هل تريد أن تحكم المغرب والمغاربة؟ “اطْلُبْ الشتا”!

موقع “ريتاج بريس ” يعيد نشر  العمود اليومي  للزميل مصطفى حيران  الذي ينشره يوميا  ” بموقع أخبركم “خلال  شهر رمضان بعنوان موغربيات

مصطفى حيران: مديرموقع أخبركم 

 

بينما كُنتُ أنتظر دوري لأتبضَّع من بقال رأس الدرب، قال رجل خمسيني بسيماء وجه نخره الكد والكدح غير المثمرين لزبون مدَّ صاحب الدكان بورقة مائتي درهم: “ما شفتش هاذ الزركَة فالدوار هاذي شحال”!

قالها الرجل الكادح في المووغريب كدحا، بنبرة مزاح لكنه لم يستطع إخفاء الجِد الذي طفر من عبارته.

إنه الفقر المووغرابي وقد أعلن عن فداحته.

لقد بات معروفا أن نسبة نمو الاقتصاد المغربي ستسجل مستوى متدنيا خلال هذه السنة، فهي ستكون دون 2 بالمائة أي دون نسبة الثلاثة بالمائة التي كانت تتمناها الحكومة. والسبب حسب حصيلة أعلن عنها وزير المالية والاقتصاد “محمد بوسعيد” منذ بضعة أسابيع أن محصول الحبوب بلغ 3.35 مليون طن مسجلا انخفاضا عن مستوى الموسم الماضي القياسي الذي بلغ 11 مليون طن، وهو ما خوّل حينئذ نسبة نمو بلغت 4.4 بالمائة، وجعل نشاط الزراعة يشكل نسبة 15 بالمئة من الناتج الاقتصادي في البلاد.

إن في النقص الشاسع بين إنتاج القمح في العامين 2015 و2016 والبالغ أزيد من سبعة ملايين طن، وانهيار مؤشر نسبة النمو الاقتصادي السنوي إلى ما دون النصف بين السنتين الماضية والحالية (إن في هذا النقص) تكمن فجيعة اقتصاد المووغريب ليس فقط في الوقت الراهن بل عبر الأزمة والعصور. كيف؟

قال الماريشال “ليوطي” باني المغرب الحديث وصانع المخزن الاستعماري (مقابل المخزن الملكي حاليا): “أن تحكم في المغرب معناه أن تُمطر” “Gouverner au Maroc c’est pleuvoir” والعبارة المقتضبة على دأب الغربيين عموما بليغة في شرحها لواقع مقيم.

فعلا، ظل المووغريب مرتهنا لإنتاج قمحه وشعيره منذ القِدم، ليس فقط من جهة حالة اقتصاده بل أيضا سياسته.. لنلق نظرة على واقعتين تاريختين على نحو مقتضب وفق ما يقتضيه هذا المقام..

قال الملك الراحل الحسن الثاني يوما لصحافي فرنسي كان من بين نُدمائه: “أتدري كيف حكمت سلالتنا أول مرة المغرب؟” ودون أن ينتظر ردا من مُخاطَبه أردف: “حدثت مجاعة فادحة في المغرب في نهاية الثلث الأول من القرن السابع عشر استمرت سنوات بسبب هجوم أسراب الجراد على المحاصيل الزراعية، فكان أن ضجّ الناس وقنطوا فلجأ أعيانهم إلى جدي مولاي علي الشريف (مؤسس الدولة العلوية الذي حكم المغرب بين 1631-1635) في محل سكناه بتافيلالت وطلبوا منه أن يدعو الله ليختفي الجراد، وحدثت المعجزة اختفى الجراد”!

الواقعة الثانية مرتبطة بالاستعمار البرتغالي لأهم حواضر السواحل المغربية الأطلسية، مستهل القرن السادس عشر، حيث إن المغرب كان قد شهد سنوات متعاقبة من الجفاف، بلغ أثرها الاجتماعي أن كان الناس يهاجرون زرافات من قراهم نحو المرافىء الساحلية، ومات كثيرون منهم في الطرقات الخلوية، حيث يُتركون لتنهشهم الذئاب وأبناء آوى والضباع… وباع الأزواج والآباء زوجاتهم وبناتهم للتجار البرتغاليين “المرفحين” من ثروات مستعمراتهم في شرق إفريقيا وأمريكا اللاتينية وسائر الأمصار التي بلغتها الامبراطورية البرتغالية.

ودخل الاستعمار البرتغالي إلى “مازاغان”(الجديدة) و”موغادور”(الصويرة) و”زيليش”(أصيلا) وغيرها من الحواضر المُقامة على الساحل الأطلسي.. دخل من بطون الجوع جراء السنوات العجاف.

السؤال: كيف تدهور الحال إلى ذلك الدَّرك الاقتصادي والاجتماعي حتى بلغ الناس والبلاد أسفل سافلين؟

جوابي: إنه التخلف في كل المجالات الذي جعل المووغريب مرتهنا إلى نشاطه الفلاحي المتقلب المزاج، فكان الثمن المدفوع فادحا جدا ومأساويا.

والأفدح، أن الواقع الداكن الذي عاشه أجداد المغاربة عبر الأزمنة والعصور ما زال قائما في الوقت الحالي، حيث كان كافيا أن تكف السماء “عطفها” خلال هذه السنة لينزل مستوى النمو الاقتصادي إلى ما دون النصف ويشرئب الفقر من أحوال وأعين الناس.

أذكر أمرين بصدد فكرة “موغرابيات” هذا اليوم، أولهما أن المستشار الملكي “عبد الحق المريني” ألقى خطابا نيابة عن الملك محمد السادس في مستهل تولي هذا الأخير الحكم، وكانت دورة جفاف مخيمة، مما جاء فيه: “يجب اعتماد آلية إنتاج اقتصادي معقلن في البلاد على نحو لا يجعله مرتهنا للنشاط الفلاحي”..

مرت نحو خمس عشرة سنة دون أن يحقق المووغريب تزحزحا ولو قيد أنملة في اتجاه “عقلنة الاقتصاد” لماذا؟ الأسباب عديدة يتبادلها شعب يتم حكمه بالأمطار وحاكم يدعو لإقامة صلوات الاستسقاء.

الأمر الثاني أن حزب العدالة والتنمية الذي “يقود” الحكومة الحالية كان قد وعد خلال حملته الانتخابية في الاستحقاقات التشريعية خريف 2011 بتحقيق نسبة نمو اقتصادي في البلاد تتراوح بين5 و7 بالمائة..

“هاذي كذبة باينة”!

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد