بقلم حسن السوسي محلل سياسي مغربي مقيم بلندن
كلما أراد نظام سياسي تقليص هامش التدخل في القرارات التي يتخذها الى أقصى حد ممكن، امام خصومه السياسيين، يلجأ الى تأطير تلك القرارات ضمن نطاق سيادي. وإذا كانت هناك قرارات تتخذ على مستوى الدول والانظمة السياسية هي من صميم سيادتها، فإن القرارات التي يتم اتخاذها تحت هذا البند ليست كلها بالضرورة من القرارات التي يمكن حصرها في هذا الاطار. غير ان كل دولة تحاول الإيحاء انها لا تتحرك في مجال اتخاذ القرارات الا ضمن دائرة تلك السيادة، رغم كون هذه الأخيرة غير فعلية وربما تُستباح في مستويات اخرى او كونها مجرد غطاء ايديولوجي لتمرير مواقف وقرارات مطعون فيها جزئيا او كليا على قاعدة مفردات حقوق الأفراد والجماعات وحرياتهم وفلسفة حقوق الانسان.
وبهذا المعنى، فإن الدور الذي تحاول تلك الأنظمة اناطته بالسيادة الوطنية قد يكون دورا استباقيا في مجال الدفاع عن قراراتها وحمايتها من النقد الذي تدرك انه لن يتأخر في مهاجمة تلك القرارات من قبل المتضررين منها، افرادا كانوا او جماعات، او مؤسسات في الداخل اغلب الأحيان وفِي الخارج، احيانا اخرى، مع الاعتراف بان هناك اختلافا بينا بين دوافع النقد من الداخل وبين جل الانتقادات الصادرة من الخارج. ذلك ان الضرر المباشر او غير المباشر الذي يقع على المواطن. او الجماعة السياسية او مؤسسة من المؤسسات هو القاعدة التي يقوم عليها النقد والاحتجاج الداخلي الأصيل، بينما يمكن ان يكون النقد الخارجي مجرد ذريعة يتم توسلها لتصفية حسابات سياسية قديمة او جديدة مع الدولة او النظام المعني او الانطلاق منه لتبرير تنفيذ خطط سياسية او حتى عسكرية ذات العلاقة بأجندات واستراتيجيات دول اجنبية، بحيث لا يشكل الموقف من هذا القرار الذي اتخذته الدولة، على إجحافه، في بعض الأحيان، غير ذريعة لا علاقة لها باحترام حقوق الأفراد والجماعات والمؤسسات التي يتم وضعها في واجهة تلك التحركات.
وبطبيعة الحال، فان كل دولة تتذرع بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدرء مضاعفات انتقادات سياسية او غيرها بخصوص سياساتها الداخلية. وهو مبدأ تتساوى أمامه كل الدول من الناحية النظرية، لأنه من الأسس الرئيسيّة للقانون الدولي الذي ينبغي ان يسود العلاقات بين الدول. غير ان هذه المساواة المبدئية تكاد تختفي، تماما، كلما تعلق الأمر بقضايا تعتبر الدول الإقليمية او الدول العظمى ان لديها كلمتها فيها، وهي تعمل بالتالي، على استدعاء كل الفرص والمسوغات للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الضعيفة. وإذا كان الدفاع عن حقوق الانسان واحترام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ذات الصِّلة، العنوان البارز لما تعتبره تلك الدول حقها في عدم ترك الحبل على غارب الدول الضعيفة، وقد تم اعتماده فعلا، للقيام بمختلف أشكال الضغط والتدخل بما في ذلك التدخل العسكري للإطاحة بالأنظمة السياسية غير المرضي عليها كما حدث في العراق وليبيا وقبلهما في يوغوسلافيا وغيرها، فإن المجتمع الدولي، ممثلا في الأمم المتحدة قد أبان عن مقاومة قوية للدفع بهذا الاتجاه الى درجة سن قوانين ترتبط بما يسمى حق التدخل الإنساني، انطلاقا من تقدير عدد من الدول الوازنة بأن إصدار هكذا تشريع يعني فتح الأبواب على مصراعيها لاضفاء الشرعية على مختلف أشكال التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة ذات السيادة والذي لن يؤدي الا الى تقويض اسسس القانون الدولي والعلاقات بين الدول.
لقد تمت ملاحظة ان هذا التوجه له عواقب وخيمة على واقع ومستقبل الشعوب التي عرفت هذه الحالة، منذ التدخل الغربي في يوغسلافيا السابقة، وما تلاه من تدخلات في أفغانستان والعراق وليبيا على مستوى ديمقراطية هذه البلدان كما على مستوى تماسكها الوطني الداخلي، مع التأكيد على عدم التطابق المطلق بين حيثيات تلك التدخلات، غير ان مزاعم حول حماية حقوق الانسان ومناهضة الدكتاتورية من القواسم المشتركة بينها.