بقلم الأستاذ محمد لخريبي (عزيز بلحاج)
في زمن الفوضى لم أعد أعرف شيئا …
فقررت أن أنتدب شخصا ينوب عني في مساراتي، فقد قررت ذات يوم أن لا أكون سياسيا فالسياسة أوصلت البعض إلى غياهب السجون، رغم أن الكثير منهم وصل إلى قمة المجد، وإلى بناء صروح هو وحده يعرف اسمها ومكانها..
لكنني أجهل كل شيء عن السياسة لهذا أخاف أن أسجن أو أن يموت ضميري، وبحث في كتب التاريخ وفي مرجعيات مختلفة لكنني لم أفهم شيئا..
وقررت من جديد أن أنتدب شخصا أعرفه أو لا أعرفه ليفهم مكاني ويعرف أكثر مني لأنه درس بمؤسسات أعجمية الاسم، لا تنتمي إلى هذا الوطن ولا تتكلم لغته، لذلك فهو يعرف كيف يتكلم وكيف يفكر، وكيف يفهم وكيف يبني وكيف يهدم وكيف يهرب في الوقت المناسب، وكيف يسن القوانين وكيف يخرقها في الوقت المناسب خدمة للمصلحة، ولا أظن أنها مصلحتي، وحده على علم بمدونة الانتخابات والمجالس، والأحوال الشخصية ونظام المالية والتوازنات والتوافق واللا توافق..، وحده يستطيع فك شفرة حاجة المواطن إلى الهدوء النفسي والقناعة والتكيف مع الواقع، حين سيوفر له حلم لقمة العيش ويسمح له بمتابعة أخبار العالم يقتات منها فهو لن يسمح بأن يكون موكله جاهلا جائعا فقيرا..
في زمن هذه الفوضى وحده يمكن أن يحقق مشاريعي، وأن يبني لي غرفة في السماء بابها أحمر، ويبني لذاك الشيخ بجواري في متاهات الريح دارا للعجزة بها قاعة للترويض الطبي تبعث الحركة في أعضائه المتعبة.. ومسبحا تغرق فيه روحه في متعة وقتية
وحده يعلم متى حينها، ويعبد الطريق لأعمامي في القرية البعيدة جدا ليجد لأبنائهم مسلكا نحو المدرسة تنقدهم من الجري وراء نعاج عجاف تتقاسمهم الفتات، وبالمناسبة وعدنا ببناء مدارس أخرى في القرية تخلص الحمار من عمله الدائم في النقل المدرسي، وقال بأنه سيبني جامعة ومستشفى مجهزا بأحدث التجهيزات يضمن لابنة عمي ولادة طبيعية ترحمها من ذلك الحبل المعلق في عمود الخيمة المهترئة لممارسة رياضتها المنتظرة لتفرج عن وليدها الذي تنتظره الخرفان فرحة بفارسها الجديد والذي سيقودها إلى المراعي البعيدة لتأكل وتشبع إذا أراد ان توفر له حليبا دافئا.. وبعض الزبدة.. ولم ينس وعده بمدهم بقنوات الماء درءا للعطش..
لا أريد أن أنسى شيئا، وعدني به صاحبي السياسي الذي سيزف قريبا إلى قبة البرلمان ليستريح من تعبه، حيث سيجد مقعده المريح، هناك سيغفو قليلا فالتعب أخذ منه كل طاقته، ولم يعد له صوت يخبر به عن معاناة منتخبيه وأحلامهم ولم يعد يملك سوى يدين ناعمتين ستصفق على ما سيقال وما لا يقا.. وعدني بأن لا نوم بعد اليوم وأن الغد سيكون للعمل والجد خوفا من يوم الحساب.. فقد حان وقت العودة إلى الحقيقة.. وأخاف أن يكون قد نسي وعده..
آه لو كنت أعرف ما يعرف، لو كنت كذلك وأنت أيضا لكنا ننعم بمنصب في الحكومة ومقعد مريح وتقاعد مريح مدى الحياة، نحترف اللغة الخشبية والحديدية والزجاجية وربما سنغير الواقع والأفكار في بلادنا لصالحنا..
هو لم يتخرج من مدرسة سياسية بل احترف السياسة فقط، ولأنني تعلمت أن السياسة معاناة وسلوك وليست حرفة سأترك هذه المغازلة القبيحة التي قد تثير مخاوف صديقنا وتبعث الشك في قدرته على صنع مساراتي الصغيرة في الوهم.. ومساراته الكبيرة في الواقع..
وسأنتظر كما ستنتظرون.. سأختار ربما قناة لعلها ستنسيني هذه الفوضى في زمن الفوضى.