مصطفى المنوزي : حقوقي
يقال بأن الحكم على الشيء فرع من تصوره ، ونؤكد أن التضليل نصف حقيقة ، والقمع قابع في ذلك النصف مصطفى المنوزي،فمهما كانت الوسائل والمظاهر لا يمكن أن نماثل ، بصفة إطلاقية ، سنوات الرصاص بما يجري خلال العقدين الأخيرين ، وفي إطار النسبية لامناص من التمييز بين هذا العهد الجاري ، الذي لا يخلو من انتهاكات ولم يحقق بعد الحكامة الكاملة ، وبين العهد البائد الذي من أبرز علاماته ، الإختطافات السياسية والاغتيال خارج نطاق القضاء والقانون والتعذيب الوحشي ، تتريك العائلات ومصادرة الممتلكات ، التصفية المادية والرمزية للمعارضين ، النفي والإبعاد ، التجريد من الحقوق ااوطنية و المدنية ،،،،إلى غيره من أصناف الانتهاكات الجسيمة ، صحيح أن وثيرة التحولات بطيئة جدا ، ولكن لابد من الاعتراف أنه بفضل نضالات وتضحيات القوى الحية في البلاد ، تقلصت مظاهر الحكم الفردي المطلق وحدة تواتر الانتهاكات بقدر تراجع منهجيتها ، مما يستدعي عدم تبخيس ما تحقق من مكتسبات في أفق توسيع دائرة الضوء ، وتحصين الحقوق باعمال الحكامة الأمنية واقرار مبدأ عدم الإفلات من العقاب و إعمال ضمانات عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان ، وصحيح أيضا أن المواطنات والمواطنين يستحقون أحسن من الوضع المزري الذي يعيشون فيه ، غير أنه ينبغي الوعي بضرورة الحاجة الى تمثل القاعدة المأثورة « لا تماثل بين البشر ، وبين السلوكات الناتجة عنهم » ، فكل تشبيه بين الظواهر يبخس ويحقر كل المجهودات المبذولة هنا وهناك ، ويدفع إلى الإحساس بأنه لاشيء يتغير ، وصحيح ثالثا أن العقل الأمني يطور وسائله الضبطية والردعية ، لكن هذا لايعني البتة أننا نعيش سنوات الجمر بصيغة أخرى ، فالرصاص لم يعد يستعمل سوى لقنص الحلوف ، والنار لم تعد إلا بلاغة تزين بيانات الاحتجاج ، ومع ذلك لابد من الإقرار بأن تراكم الاستعمال المفرط للقوة وكذا المعاملة القاسية والمهينة تجاه كل أشكال التعبير المدني السلمي يثير سؤال امكانية العودة إلى العنف والعنف المضاد ، والذي ليس التطرف الديني والتشدد العقائدي والإرهاب الفكري سوى إحدى مظاهره المرشحة للتفاقم ، فهل سنظل أسرى نزعة المظلومية والعدمية ، أم لابد من نقد سلوكاتنا في العلاقة مع تطوير أشكال النضال ، ورد الاعتبار للتفكير النقدي نوجه به السياسة ، وذلك بإبداع وسائل مقاومة التردي والهشاشة والتراخي السياسي والتنظيمي والثقافي ؟ كيف نواجه الأمور بكل شجاعة خارج منطق الاكتفاء بالإدانة وتوصيف الأشياء دون العمل على تغييرها ؟ وكيف سوف نغير الأمور بمجرد « الاحتجاج » وكالة عن « المظلومين » المفترضين ، دون اعتماد نظرية ثورية لا تراهن على الحماس والغضب والقلق غير الفكري ؟ وهل يستقيم القول بأن يحل الحقوقيون والإعلاميون مكان المناضل أو الفاعل السياسي ، في ظل وضع يتوهم فيه كثير منا نهاية جدوى الديمقراطية التمثيلية مقابل فتوة الديمقراطية التشاركية ؟ وهل يمكن أن نتفق على تسمية عهدنا « الجديد » بسنوات التيه والامتصاص ، تأسيسا على تضخم « السلطة » لدى العادي والبادي و التناوب على احتكار الحقيقة الثورية والقوة العمومية ؟
واذا كان لابد من ضرورة رصد لتقاطع بين العهدين ، فهو أن القوة صارت ناعمة ، وان القمع يمر عبر التضليل وتمييع العمل السياسي ، والتسلط صامد باعتماد التكيف بدل التحول ، غير أن الجريمة الفادحة المقترفة هي التجهيل والتفقير ، وما يرافقه من محاولة لمأسسة النسيان والاخلال بالالتزامات التعاقدية ، من التلكؤ في تصريف مقتضيات تقرير الخمسينية حول التنمية ، والتردد في تفعيل الشق السياسي من توصيات هيأة الانصاف والمصالحة ، مما يطرح ملحاحية سن استراتيجية عدم الافلات من العقاب تجاه المخالفات والخروقات وعلى الخصوص تجاه انتهاك للحقوق الانسانية الأساسية ، من الحق في الحياة الى الحق في التنمية ، مرورا بالحق في معرفة الحقيقة وكل الحقوق المهيكلة لبناء الثقة والمصداقية ، فليس ينبئ بفزاعة سقوط الوعي في العدم ، سوى مفارقة بينة ومنتجة للعبث والابتذال ، تماهي ادعاء التمسك بدولة المؤسسات وفصل السلطات مع مطلب تكريس تحكيم ومناشدة تدخل المؤسسة الملكية في كل الصراعات ، والحال ان الدولة بكل مكوناتها مسؤولة عن عدم تفعيل الدستور وعن عطب الوساطات المؤسسات سواء العمومية الرسمية او الموازية من حزبية ومدنية غير حكومية ، لذا فالحاجة ليست ملحة الى رجال الاطفال ومرجئة ولكن الى قرارات واجراءات حكيمة لتصفية الإجواء السياسية والبيئة الحقوقية من اجل رد الاعتبار للثقة بين الاطراف بمأسسة الوساطات ، والتأسيس لتعاقدات مؤسساتية ودستورية جديدة ، تحصن مكتسبات الدمقراطية التمثيلية ، وتنفتح على مزايا التنافس الشريف والتشاركية ، خاضعة بكل وضوح لجبرية الالزام ولمبدأ ربط المسؤولية بالجزاء والعقاب .