ريتاج بريس: وكالات
سنة 2001 صعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمنصة البرلمان الألماني ليتحدث عن الصداقة الجديدة بين روسيا وألمانيا في رسالة صديقة للغرب، ولكن بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” لم يتوقع أحد أن تتحول الصداقة لحرب باردة جديدة، كما كان الوضع منذ وجود ألمانيا الشرقية. وبحسب تقرير الصحيفة اليوم، عن الخلاف الأوروبي الروسي، فإن فلاديمير بوتين رئيس روسيا الجديد في 2001 وبعد أسابيع فقط من هجمات 11 شتنبر تعهد بالتضامن مع الولايات المتحدة، بينما كان يرسم رؤية لروسيا مع صداقة أوروبية، وكان بوتين فاجأ النواب الألمان بلغته الألمانية الممتازة لدرجة أنهم انطلقوا في تصفيق حاد للرئيس الروسي، باستثناء أنجيلا ميركل التي كانت وقتها رئيسة المعارضة في ألمانيا والتي لم يتم اختبارها سياسيا بعد، حيث وقفت ميركل قليلا ثم انضمت للمصفقين قبل أن تدور بسرعة وتهمس بشيء لنائب ألماني كان في الماضي مثلها ممن تربوا في ألمانيا الشرقية.
وبعد 15 عاما، تقول الصحيفة إن القادة الأمريكيين والأوروبيين يحاولون ويفشلون في التعامل مع روسيا باستثناء ميركل والتي بقيت هي وبوتين في منافسة شديدة بسبب خلافات حادة في وجهات النظر، حول أوروبا وما ورائها، وزادت الخلافات بسبب حالة عدم اليقين حول سياسة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب حول روسيا، وكيف سيتعامل مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة. في الوقت الحالي فإن المستشار الألمانية أنجيلا ميركل -62 عاما- تظل القائد بلا منازع لأوروبا، وهي قائدة قلقة لكنها مصرة على الدفاع عن الاتحاد الأوروبي والليبرالية الغربية التي تتلقى الضربات.
بينما بوتين -64 عاما- أصبح الآن المعادل الحديث للقيصر الروسي والذي يريد تمزيق أوروبا والنظام الليبرالي الغربي، وحتى الآن تمكن من البقاء بينما رحل جورج بوش وأوباما عن البيت الأبيض وكذلك غادر كل من توني بلير وديفيد كاميرون وجاك شيراك ونيكولا ساركوزي مناصبهم في أوروبا، وقالت الصحيفة إن عمليات القرصنة التي تمت برعاية الحكومة الروسية على الانتخابات الأمريكية ساهمت أيضا في الإطاحة بهيلاري كلينتون من سباق البيت الأبيض.
والآن مصير أوروبا على المحك، مع الانتخابات القادمة في هولندا وفرنسا وربما إيطاليا وألمانيا كذلك، حيث تحاول ميركل الصمود لمستشارية رابعة، وكلها انتخابات تجد ظل بوتين فيها، من خلال التيارات اليمينية المتطرفة التي تسعى للوصول للسلطة، والتي تستلهم مبادئ بوتين القومية، والتي يعرف قادة اليمين المتطرف فيها إن الإطاحة بميركل تعني أن بوتين تفوق على أخر منافسيه.
ويقول ستروب تالبوت مستشار بيل كلينتون في الشؤون الروسية “ميركل هي أهم حارس للحريات الغربية التي ظهرت في 70 عاما الماضية، وهذا يجعلها هدف بوتين الأول”. في الثلاثاء القادم ستظهر بحسب الصحيفة التحركات الجيوسياسية الجديدة عندما تزور ميركل البيت الأبيض لأول لقاء لها مع ترامب، أما بوتين فكان دعا يوم الخميس الماضي ميركل لزيارة موسكو في المستقبل القريب، وهي خطوة وصفتها الصحيفة بلعبة البوكر بين لاعبين مخضرمين ولهما تاريخ طويل في اللعب.
ومنذ عام 2000 كان الغرب يريد معرفة من هو بوتين حقا، وبعد 15 عاما يظل الرئيس الروسي لغزا، وبين الحين والأخر يتم تصويره في صور كارتونية ساخرة أو يتم تصويره كنسخة روسية من ميكافيللي. وعلى نحو أخر فإن ميركل نفسها تظل في غالب الوقت شخصية غامضة بغض النظر عن صورتها الإعلامية كأم لألمانيا، والتي تظهر كاسم في الوسط الإعلامي الذي لا يعرف بعد كيف يصنف قيادة نسائية وسط عالم الرجال. ورغم عشرات المحادثات الهاتفية بين الطرفين تظل ميركل كما هي “ليست صديقة وليست عدو علني”، ولكن تحاول دائما دفع بوتين وروسيا نحو علاقات لا تقوم على التاريخ أو المشاعر بل المصالح المشتركة، في حين بوتين يسعى بوتين منذ وقت طويل لقائد أوروبي يتفق معه ويضمن له مصالح روسيا كدولة عظمى على طاولة صنع القرار.
لعبت ألمانيا الشرقية دورا في تشكيل كلا من ميركل وبوتين، حيث صرحت ميركل في الماضي إن أول ذكرى سياسية لها كانت بكاء الناس في الكنيسة التي يقودها والدها في مدينة تاملين بألمانيا الشرقية عندما علموا أن الاتحاد السوفيتي بدأ بناء حائط برلين وكانت ميركل وقتها في السابعة من العمر. وأهم لحظة في حياتها السياسية كانت في 1989 عند سقوط حائط برلين، وهذين الموقفين كانا السبب في تشكيل ميركل وأرائها السياسية، وتقول الصحيفة إن نشأت ميركل في ألمانيا الشرقية قضت على أي تعاطف لها مع روسيا على عكس الديموقراطيين الذين تربوا في ألمانيا الغربية.
أما بوتين الذي ولد في مدينة ليننجراد عام 1952 بعد نجاتها من حصار القوات النازية والمجاعة، والتي قضت على شقيقه الأكبر، فقد انضم لجهاز KGB في 1985 وقضى معظم خدمته في مدينة دريسدن بألمانيا الشرقية. وبعد سقوط حائط برلين وتوحيد ألمانيا دخلت ميركل الحياة السياسية، بينما بوتين كان في حالة حزن على فقدان الاتحاد السوفيتي وانهياره بسرعة حيث وصف بوتين من قبل انهيار الاتحاد السوفيتي بأنه “أكبر كارثة جيوسياسية في القرن”. بوتين الذي كان عميلا لجهاز KGB في ألمانيا الشرقية، شاهد في رعب كيف تم احتجاز رئيس الشرطة السوفيتية وكيف انتحر بتناول المخدر بينما كان نائما بجوار أنبوب الغاز.
وقال بوتين في حديث سابق إنه شاهد كيف كان الألمان يتصرفون بعدوانية بعد تجمهرهم أمام مكاتب KGB والتي كان بوتين نفسه داخل إحداها وطلب بوتين الدعم من القوات العسكرية السوفيتية ولكن قيل له إن تدخلهم مرتبط بأوامر من موسكو فقط. وقال بوتين “موسكو ظلت صامتة”.. وهو ما اعتبره بوتين درسا له بأن عليه التصرف بقوة في الداخل والخارج حتى تتجنب روسيا مصير الاتحاد السوفيتي، الذي شاهد بوتين انهياره في ألمانيا الشرقية. في 2006 وخلال أول زيارة لميركل في موسكو حاول بوتين اختبار ميركل بتقديم كلب لعبة كهدية لها رغم علمه بأن المستشارة الألمانية تخاف من الكلاب، وخلال لقاء ثان بينهما في البحر الأسود ترك بوتين كلبه الأسود يدخل غرفة الاجتماعات.
وقال رئيس إستونيا وقتها، توماس إلفيس “حركة الكلاب كانت خدعة سوفيتية كلاسيكية وميركل كانت تعرف هذا.. وتعرف كيف تتصرف معه فهي تربت في ألمانيا الشرقية”. ورغم هذا واصلت ميركل اللقاءات مع المسؤولين الروس وكانت توبخ بوتين بسبب أوضاع حقوق الإنسان في روسيا حيث استضافت المعارضة الروسية وعبرت عن غضبها لمقتل الصحفية الروسية “آنا بوليتيكوفسكايا” والمعروفة بمعارضتها للكرملين. فبعد مقتل الصحفية كان هناك لقاء صحفي نادر جمع بوتين وميركل وخلال اللقاء، تم توجيه سؤال لبوتين حول مقتل الصحفية، وانفعل بوتين على الصحفيين وهي اللقطة التي تم حذفها من اللقاء بينما أذيع مكانها مدح بوتين لميركل باعتبارها “تجيد الاستماع وهي ضفة نادرة في النساء” على حد قوله.
الصراع الحقيقي اشتعل بين بوتين وميركل في 2014 بسبب الأزمة الأوكرانية وضم القرم، حيث تطلبت المظاهرات المؤيدة لأوروبا تدخل ميركل لدعم الثورة في أوكرانيا أواخر 2013، بينما بوتين يدعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا ويضم القرم لروسيا. وعن الوضع الحالي يقول فلاديسلاف بيلوف مدير معهد الدراسات الأوروبية في موسكو “بوتين لم يفهم حتى الأن لماذا لم تقبل ألمانيا انضمام القرم لروسيا، حيث يقارن بوتين بين ضم القرم وبين توحيد ألمانيا”. وحتى الآن تظل هناك وحدة في أوروبا حول بقاء العقوبات على روسيا ولكن هذه الوحدة بدأت تضعف وتظل معتمدة فقط على أنجيلا ميركل وبقائها السياسي وهو ما يحاول بوتين تدميره.