إلياس العماري يكتب عن “عصارة الليمون” (اللشين) والحنين إلى الأم والقرية

إلياس العماري

قرار مجلس مدينة الرباط بنقل محطة القامرة إلى مكان آخر من المدينة،  أعاد ذكريات عاشها  الياس العماري رئيس حزب الاصالة والمعاصرة سابقا  في شبابه وعن علاقته بوالدته وحنينه لقبيلته فعبر عنها بتدوينة نعيد نشرها من صفحته”على الفيس بوك”

قرأت البارحة خبرا مفاده أن مجلس مدينة الرباط قرر نقل محطة القامرة إلى مكان آخر من المدينة. وأنا لست لا ضد ولا مع هذا القرار الذي يهم المجلس، ولا أعرف الخلفيات العمرانية والتنموية والاقتصادية لهذا القرار. ولكن ما يهمني منه هو علاقتي بهذه المحطة التي عرفتها في زمن غير زماننا هذا، في فترة لا أعرف كيف أصفها، أهي مرحلة المراهقة أم الشباب أم شيئا آخر، وعمري كان يزيد أو ينقص بقليل عن 17 سنة.
تعرفت على القامرة حينما دار بي الزمن وقذف بي إلى هذا المكان باحثا عن طريق لنفسي ولغيري سميناها في زمننا طريق الخلاص.
كانت لي مع هذه المحطة ذكريات، حلوة ومرة. في حديقتها نمت على الرصيف، وأنا لا أملك سوى قطعة ورق مقوى وخمس سنوات سجنا بحكم غيابي.
ومن داخل هذه المحطة احتضنني رفاق من الطلبة القاعديين وأخذوني إلى منازلهم أو إلى غرف الحي الجامعي. منهم من أصبح اليوم مسؤولا كبيرا أو موظفا ساميا أو شخصا بسيطا.
محطة القامرة قاسمتني لعنة الصمت والتشرد. وهناك أحسست لأول مرة في حياتي بمعنى الحنين إلى أمي وإلى قبيلتي ودواري، إلى خبز الشعير اليابس، إلى اللمسة الرائعة لأمي. في هذه المحطة اكتشفت من أنا، ومن خلالها اكتشفت العاصمة بعدما كانت حلما يراودني بعد إنجاز الثورة.
هنا في هذه المحطة التقيت مع رفيق أمازيغي قاعدي. وذات يوم اتجهنا نحو مطعم شعبي، وكنا نرغب أكل وجبة مما يسمى ب”الكرشة” أو “التقلية” أو الدوارة”، أو “الشكامبة” ولم يكن نادل المطعم يعرف الأمازيغية. فقال له رفيقي الأمازيغي: من فضلك نريد صحنا من “البطن”….لم يفهم النادل المقصود، حتى أشرت بيدي إلى صحن “التقلية“..
من هذه المحطة وفيها اكتشفت العاصمة، وكانت بدايتي الأولى في اكتشاف خيوط العلاقات التي مازلت أحتفظ بأكثر من 80 في المائة منها…منهم المشردين والطلبة والحراس.. منهم من عاش الصعود الاجتماعي لاحقا، ومنهم من بقي في مكانه، ومن بينهم بائع للخضر مايزال ماكثا في مكانه.
في محطة القامرة، كنت أطالع الجرائد الحزبية التي كانت متداولة. كنت أقرأ الإتحاد الاشتراكي والعلم والبيان.. وفي أحد أيام شهر يونيو من 1989، أخذت كعادتي جريدة الاتحاد، لأقرأ في صفحتها الأولى خبر إصدار المرحوم الحسن الثاني لعفو شامل وكامل على مجموعة من المعتقلين والمنفيين والمبحوث عنهم. ولحظتها شعرت وأنا في هذه المحطة بولادتي الثانية، خصوصا بعد العفو عن رفاقي المعتقلين.
يومها وفي القامرة، قررت العودة نحو القبيلة، والارتماء في أحضان أمي التي كان قد مر على فراقي لها أزيد من سنتين.
حين تكلمت مع إحدى صديقاتي حول خبر ترحيل محطة القامرة، قالت لي بأنها حينما كانت تنزل رفقة أمها بهذه المحطة، كانت تسميها “عصارة الليمون” (اللشين). هكذا كانت تبدو لها من بعيد. ولذلك سميت هذه التدوينة ب”عصارة الليمون

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد