محمد هرار: الدنمارك
هل تعلم أن المغرب الإسلام ( شمال إفريقيا) يوجد على مرمى حجر من العالم الغربي المسيحي؟، إذ لَا يفصل بينها سوى مسافة سباحة قصيرة (17 كيلومترات تقريبا). المسافة التي عبرتها بالفعل في أبريل 2015 السباحة المغربية، نادية بن بهتان، انطلاقا من مضيق جبل طارق، ووصولا إلى مدينة طنجة شمال المغرب.
لذلك القرب المكاني والزماني تأثيره؛ فإن نسبة تعاملات المملكة التجارية المحركة للاقتصاد بالضرورة تتم داخل محيط دول الشمال الأوروبي، كإسبانيا وفرنسا… كما أن الثقل الأكبر من مغاربة العالم يقطنون تحديدا بدول الاستعمار القديم (فرنسا واسبانيا).. ومعلوم أن مغاربة العالم، يحولون من العملة الصعبة ما يقرب ستين مليار سنويا لبلدهم المغرب.. إلا أنه في الآونة الأخيرة شاهدنا توجه المغرب في سياساته الاقتصادية جنوب جنوب، وهي سياسة جديدة تعيده لهويته الأفريقية وعمقه الضارب في جذور التاريخ. والذي لم يتنكر له المغرب يوما، وإنما كانت الظروف الدولية والإقليمية هي التي تحول دون عودة المغرب القوي إلى عمقه وبعده الأفريقي بحكمه عنصر من عناصر هويته الإسلامية ذات نفس التوجه المذهبي المالكي السني للعديد من دول القارة السمراء.
قد يعتقد البعض أن هذا التوجه هو تغيير تكتيكي في سياسة المملكة الخارجية، كما قد يظن البعض الآخر أنما هو تكريس حقيقي للتوجه الذي خطته المملكة المغرببة في سياستها الخارجية منذ بضع سنوات خلت… تلك السياسات الرامية أساسا إلى زيادة توطيد العلاقة مع عمقه في القارة السمراء، كما يهدف كذلك إلى تنويع شركائه في القارة، الأمر الذي يجعله أي المغرب، يعود إلى دوره الريادي في القارة السمراء.
فالزيارات المكثفة لملك البلاد محمد السادس لدول أفريقيا، إنما تنطلق من سياسة الابتعاد نسبيا وتدريجيا عن الارتباط ما أمكن بالسياسة التقليدية وما نتج عنها من ممارسات البلدان الغربية ذات الإرث والطابع الاستعماري المحافظ، وذلك من خلال نهج سياسة مندمجة على أسس تعاقدية للتنمية، وشراكة متبادلة جنوب جنوب تتمحور حول المشاريع الاقتصادية الكبرى التي ستعود على القارة بالنفع العام، رابح/ رابح، في قالب اقتصادي تنموي مهم وتوجه إنساني واجتماعي وثقافي متميز ومثمر.
وينطلق المغرب في استثماره بالقارة السمراء لنقل التجربة المتراكمة، من خلال صناعات مبنية على ركائز عدة، تنطلق من الاستراتيجية الافريقية الرشيدة التي رسمها الملك محمد السادس حفظه الله، الذي جافى النّوم عينيه من أجل جعل القارة الإفريقية تأخذ مكانتها ضمن القارات المتميزة… والتي تمكنها بإذن الله من احتلال الريادة قاريا، في جميع المجالات، ليس فقط في بعدها الاقتصادي وحسب، بل وفي الأبعاد الأخرى الثقافية والرياضية… وفعالية النظم البيئية الصناعية التي برع فيها المغرب بكل جد وتفان، مع الانفتاح بطبيعة الحال على اقتصاد العولمة الذي لا مفر منه، جلبا للمنفعة العامة، ودرءا للمفسدة بحميع أصنافها..
فهل سيسهم المغرب بعودته لعمقه الاستراتيجي الأفريقي، فيما يطمح إليه من تنمية ونهوض بالقارة الفتية نحو مستقبل حقيقي لتلحق بركب الحضارة الانسانية؟، خصوصا وأن الإحصاءات تتحدث عن وصول مؤشر تعداد سكانها في أفق 2050 إلى ما يفوق المليارين نسمة. ذلك هو الرهان، وعلى المخلصين العمل على تحقيقه…