من مذكرات كشكاط – لوي جونتي

اليوسفية عبد الخالق باحجوب

تجرأ بعض العمال وبدؤوا يتسللون الى معسكر المريكان لجلب الزيت من براميل كانت منتشرة على مشارف خيامهم، وأقبل الناس على هذا الزيت الذي أصبح يروج بينهم، بنهم وشراهة، لتقليص حدة الجوع التي كانت تعصر أمعاءهم، اقتنى المحجوب أيضا قليلا منه من أحدهم، لكنه لم يستسغه، ولم يطمئن الى مذاقه المريب الذي يبعث على الامتعاض، وعندما استعمله لفتيلة القنديل، كان يثير لولبا كثيفا من الدخان الأسود، الشيء الذي أثار شكوكه، فبات حذرا منه، حريصا على أن لا يتناوله الا عند الضرورة

لكن سرعان ما تفشى الوباء، وبدأ الناس يتساقطون كأوراق الخريف، بعضهم قال أنه “التوفيس”، ومنهم من قال أنه الطاعون، ومنهم من قال “بوهيوف”، لا أحد يعرف ماهية هذا الوباء، الذي انتشر بينهم هناك كالنار في الهشيم، ترى الرجل مقرفصا، أو متكئا تحسبه جالسا، فإذا هو ميت واللقمة في فمه، يا حسرة على هؤلاء البؤساء، إنه الموت الكاسح، موت في الصباح، موت في الظهيرة، وموت في المساء، البعض  عائد من المقبرة بعد الدفن، والبعض الآخر في طريقه إليها لدفن جثة أخرى، أكثر من جثة تدفن في اليوم، حتى أنك قد تجد ميتا بين الأزقة بجانب الحائط، وتظل جثته هناك بعد تعود الناس على الموت، فكان الفقير احماد أول المتطوعين، إذ كان يعمل حارسا في الليل، بالمستودع المركزي للشركة، وفي الصباح يبكر الى المقبرة حيث يقضي نهاره بكامله في حفر القبور ودفن الموتى، في مقبرة حول حوش سيدي موسى، كيف أصبح هذا الرجل- سيدي موسى – حوشا من النباتات الشائكة والحجر، وكيف تحول هذا الحوش المنسي الى مقبرة جماعية مفتوحة كل يوم، طول النهار، لاستقبال الضحايا واحتضانهم بأسمالهم المتقطعة لانعدام الكفن.

وجاء اليوم الموعود، فبعد التحاق الجنود الفرنسيين، وحرس “لاليجو” وساليكان، وجحافل من الكوم المغاربة، والمتطوعون من الجالية الفرنسية بالجبهة، لتحرير فرنسا من قبضة الألمان، ولم يبق في المستعمرة الا العجزة والمسنين والنساء والأطفال، حان أخيرا موعد رحيل هذه الحشود الأمريكية لتلتحق هي الأخرى بجيش الحلفاء هناك

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد