كتاب: مفهوم الإيمان

إعداد وترجمة: حنان قصبي ومحمد الهلالي

سلسلة دفاتر فلسفية دار توبقال للنشر، 2017

 تقديم

يقترنُ الإيمان بالإحساس والثقة واليقين. ويُنسَبُ إلى القلب في تعارض واضح مع العقل. ولم يَكنْ له معنىً دينيا منذ البداية. بل أضفَت عليه هذا المعنى الدياناتُ القائمة على الوحي. واعتُبرَ تجربةً تتجاوزُ المجالَ المحسوس وتقع خارج المعرفة. واحتلتْ علاقة الإيمان بالمعرفة مكانة هامة في أهم الفلسفات، حيث تطرق لهذه العلاقة كل من كانط وهيجل وهايدجر وكارل ياسبرز ودريدا وهابرماس، وتمّ بيْنَ هؤلاء الفلاسفة حوارٌ حولَ هذا الموضوع حقق استمرارية ونقدا وتجاوزا.

لم يكن معنى الإيمان في الفلسفة اليونانية دينيا. فالإيمان بالنسبة لأفلاطون كان نمطا من أنماط المعرفة. ففي محاورة الجمهورية (الكتاب السادس)، شرح أفلاطون من خلال أمثولة “الخط المقسّم إلى قسمين غير متساويين” معنى الإيمان وطبيعته. ونستخلص من هذه الأمثولة وجود مجالين هما المجال المنظور (الذي يتضمن قسم الصور، من ظلال وأشباح وما شابهها، وقسم الأشياء الواقعية أو الحسية، التي هي الكائنات الحية وكل ما صنعته الطبيعة والإنسان) والمجال المعقول (الذي يتضمن قسما يستعمل الهندسة التي تنطلق من مسلمات لتصل، نزولا، إلى نتيجة، والديالكتيك الذي يستعمل مسلمات ليبلغ، صعودا، مبدأ مطلقا). وتوجد أربعة أحوال ذهنية لمعرفة هذه الأقسام منها الإيمان المخصص لمعرفة الأشياء الواقعية.

ويتخذ الإيمان معنى آخر عند الفلاسفة المؤمنين. فهو عند باسكال بعيدٌ كل البعد عن الرأي والمعرفة والاعتقاد. إنه تجربة تستغرقُ النفسَ برمتها، إنه إحساسٌ روحي يُنعم به اللهُ على الإنسان، هبة من الله يتلقاها الإنسان مقابل الجهد الذي يبذله لكي يكون جديرا بتلقي الإيمان.

وميز كانط بين الفهم الذي يختص بما هو محدود، والعقل الذي يختص بما هو غير محدود وغير مشروط. ولقد قام بوضع حدّ لمجال المعرفة عن طريق العقل لكي يفسح المجال للإيمان، أي أن العقل وضع حدودا لنفسه حتى يتبين مجال الإيمان. فالمطلق (الشيء في ذاته) غير قابل للمعرفة عن طريق الفهم لأنه ليس حسيا، لذلك يصير موضوعا لما هو عَمَلي، للتجربة العملية، فمشكلات الله والروح والروح تنتمي للأخلاق، أي تنتمي للمجال العملي، وهذا يدل على أن الإيمان غير ممكن إلا لعجز يتصف به العقل التأملي.

وإذا كان كانط قد أنقذ الإيمان، فإن ذلك تمّ على حساب إخراجه من مجال المعرفة، أي أن الإنسان لن يتمكن من معرفة ما هو إلهي. لذلك انتقد هيجل هذا الموقف، واعتبر أن المطلق ليس متعاليا ولا مفارقا. وهذا ما تعكسه المراحل الثلاثة التي مر بها الإيمان: أ) ففي القرون الوسطى سادت علاقة خضوع العقل للإيمان، فكان العقل خادما للإيمان، ب) ثم فرضت الفلسفة استقلالها الذاتي وخاضت الصراع ضد الإيمان، ج) ثم توقف الصراع بين العقل والإيمان وصار الهجوم على الدين متجاوزا.

لكن الإيمان اتخذ معنى آخر عند كيركجورد، حيث اعتبره هذا الأخير قفزة في اللامعقول، ووسيلة للتخلص من القلق الناتج عن مواجهة الهاوية، ولا يوجد أي اعتراض قادر على جعلنا نشك في الإيمان في نظره.  إنه يحقق الذاتية العميقة للكائن البشري، وهو فعلٌ إرادي حتى وإن كان اختيارُه يتم في وضع تتجاذبه الحرية والخضوع للضرورة الموضوعية.

لقد هاجم هايدجر المسيحية بعنف منطلقا من “أن الفلسفة تشكل جنونا بالنسبة للإيمان”، وأنه “لا يوجد مكان في الفكر للإيمان”، وتدل كلمة الإيمان هنا حسب دريدا على”القابلية السريعة للتصديق” أو “القبول الأعمى للسلطة”.

بل إن جاك دريدا نفسه، وبالرغم من تسلحه بالتفكيك، لم يسلم من “جاذبية الدين” حسب هابرماس الذي قال إن “وظيفة التفكيك غير المعلنة هي تجديد الحوار مع الله”.  ويقول دريدا إن “الإيمان لم يكن دائما ولن يكون أبدا متماهيا مع الدين”، كما أن الدين “إذا كان لا يتبع حركة الإيمان بالضرورة، فإن الإيمان لا يُحال حصرا بالضرورة للإيمان بالله”، ويتساءل: هل يمكن فصل الإيمان عن القبول والاتفاق والإجابة والتلبية والإخلاص والثقة ؟ 

إن النصوص المقترحة في هذا الكتاب حول مفهوم الإيمان تعمّق هذه التساؤلات وتوضّح بعضها، وتبيّن غنى المواقف وقلق العبارات في موضوع يتواجد في منطقة تتجاذبها الفلسفة واللاهوت والديانات والتجارب الروحية والعلوم. 

سلسلة دفاتر فلسفية دار توبقال للنشر، 2017

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد