكل تيار ماركسي، وكل عملية انشقاق عن حزب سياسي ينتمي للماركسية، وكل مراجعة لفكر ماركس… كل هذه العمليات المختلفة هي أدلة على راهنية فكر ماركس وعلى العمل الدؤوب الذي ما انفك يُنجز هنا وهناك، وفي الظروف الصعبة والعادية، إبان الحروب والسلم، لملائمة هذا الفكر مع الإشكالات والوقائع الجديدة، وللإجابة على الأسئلة التي تطرحا الممارسة والفشل في التطبيق وفي الإنتاج النظري. فأي فكر عرف هذا الزخم من المراجعات والنقد والانشقاقات والحروب الطاحنة والانتصارات الجزئية والأحلام الإنسانية الكبرى التي تسمى طوباوية مثل فكر ماركس ؟
ماركس الآن وغدا:
لا تعني راهنية ماركس الاهتمام به أكاديميا، فحسب كارل كورش: “لا تمثل الماركسية بالنسبة لأساتذة الفلسفة في أحسن الحالات إلا قسما فرعيا وثانويا في فصل عن تاريخ الفلسفة في القرن العشرين، يتم الاطلاع عليه تحت عنوان فرعي هو “تفكك المدرسة الهيجلية”. والغريب أن الماركسيين أنفسهم، ولأسباب مختلفة عن تلك التي تقف وراء تصرف أساتذة الفلسفة غير الماركسيين، لا يعيرون أية قيمة للمكون الفلسفي لنظريتهم”(5).
إن راهنية ماركس تنتشر كالهواء في سماء عصرنا من خلال تحويل تصورات ماركس إلى قضايا مرتبطة به ومنفصلة عنه في نفس الوقت، ومن بين هذه القضايا: استغلال الإنسان للإنسان، المنافسة المتوحشة، الجيش الاحتياطي للعمال، مراكمة فائض القيمة، صراع الطبقات، زيف الإيديولوجية، أزمات وتناقضات الرأسمالية، ديكتاتورية البروليتاريا، عدم حتمية الدولة…
لقد مكن ماركس جميع ماركسيي العالم، من أن يصبحوا حركة اجتماعية تاريخية. لقد صار ماركس نوعا من الأبوة الإيديولوجية التي تجاوزته هو شخصيا لتذوب في حركة اجتماعية ونقابية وثقافية أفقها العدالة الاجتماعية. ومن جهة أخرى، لا تزال الماركسية هي النقد الوحيد المقنع الذي عرفه التاريخ لحد الآن للرأسمالية. وإذا أضفنا إلى كل ذلك التجديد الماركسي المستمر نظريا وسياسيا، فسنستنتج أن فكر ماركس يكتسب غناه من تجاوزه المستمر دون القطع معه، لأنه يتضمن ما هو أساسي للتصدي للرأسمالية.
—
هوامش:
1) Louis Althusser, Problèmes étudiants, in La nouvelle critique, janvier, 1964
2)Louis Althusser, L’avenir dure longtemps, p 527.
4) يعتبر أتو باور Otto Bauer أحد ابرز الشخصيات الماركسية النمساوية إلى جانب ماكس أدلر وفيكتور أدلر وكارل رينر ورودلف هيلفردنغ. ولقد أثرت هذه الماركسية المتميزة على الشيوعية الأوروبية واليسار الجديد الأوربي، واشتهر أوتو باور بأطروحة “المبدأ الشخصي” الذي هو وسيلة لجمع أعضاء أمة واحدة مشتتين جغرافيا اعتمادا على التعاون بين الأشخاص وليس من خلال هيآت إقليمية، أي فصل مفهوم الأمة عن مفهوم الأرض والإقليم، جاعلا من الأمة رابطة غير إقليمية، ولقد تم تبني هذا “المبدأ الشخصي الماركسي” من طرف حركات سياسية مثل اليهود اليساريين المؤيدين لحل الدولة الواحدة في فلسطين والاتحاد الديمقراطي للمجريين الرومان.
3) Jacques Rancière, La leçon, d’Althusser.
5)Karl Korsch, Marxisme et philosophie, Ed. Allia, 2012, p. 15-16.