موقع “ريتاج بريس ” يعيد نشر العمود اليومي للزميل مصطفى حيران الذي ينشره يوميا ” بموقع أخبركم “خلال شهر رمضان بعنوان موغربيات
مصطفى حيران: مديرموقع أخبركم
إليكم الواقعة قبل التعليق عليها ومناقشتها:
مراهقان قرويان يتبضَّعان أو يتسكعان في سوق أسبوعي ضواحي مدينة “زاكَورة” حيث يتسيَّدُ في هذه الأيام الرمضانية قيظٌ شديد يناطح الخمسين درجة حرارية، يجف حلقاهما حتى يكادان يبتلعانها بدلا من قطرتي ماء فيشربان لتجنب الأسوأ.. رأتهما أعين متلصصة فأبلغت عنهما رجال الأمن فتم اعتقالهما..
وبذلك فإن صوم رمضان يصبح أمرا إجباريا من شأن البشر (الوشاة+الأمن) وليس شأنا خاصا بين الإنسان وربه، أي شعيرة دينية لبُّها الإيمان ثم التطبيق وانتظار الثواب أو العقاب من الله وليس غيره.
ويأتي النص القانوني ليُتوج الإكراه الرمضاني فيقضي حسب البند 222 من القانون الجنائي المغربي بمعاقبة “كل من عُرف عنه اعتناقه للإسلام وتجاهر بالإفطار في يوم رمضان في مكان عمومي دون عذر شرعي بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وبالغرامة”.
ليكتمل طوق العقاب البشري في أمر ديني إلهي.
هل يُعقل أن يقوم بشرٌ مقام الذات الإلهية فيتولون مهام الرقابة (الوشاية) والزجر (الاعتقال) والمعاقبة (السجن والغرامة)؟
المنطوق الديني في الإسلام يؤكد أنه “لا إكراه في الدين” وأن “الضرورات تبيح المحظورات” و”مَن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” و”إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”… إلخ، في حين أن التطبيق يقول النقيض تماما.. أي أن البشر (المجتمع والسلطة) يؤديان دور الله في الأرض فيَشُون ويعتقلون ويسجنون ويُغرِّمون في أمور تتصل بعلاقة روحية بين الله والإنسان.
إن دراسة مسحية لممارسة الطقوس الدينية بالمغرب تمنح هذه الملاحظة السافرة: التّدين في عمومه بات مسألة تمثُّل وتمظهر اجتماعيين، بدليل فرائض دينية أساسية مثل الصلاة ليست بالأمر المهم مع أنها تأتي في مرتبة قبل الصيام، وبالتالي الاستخلاص أن الحرص ليس على أداء فريضة دينية موسمية (الإمساك الظاهر عن الأكل والشرب) بل الامثثال الجماعي لطقس اجتماعي.
وإذا عدنا إلى أسباب تطبيق النص القانوني (الموروث عن عهد الحماية الاستعمارية) الذي يعاقب مفطر رمضان في المغرب، فسنجد أن الملك الراحل الحسن الثاني اعتمده في أجواء سياسية موسومة بمحاربة السلطة المخزنية لليسار الراديكالي إبان فورته الإديولوجية سبعينيات القرن الماضي، فأراد الحسن الثاني أن يُزود آليات قمع اليسار بمبررات قانونية جنائية، فكان البند 222 إلى جانب وسائل القمع الأخرى.
وبالرغم من أن خلفيات اعتماد هذا النص القانوني الذي يستند إلى الشريعة الإسلامية في جانبها الزجري وليس الروحي، قد انتفت إلاّ أن التعديلات المتوالية على القانون الجنائي المغربي (آخرها سنة 2015) لم تُلغه ضد كل النداءات التي دعت إلى ذلك باعتباره منافيا للمواثيق والعهود الدولية حول حقوق الإنسان التي صدَّق عليها المغرب.
يُمكن أن نعزو هذا الإحجام إلى الأجواء المتشددة التي تخيم على البلاد (وجود حزب العدالة والتنمية على رأس الحكومة) والعالم (الظاهرة الإرهابية) ناهيك عن مسايرة للحدس الديني السطحي لدى المجتمع.
ثمة أيضا هذا الجمود المجتمعي المغربي والافتقار إلى حركية فكرية ودينية مسنودة بشرائح اجتماعية متنورة، كما عليه الأمر حاليا في تونس مثلا، وبالتالي لا يفضُل سوى هذا التمثل الاجتماعي البدائي للدين باعتباره طقوسا جماعية وعقابا شديدا لمخالفيها، ووجود شريحة سياسية مُزكِّية وسلطة مُنفذة.
هكذا غدا الصيام شأنا بشريا (جنائيا) وليس دينيا (إلهيا)..
لقد نصّ حديث من شقّين قدسي ونبوي على الآتي: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة”..
بيد أنه مع حيثيات المراقبة والاعتقال والسجن والغرامة لمفطر رمضان يجدر أن يصبح الحديث القدسي-النبوي أعلاه على النحو التالي: “قال الإنسان الفاني: كل عمل ابن آدم لله إلا الصيام فأنه لي فأنا أراقب مَن يصوم ومن لا يصوم وأعاقب المخالف بالاعتقال والسجن والغرامة”!
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!