رمضان.. شهر الغفران أم النفاق؟!

 موقع “ريتاج بريس ” يعيد نشر  العمود اليومي  للزميل مصطفى حيران  الذي ينشره يوميا  ” بموقع أخبركم “خلال  شهر رمضان بعنوان موغربيات

مصطفى حيران: مديرموقع أخبركم

لماذا يصر كثيرون وكثيرات منا على تحويل شهر رمضان الكريم، من مناسبة للسمو الروحي، إلى ظرف ثقيل مديد للنفاق والرياء الاجتماعيين؟!

قبل أن نحاول الجواب على هذا السؤال “الشَّكْدالي ماشي غا الإشكالي” دعونا ننظر في المرآة إلى بعض من سلوكاتنا “الرمضانية” التي لا تتماشى وطبائعنا التي جُبلنا عليها واكتسبناها على مر الأجيال..

تجد الرجل منا أو المرأة “يعيش” حياته(ا) طولا وعرضا طيلة أحد عشر شهرا من السنة، حيث يفعل أو تفعل “لي جات على الخاطر” من انغماس في الاستجابة لعطش الروح والجسد يمينا وشمالا وحتى شرقا وغربا، ومن ذلك سلوكات لن يستطيع مقترفها البوح بها في إطار اجتماعي ولو انطبقت السماء على الأرض، كما نقول، فهي مما يُصنف في خانة اجتماعية خطيرة كُتب عليها بالبنط العريض غير المرئي لكن المحسوس بقوة: “عيب” و”حشومة” و”عار” و”شوهة” و”فضيحة”… إلخ من مصطلحات وأوصاف ونعوت الفظاعة والاستفظاع والبشاعة والاستبشاع..

وفي آخر يوم قبل حلول رمضان يمتشق صاحبنا “الزهواني” وصاحبتنا “الزهوانية” المعدات اللوجيستيكية واكسسوارات وسائر مستلزمات مظهر “الورع” و”التّقوى” خلال أعظم شهور السنة في الاسلام.

العُرف الديني، وفي ركابه الاجتماعي، يفيد أن ابن أو بنت آدم يمكنه أن يفعل ما يحلو له مما هو محرم دينا طوال أيام السنة، ما عدا خلال شهر رمضان، وسيغفر له الله كل ما تقدم من ذنبه وتأخر.

كثير من الناس وجدوا في هذه الوصفة حلا سحريا للفكاك من نواهي الدين عن كثير من الأفعال “الشائنة” الموعودة بأكداس الذنوب وشديد العقاب في نصوص الدين وأحاديث الرسول، لكنهم اختاروا من بين كل تلك النصوص ما يناسب واقعهم الدنيوي الحابل حد الفيضان بالشهوات التي لا تصمد أمامها غرائزهم.. فقالوا مع أنفسهم بل ومنهم مَن يتحول إلى “فقيه” في الدين أمام غيره فيقول: “راه رمضان كريم تُغفر فيه كل الذنوب”..

فيتقاطر أمثال صاحبنا وصاحبتنا “الزهوانيين” خلال كل فصول وشهور وأسابيع وأيام السنة، ما عدا شهرا واحدا، على المساجد بانتظام سيما لأداء صلاة العشاء ونافلة التراويح.. يفعلون ذلك بخشوع حسب الظاهر.

ونتيجة لكثرة “عَبَدَةِ رمضان” فإن المساجد تضج بأجسادهم رغم رحابتها فتُفرش الزرابي والحصائر والسجادات في باحاتها والطرقات والأزقة المحادية لها فتُقفل منافد الحي عن العالم الخارجي، وإذا حدث أن طرأت أزمة صحية بأحد السكان واحتاج الأمر نقله إلى مستعجلات المستشفى فسيكون مستحيلا عبور أكداس أجساد “عبدة رمضان”..

ذلك لأنهم احتلوا مداخل ومخارج الحي “طلبا للعفو والمغفرة” من ذنوب ومعاصي أحد عشر شهرا، ظلت فيها المساجد قاعا صفصفا لا يشوش سكينتها سوى صفّان من المصلين بين كل مصل وآخر قرابة نص المتر!

ثمة مشاهد أخرى من “شهر الغفران” الذي تحول لدى الكثيرين منا إلى “شهر النفاق”..

خذوا مثلا ظاهرة انخفاض الإنتاجية في مختلف مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، واسألوا القيمين عليها الذين يتوصلون بأرقام حصيلة ما يُنتجه الموظفون والمستخدمون فستجدون أنها شديدة الانخفاض عن باقي أيام السنة الأخرى.

سيجيبك أحد “عبدة رمضان”: طبيعي فالإنسان يكون صائما وبالتالي يقل إنتاجه، وعَوَضُ ذلك في الرحمة والمغفرة المتحصلين من الشهر الكريم.

لنتصور طبيبا صائما يتعلل بهكذا عذر عن تقصيره في إنقاذ حياة مريض، أو مهندس في تصميم تهيئة لمشروع بناء أو كهربائي في إصلاح عطب ضمن اختصاصه أو موظف في إنجاز غرض إداري مهم… إلى غيرها من الأسباب التي تقوم عليها سلامة الناس وحياتهم اليومية وبعضها مصيري..

كيف يمكن أن يقبل عقل بشر سوي تعليلا لضرر جسيم أو متوسط أو حتى صغير بمبرر ديني؟ متى كانت الأديان شرّا مستطيرا على الناس؟!

صاحبنا من “عبدة رمضان ما سوقوش”.. المهم أن يقضي يوم صيام أقل إنتاجا، يُداور الساعات الطويلة بأتفه الانشغالات، قد يكون بعضها مما ينهى عنه النص الديني، من قبيل الاغتياب والنميمة وتدبير المقالب للناس.. إلخ، وبين الفينة والأخرى ينظر إلى ساعة الحائط في المؤسسة التي يشتغل بها مستعجلا حلول وقت الخروج، حتى يذهب إلى البيت لينام أو يشاهد قناة “إقرأ” وفي المساء يذهب ليعمر المسجد وإن لم يجد مكانا له يفرش سجادته على إسفلت الطريق فيعطلها.. وبذلك يشكل سدا منيعا أمام مصالح الناس نهارا وليلا بداعي التعبُّد!

إذا استرسلنا في تعداد المظاهر التي حولت “شهر الغفران” إلى “شهر النفاق” فسيلزمنا حيز أوسع من هذا العمود فنمُدَّ الكلمات خارجه كما تفيض أجساد “عبدة رمضان” خارج فضاءات المساجد!

يبقى فقط أن نجيب عن السؤال الذي طرحناه في البداية وهو:

لماذا يصر كثيرون وكثيرات منا على تحويل شهر رمضان الكريم من مناسبة للسمو الروحي إلى ظرف مديد للنفاق والرياء الاجتماعيين؟!

سنجيب بسرعة: لأنهم وجدوا آباءهم ومجتمعهم على ذلك، تماما كما كان جواب “كفار قريش” للنبي محمد حينما سألهم عن سبب عبادتهم للأوتان والأصنام!

تقبل الله صيامكم وصلواتكم.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد