بقلم: الدكتور محمد الطالبي
ترجمة: الأستاذ حسن بيقي
شخصيا لا يوجد لدي أي “بديل” أقترحه عليكم. ففي الوقت الذي أسعى إلى إفشاء هذه التأملات إليكم، لم يكن غرضي إشعال فتيل حرب ضد أي شخص كان. لأنه سلوك مناف لأذواقي. هب أني لا أملك مشروعا إسلاميا مثاليا محكم الصنع قادرا على استجماع جميع أصوات انتحابية، ألا يمكن اعتبار النظام الأمثل بالنسبة لنا هو الذي يسمح للإنسان بالقدرة على الانفتاح واختيار التصرف الذي يحلو له بلا إكراه ولا ضغط أيا كان نوعه، وإلا ما جدوى استقامة ضميره التي تنبجس من قناعته الحرة وبمقتضى إرادته الحرة؟ إذا كان لي رأي، فإني أرى أن مستقبل الإسلام، من حيث كونه يراد له أن يكون رسالة كونية، منوط بمدى قدرته على استيعاب الحداثة؛ حتى لا يصير المسلم مجرد شاهد سلبي في الزمن المعاصر، بل يغدو، خلافا لذلك، أحد الفاعلين الحيويين فيه.
يمكن أن ننعت البديل الذي يسعى إلى إقامة نزعات إسلامية نسبيا معتدلة مقارنة مع الكليانيات التيوقراطية الرافضة صراحة للديمقراطية، بـ“النوموقراطية البرلمانية”، هي عبارة تتطلب فعلا بعض الشروح. عبارة جديدة اشتقت من جذرين يونانيين هما:“nomos” و“kratos” على شاكلة نموذج الكلمتين التاليتين: الديمقراطية والتيوقراطية كما هما متداولتان في اللسان العادي منذ القدم. تشكل هذه الكلمات الثلاثة مثلتا مفهوميا يربط بينها جذر مشترك “kratos”والذي يدل على القوة، والسلطة والنفوذ. أما الجزء الآخر من الاشتقاق المعجمي فإنه يوجهنا نحو ثلاث وجهات متباينة.
فانطلاقا من الجذر “demos” الذي يعني الشعب، وكلمة ديمقراطية التي تدل على سلطة الشعب؛ يحيل منطقيا إلى العلمانية والتي هي ممارسة الشعب لسيادته دون أي تدخلات خارجية. بهذا المعنى الديمقراطية هي بطبيعتها تصور علماني للسلطة، وقوانينها تعتبر وضعية. هذا ومن الأجدى التذكير أن ابن خلدون، وإن كان على غير معرفة بمفهومي الديمقراطية والعلمانية، قد لاحظ أن القوانين العادلة – والتي بدونها ما كان للدولة أن “يسلمها العامة وينقادون إلى أحكامها” – ضربان: قوانين وضعية صادرة من “السياسة العقلية”، والتي تحيل أساسا إلى مفهوم العلمانية بالتعبير الاصطلاحي المعاصر، وقوانين شرعية كما هي “منصوص عليها من الله” والتي تنتسب إلى “السياسة الشرعية”. بمعنى، نحن أمام نظامين: نظام تيوقراطي ونظام نوموقراطي. وكما ورد في مقدمته” فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصائرها كانت سياسة عقلية؛ وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا والآخرة”. وبحسب بن خلدون، يكفي أن يتم “التنصيص” عليها حتى تصير جزءا من طبيعة القوانين. إلا أن مصدر الاختلاف الكائن بينهما مرده إلى من يتم تنصيص عليها: الإنسان بعقله والإله بحكمتهّ. إذا كان ابن خلدون يمج السياسة العقلية بدعوى أنها “النظر إلى الأشياء بغير نور الله”، فإنه يقر بأن “السياسة الشرعية” غير نابعة من طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان، وأن أمما عدة خلت لم تكن على علم بها، وأن حركة التاريخ سارية في مجرى “انقلاب الخلافة إلى ملك”.
يعود اشتقاق كلمة “théos”، الله، إلى كلمة “théocratie” وتدل على سيادة حكم الله. إن هذا المفهوم يتنافى كليا مع العلمانية أو مع الدور المخول للشعب فيه أن يمارس السلطة، لسبب بسيط أن أمرها عائد إلى الله وحده لا لغيره. وهذا يقودنا حتما – تماشيا مع التحليل إلى أقصى حد – إلى كليانية لاهوتية وإلى نظام إكليروسي. صحيح أنّ ابن خلدون لم يكن على وعي بهذه المعضلة حينما نافح عن “السياسة الشرعية” معتبرا إياها وقاية ضد “سيادة حكم الغلبة “المقرونة بالملك. “لما كانت حقيقة الملك أنه الاجتماع الضروري للبشر، ومقتضاه التغلب والقهر اللذان هما من آثار الغضب والحيوانية، كانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم لحمله إياهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته” (مقدمة ابن خلدون، ترجمة فانسون مونتاي، بيروت. ط 1967، الجزء الأول). فمن الطبيعي إذن ألا يجول في خلد ذهن ابن خلدون أن الديمقراطية، أي سيادة الشعب، بإمكانها أن تكون بديلا للوضع الحالي. بل كيف يمكن أن يتأتى له ذلك، إذا كان روح العصر الذي زامنه لا يوحي له بتاتا بأي نموذج ديمقراطي يؤسس على ضوئه تفكيره ؟
فانطلاقا من لفظة “nomos” القانون، فإن “النوموقراطية (nomocratie) تدل على سيادة القانون. هي كلمة حقا لا وجود لها أصلا في اللسان الفرنسي، بل اشتققناها من نموذج “النوموغرافيا “(دراسة حول القوانين، قاموس روبير الصغير). إن كلمة “nomos“ الإغريقية هجرت إلى لغة فلاسفة الإسلام في العصر الوسيط للدلالة على القوانين السارية في الكون. والشيء ذاته حدث للفظة “hulé”التي كانت رائجة الاستعمال عند فلاسفة العرب للدلالة على “المادة الأولى” (الهيولى). بل هناك من يعتبر أن كلمة “ناموس”عينها، قد أقحمت في اللسان العربي قبل صدر الإسلام بواسطة أهل الكتاب في أرض مكة. إن كلمة التوراة، وبالأخص أسفار موسى الخمسة، قد ترجمت فعلا في الترجمة السبعينية بلفظة “nomos“، وكان من ميزة انزياح المعنى أن أضحى الناموس، المشار إلى الشريعة الموسوية، رديفا لكلمة شريعة. فعندما نتصفح قاموس لسان العرب لابن منظور، فنحن واجدون فيه أثرا دالا على انغراس كلمة “nomos” في الوسط الثقافي العربي قبل الإسلام في صياغة لغوية معربة “ناموس”. هذا وتجدر الإشارة إلى أن قاموس ابن منظور ورد فيه التعريف الآتي: “الناموس جبريل، وأهل الكتاب يسمون جبريل عليه السلام الناموس. لأن الله تعالى خصه بالوحي والغيب اللذين لا يطلع عليهما غيره”. بينما يشير قاموس المنجد إلى معنى الشريعة ضمن باقي المعاني الأخرى المتنوعة للناموس.
إن العبارة التي سقنا اشتقاقا لها فيما سلف، لا تشير إلى سيادة أي قانون من القوانين، بل تشير إلى قانون موحى بواسطة جبريل، أي الشريعة. فهي ليست تيوقراطية خالصة حيث لا دخل لإرادة الشعب فيها، ولا ديمقراطية خالصة ذات سيادة مطلقة لسلطة الشعب. “النوموقراطية” إذن تقع بين المنزلتين (بين بين) أو في نصف الطريق: الشعب يمارس فيها السلطة وفق الشريعة بأساليب مناسبة وبتدخل مبدأ الإجماع تحث طائلة أشكاله المتنوعة، بما في ذلك الديمقراطية البرلمانية الأقرب عهدا وحداثة. بهذا المعنى، يشكل النظام النوموقراطي البرلماني جهازا يتم فيه سن قوانين البرلمان المنتخب بوصفه ممثلا للسيادة الشعبية. إن هذا المعنى هو الذي يحيل إليه النظام الديمقراطي. لكنه نظام خاضع لمراقبة عليا للناموس وتحت رعايته؛ كي لا تتخذ القوانين المنصوص عليها من لدن ممثلي الشعب مجرى مخالفا للسيادة الإلهية كما هي متجلية في الشريعة. إنه نظام هجين تعود فيه اليد الطولى إلى سيادة حكم الله. إن مثل هذا النظام يعتبر، بطريقة أو أخرى، نظاما دستوريا، مادام يقرّ بسلطة تشريعية، لكن يبقى مع ذلك القرآن والسنة مصدري الدستور الأسمى. إنه شكل النظام الذي سعى الخميني إلى توضيح معالمه: “فحكومة الإسلام ليست مطلقة، وإنما هي دستورية؛ ولكن لا بالمعنى الدستوري المتعارف الذي يمثل في النظام البرلماني أو المجالس الشعبية. وإنما هي دستورية بمعنى أن القائمين بالأمر يتقيدون بمجموعة الشروط والقواعد المبينة في القرآن والسنة، والتي تتمثل في وجوب مراعاة النظام وتطبيق أحكام الإسلام وقوانينه، ومن هنا كانت الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون الإلهي” (الحكومة الإسلامية، الخميني دار الطليعة بيروت بدون تاريخ). إن هذا النظام الإسلامي، والذي سينعته الخميني بحكم ولاية الفقيه، سيعمل فيه المجلس الدستوري على ممارسة دور المراقب عن مدى مطابقة القوانين مع الدستور.