هل توجد نساء فيلسوفات ؟ 3/3

 

الأستاذ محمد الهلالي

النموذج الثاني: سيمون دو بوفوار (1908-1986)

 

السؤال الأساسي الذي يعتبر الخيط الناظم لتساؤلات سيمون دو بوفوار هو “من هي المرأة” ؟

ويمكن تحديد معالم وضع المرأة كما يلي:

– تشكل المهزوم كآخر

– قبول النساء للدور الذي أنيط بهن كآخر

– التواطؤ العميق الذي يعارض تحملهن المسؤولية تجاه الحرية الحتمية

 

تكشف سيمون دو بوفوار المصالح المقنعة التي تساهم في سجن النساء في وضعية هذا الآخر المطلق، الضامن للسيطرة الذكورية، وهو الوضع الذي لا يبرره أي تحليل بيولوجي أو تحليل-نفسي.

تعرف العالم باعتباره لغة لأن “الأشياء تكلمنا”، مؤكدة على مسألة البين-ذاتية التي تربط الذات بالموضوع باستمرار مغيرة بذلك تأويل وضع الجسد.

إن الجسد هو بالنسبة لها تاريخ وهو ما يفسر تواصله الحيوي مع العالم.

لقد فكرت أساسا في وضعية الحرية الإنسانية في المجال السياسي مفندة ثنائية الذات والموضوع ومركزة على قمع النساء.

لا تشكل الحرية والموقف كلمتين متجاورتين، بل إن الأساسي هو العلاقة بين الحرية كانكشاف للوجود والموقف الذي هو المنكشف ذاته الذي عمقته حرية الذات والآخرين في حدود أن “كل إنسان له علاقة بالآخرين بالضرورة، ولا يمكن تصوره خارج ذلك”.

ولقد جمعتها مواقف فلسفية بكل من ميرلوبونتي وسارتر وخصوصا فيما يتعلق بنزع الطابع التشيئي عن الموضوع ونزع الطابع الروحي عن الذات، ونقد الطابع الفردي للحرية، وربط الحرية بموقف محدد وتحليل طبيعة السلطة القمعية.

وانتبهت إلى المفارقات المرتبطة بالرغبة في الحرية من السيطرة من جهة، والخوف من التحرر الفعلي من التصنيفات المقولاتية من جهة أخرى.

تقول: “المرأة مثل الرجل هي جسم، لكن جسمها هو شيء آخر غيرها”. إن مقولة الجنس معقدة وتخفي وراءها مقولة النوع. وتضيف: “ليست الطبيعة هي التي تحدد المرأة، وإنما المرأة هي التي تحدد نفسها وتعرفها باستعمال الطبيعة لحسابها في نشاطها”.

وتقول أيضا: “يعرف الرجل ككائن بشري، وتعرف المرأة كأنثى، وفي كل مرة تتصرف فيها المرأة ككائن بشري، يقال أنها تقلد الذكر”.

 

النموذج الثالث: سيمون وايل (1909-1943)

 

قال ألبير كامو عن سيمون وايل:

“يبدو لي أنه من المستحيل تخيل نهضة أوروبية لا تـأخذ بعين الاعتبار الضرورات التي حددتها سيمون وايل”.

اهتمت سيمون وايل بمقومات تحقق الحقيقة وحددتها في شرطين أساسين هما:

– المنهج في العلوم

– الطهارة في الحياة الشخصية.

 

وتلاحظ أن الغرب بعاني من فقدان الحقيقة لمعناها في جميع المجالات ما عدا في مجال العلوم وذلك للإخلال بالشرط الثاني الذي هو الطهارة في الحياة الشخصية.

ترتبط فلسفتها بعلاقات حوارية ونقدية بفلسفة أفلاطون وألن وكذلك بالديانات القائمة على الثائية مثل المانوية.

ترى سيمون وايل أن القوة هي العدو اللدود للروح لأنها تملك القدرة على تحويل البشر إلى أشياء.

تقول: “هذه هي طبيعة القوة، فالسلطة التي تمتلكها والتي تجعلها تحول البشر إلى أشياء هي ذات حدين: تمارس تأثيرها على الجانبين، فهي تشيء الطرفين: تشيء أرواح الذين تستعمل ضدهم، وأرواح الذين يستعملونها”.

وتضيف: “ليس معقولا أن يخضع كل شيء في الكون لسلطة القوة، وأن يتمكن الإنسان من التحرر منها وهو خلق من لحم ودم ويتحول فكره حسب انطباعاته الحسية.

ليس هناك إلا اختيارا من اثنين:

-إما يجب اكتشاف مبدأ آخر يتحكم في الكون إلى جانب القوة ويختلف عنها.

-وإما يجب الاعتراف بالقوة كسيدة وحيدة ومتحكمة في العلاقات الإنسانية أيضا”.

 

يكمن التناقض الأساسي بالنسبة لسيمون وايل يكمن في كون الإنسان خاضع للقوة ويرغب في العدالة، وخاضع للضرورة ويرغب في الخير. ذلك لأن خضوعه جسدي وفكري معا.

وانطلاقا من ارتكاز فلسفتها على ثنائية القوة والروح، الخير والشر، ترى أن الخير المحض لا ينتمي لهذا العالم وليس في متناول العقل البشري، وأن الشر هو علامة على الحب الإلهي.

والخير الذي يوجد في متناول الإنسان هو الحرية أي القدرة على الحكم والفعل بدون تدخل عوامل خارجية.

لقد صاغت سيمون وايل في حوارها الضمني مع أفلاطون وألن أطروحاتها الفلسفية القائمة على الثنائية وعلى أولوية الروح وأهمية المطلق وعجز الإنسان عن أن يكون هو مصدر خلاصه بقواه وجهوده الخاصة.

وتميز سيمون وايل بين الضرورة والشر. فالضرورة هي الحاجز الذي يضعه الله أمامنا، أما الشر فهو الحاجز الذي يضعه الإنسان خوفا من المحبة. فحينما يعذب شخص شخصا آخر عن قصد وبإرادته فالأمر يتعلق بالشر. ولكن حينما يكون سبب العذاب هو الطبيعة فالأمر يتعلق بالضرورة. فالله الذي هو الخير، هو أصل ونهاية كل حب ولا يمكن أن يحب إلا نفسه. فالخلاص مرتبط بما وراء العقل والإرادة وبما وراء العالم.

تقول سيمون وايل بخصوص الخلاص الإنساني:

“الخيار الوحيد الذي يوجد أمام الإنسان هو أن يرفض تقييد حبه بمتاع الدنيا، وأن ينتظر دون بحث ولا حركة، وهو لا يعرف ماذا ومن ينتظر. عليه أن يملك اليقين المطلق بأن الله سينقذه”.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد