بقلم ذ. عبد العزيز عبقري
إن ما يميز العالم الحديث هو الدولة الحديثة، دولة التعاقد، التي هي بمثابة تلك الماكنة الجهنمية التي استطاعت تنظم الناس وأن تفرض عليهم استقرارا معينا بطريقتها وبصيغتها التي يتداخل فيها العقلاني مع اللاعقلاني.إنها الدولة التي تفرض على الافراد التعاقد بشكل إرادي أو لا إرادي، ما يوصف بالشكل الديمو قراطي أو غير الديموقراطي (لها من الأدوات ما تسوي به بين الامرين). لقد استطاعت الدولة الحديثة أن تجعل الافراد يعلقون الآمال عليها لأنها هي التي انتجت الفرد، كما يقول هيجل، فهي المعبرة عن الفرد والمحققة لوجوده. عبرت الدولة الحديثة عن الفرد لأنه لم يكن يجد الحماية الا فيها، فقد كانت بمثابة الحضن الامومي بعطفه وقسوته، في مقابل المجتمع الذي يصطدم به وييأس منه في الغالب. كانت الدولة موجودة تتكفل بالفرد في شتى المجالات. صحيح ان المجتمع الحديث عرف مشردين ومهمشين ومنبوذين، لكن ذلك لم يحصل ولم يترتب الا عن الصراع من اجل الاستلاء على الدولة من طرف الفاعلين المجتمعيين المتناقضين إلى حد التناحر الذي تتمكن الدولة إخفاءه أو تبريره أو تلطيفه. لقد كانت الدولة في المجتمعات الحديثة هي الهدف وهي الغاية.فقد كانت تلعب دور المعدل للصراعات والتناقضات. لم ينحصر ذلك على المستوى القطري-الوطني بل تعداه الى المستوى العالمي، إذ استطاع العالم أن ينتظم في شكل دولة عالمية، ولا عجب أن رؤساء وقادة الدولة في القرن العشرين كانوا رجال الدولة وكانت أسماءهم تقترن بدولهم، أما الآن فقد أصبح المتهورون الصبية هم القادة والرؤساء.
إننا في لحظة غروب الدولة الحديثة (دولة الرعاية – بالمعنى الإيجابي) التي لم تستطع تحقيق الآمال المعلقة عليها. أكيد أن الصراعات والاصطدامات التي تعرفها البشرية تولد الأزمة الكونية والتي ليست ألا تعبير واضح عن التهديد للسلم والأمن الاجتماعيين العالميين، الشيء الذي ينذر بخطر العودة الى حالة الطبيعة (صراع الكل ضد الكل حيث الغلبة للأقوى) قصد العودة للبحث عن تعاقد من نوع آخر، وعن دولة من نوع آخر أيضا، أي البحث عن حالة وصيغة جديدة للعيش المشترك ولتحقيق اجتماع بشري جديد.
إن الدولة لا تعني، كما يفهمها منظرو الفكر السياسي، تنظيم يتأسس على سلطة تحكم مجتمعا من خلال هرم مؤسساتي وإداري، كيفما كانت طبيعته أو شكله، إن الدولة كما يفهمها الفلاسفة هي حالة ينتظم فيها الناس، إنهم في حالة بحث دائم عن ذلك وبشكل مستمر ومتجدد، لهذا يقول هيغل بأن الدولة هي: “العقل في التاريخ الذي يسير نحو تحقيقها”، لهذا يرى هيغل نفسه أنه لا يمكن للتاريخ أن يتطور بدون دماء، هناك دماء يخلفها التطور التاريخي، ولهذا يقول ماركس أنه أحيانا قد يكون هناك أناس يستعملون عقلهم لكن بشكل غير عقلاني وهذا شأن السياسيين الذين يفكرون بمنطق السلطة أي الحفاظ على المصلحة،فهم انعكاس للتاريخ وليسوا هم الذين يصنعونه،ربما هذا ما يحصل الآن. إننا نستعمل الدهاء والمكر والخداع من أجل الربح فقط لهذا لسنا عقلاء، فلا ينبغي أن ننسى أن مفهوم العقل كما عرفه أرسطو يعني النظام الكوني، بمعنى التفكير وفق نظام الأشياء وكما ينبغي أن تكون وهي مرتبة وفق الكوسموس.
إن العنصر المتحكم في عالم اليوم وفي أناسه هو عنصر الرغبة والمتعة، ذلك ما يجعل من المجتمع الحالي مجتمعا استهلاكيا. فالتفكير في هذا المجتمع الاستهلاكي وفي أسسه يبين أنه محكوم بالرغبة،لكنها رغبة طفولية بالمعنى الفرويدي، أي الرغبة المكبوتة التي تعبر عن التوتر الحاصل عن النقص نظرا للسقوط الدائم في التأجيل لإشباعها وتعويض ذلك بالأحلام الرومانسية الوردية التي لا تقبل التحقيق.إنها رغبات يتم صناعتها وتحفيزها وإثارتها من طرف العلامات التجارية كما يقول بودريار والتي تغزو العالم،بل أكثر من ذلك أنها تقتحم العوالم الخاصة والحميمية للأفراد عبر الإشهار والبروبكاندا اللذان أصبحا هما السلطة الحقيقية والفعلية القادرة حتى على تركيع الدول لإجبارها قصد إخضاعها وتحويلها الى أسواق.لقد انتهى عصر الدولة ونحن نلج عصر السوق.
لقد كان الاقتصاد هو الأساس والقاعدة التي تقوم عليها الدولة التعاقدية، وبالتالي كانت السياسة مرتبطة بالإنتاج الذي يتحكم فيه نظام الملكية كما يقول ماركس لهذا كانت الدولة هي المنظمة للمجتمع والراعية له وكانت الدول تختلف وتتفاوت حسب اختلاف وتفاوت المنتوج الوطني الخام الذي يعطي لكل دولة القوة والإمكانية التي يتحرك بها نظامها السياسي الذي يحكمها، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. على عكس ذلك تقوم دولة السوق على الاستهلاك اي على التبذير (الصرف) وليس الادخار، كما هو حال الدولة التعاقدية البروقراطية على حد قول ماكس فيبر، الاقتصاد لم يعد اقتصادا سياسيا، بل اقتصادا افتراضيا رقميا وليس اقتصادا عمليا وواقعيا، انه اقتصاد المضاربات الذي يصل الى حدود بيع الاوهام التي يتم تحويلها الى بضاعة وترويجها عبر ما يطلق عليه ب “الماركوتينغ” الذي اصبح يشكل البنية التحتية التي عوضت بنية وسائل الانتاج وعلاقات الإنتاج التي شكلت أساس الاشكال المجتمعية والتي تطورت عبر التاريخ وحيث العلاقات الاجتماعية التي تحدد السياسات هي علاقة مالك بمنتج، انها علاقات مادية ملموسة قائمة بين انسان وانسان، على النقيض من ذلك فان العلاقات في دولة السوق القائمة على نظام الاستهلاك فهي علاقات بائع بمشتري، حتى فيما يتعلق بقوة العمل، لا يعرف بعضهم البعض ولا تربطهم اية علاقة انسانية ولا تحكمهما اية ضوابط لا وطنية ولا طبقية ولا سياسة بل وحتى لا قانونية غير علاقة منتج بمستهلك اي علاقة مغري بمفتون مما يجعل الرغبة هي فائض القيمة، لكنها رغبة مثبتة في المرحلة الفمية شعارها هو المتعة الطفولية. من يستطع ان يغوي الجماهير وان يفتنهم يمتلكهم صاروا له عبيد ومن حقه ان يعرضهم في سوق النخاسة فنحن في عصر تحول فيه كل شيء الى بضاعة بما فيه الانسان، اننا سننتقل من عصر المدنية الى عصر الحيوانية فطوبا لنا.