لكم الكأس… ولنا النصر

بقلم: الدكتور محمد محاسن

بقلم: الدكتور محمد محاسن

أين نحن من الرياضة: روحِها، وسلوكياتِها، وأخلاقِها، وأهدافِها، حين تصبح كل السبل — دنيئها وخبيثها — مباحة من أجل تحقيق انتصارٍ بطعم الخسارة؟

انتصارٍ تتحول معه الفرحة إلى قرحة، والحلاوة إلى مرارة، والنشوة إلى حزن، والقيمة إلى وزنٍ مفقود؛ فيغدو الخاسر منتصرًا، والفائز مندحرًا، وتصبح وسيلة الانتصار شغبًا ووقاحةً وتهديدًا واحتجازًا وخطفًا وضربًا وجرحًا، وانفلاتًا ينسف جوهر الرياضة ومعناها.

كل ذلك يحيل على تصرفاتٍ مذمومة لمنتخب السنغال، ومدربه، وجمهوره الحاضر في المدرجات وخارجها، بل وفي السنغال ذاتها؛ حيث جرى احتجاز أزيد من أربعين طالبَ طبٍّ مغربيًّا، وتهديدهم بالتصفية إن سجّل المغرب هدف النصر، وفرض حصار على طلبةٍ لم يجتمعوا إلا ليستمتعوا بمباراة تجمع بلدين يربط بينهما أكثر من وشائج التاريخ والعرق والدين والثقافة والعلم والأمن.

وفي السنغال نفسها شُنّت هجمات تخريبية على محلات تجارية لمغاربة مقيمين هناك، وصدرت تهديدات وخسائر طالت مغاربة لا ذنب لهم، كانوا — ولا يزالون — يعتبرون السنغاليين أشقاء وإخوة، يعيشون بينهم في سلمٍ وتعايشٍ واحترام.

فهل إلى هذا الحدّ أصبحت الكأس مهمّة؟ وهل بلغت قيمتها وعائداتها حدَّ أن تهدِم ما بنته ووطّدته عصورٌ وقرون من التعايش والبناء؟

لقد عاينا — والصور والأشرطة المصوّرة شاهدة — فئاتٍ من الجمهور السنغالي تُحضر طلاسم السحر الأسود داخل المدرجات، وآخرين — من السنغاليين والنيجيريين — يضعون قاروراتٍ من خليطٍ مُدنّس، ملفوفة بمنديلٍ أصفر، قرب مرمى المنتخب الوطني المغربي.

وحين تم التنبيه إلى ذلك، وقام أحد المتدخلين بمحاولة التخلص منها، ووجه بعنفٍ شديد، لتُعاد القارورة إلى موضعها الذي اختاره المشعوذون والسحرة.

والمشهد ذاته تكرر مع المنتخب النيجيري، حين تسلّم حارس مرماه قارورةً مماثلة وضعها بجانب المرمى، غير أن تدخلًا آخر نجح هذه المرة في إزالتها.

كيف نتحدث عن الرياضة وروحها، حين يتجه مدرب الفريق السنغالي نحو جمهوره ليجيّشه، ويحرّضه على الهجوم والتخريب، فيعيث فسادًا، ويحطّم الكراسي، ويهدم لافتات الإشهار، ويحرق ويضرب الجمهور المغربي، في مشاهد فوضوية تناقض كل قيم التنافس الشريف؟

وهل من الرياضة وسلوكيات الرياضيين، بأطقمهم واتحاداتهم، أن يستهدفوا بلدًا مضيفًا ببيانٍ أُعِدَّ مسبقًا، مليءٍ بالأكاذيب والافتراءات حول التنظيم والأمن والإقامة والنقل، يصدرونه فور وصولهم إلى مقر إقامتهم الجديد؟

فالنسخة المودَعة من الشكاية، بتاريخها ومكان تحريرها، شاهدةٌ على الإصرار والترصد للإساءة، وحجّة كذلك على خواء الادعاءات وسوء النية.

ليبقى السؤال الجوهري مطروحًا:

كيف وصلنا إلى هذه الحال؟

وماذا اقترف المغرب من ذنبٍ حتى يواجَه بكل هذا النكران والتنكر، ويُجابه بكل هذا الكره والحقد، ويُسقى من هذا النفاق والشقاق؟

قدّمنا الأمن فمارسوا الفوضى.

قدّمنا الأمان فواجهوه بالتهديد والبلطجة.

وفّرنا أرقى وأفخم الإقامات فحقدوا وانتقدوا، وآثروا — كما آثر الضفدع — العودة إلى المستنقع.

أحسنّا الضيافة فأكرمنا الوفادة، فعضّوا أيادي صافحتهم.

منحناهم الديمقراطية فاستباحوا الحقوق، وتجاوزوا حرياتهم، واعتدوا على حريات غيرهم.

عاملناهم بدماثة الخلق وسماحة السلوك، فكالوا لنا الوقاحة والنفاق والعنجهية والكبر والرعونة.

دعوْنا للوحدة والأخوة والسلام، فقابلونا بالتآمر وزرع الفتنة والشقاق.

أنرنا لهم سبيل التحضر، فتشبثوا ببدائيتهم.

لا أجد جوابًا على هذا السؤال سوى كلمة واحدة: الحسد.

لقد نجح المغرب، وأبهر، ورفع السقف عاليًا… وللفارق أظهر.

في الضيافة كان الأكرم،

وفي الإقامة كان الأفخم،

وفي الاستقبال كان الأكثر تنظيمًا،

وفي البنية التحتية ازداد تعظيمًا،

وفي الأمن تجاوز كل انتظار،

وفي الخلق كان خير مثال،

وفي ردّ الفعل تعامل بحكمةٍ ورزانةٍ واتزان؛ ملكًا وأمراءً وشعبًا، اتحادًا ورئيسًا، أطقمًا ومدربًا، وفريقًا ولاعبين… فرسانًا أبطالًا كانوا وسيظلون.

لقد أهدى المغربُ القارةَ الإفريقية فرصةً تاريخية للارتقاء، لتُثبت نديّتها وعلوّ كعبها، ولتُظهر للعالم أنها تضاهي أرقى الدول عقليةً وقدراتٍ وإنجازًا.

لكن، بقدر ما ربح المغرب الرهان باعتراف أعتى الدول وأكثرها تقدمًا، بقدر ما أضاعت إفريقيا هذه الفرصة الذهبية، وأبانت أنها لا زالت على مسافة أميالٍ طويلة، وقرونٍ مديدة، من مستوى التقدم الذي بلغته المملكة الشريفة. الفرق شاسع… ولا مجال للمقارنة مع وجود الفارق.افتخرْ يا مغربي بانتمائك، وبحكمة ملكك، وهيبة أمرائك، ووطنية فريقك، وفعالية مسيّريك.

فالمنتصر الحقيقي والأول هو المغرب والمغاربة والفريق الوطني.

أنتم الأسود والضراغم والليوث والهزابر؛ وما دونكم — وإن تجبّر وتفرعن وتكالب — مجرد ضباعٍ وكلابٍ متوحشة، تفرّ من قسوتكم إذا زأرتم، وأنتم تبقون صامدين بوقفة كبرياء الملوك، وأنفة الفرسان، وأخلاق الشرفاء.

لا حاجة لنا بكأسٍ زعاف، لطّخه لعاب كلابٍ مسعورة؛

فعظمة وطننا، وكبرياؤه، وأخلاقه، وكرامته، أغلى من أي كأس نَعِفّ عن لمسها، لأن قيمتنا لا تُقاس بما هو فانٍ، بل بما هو باقٍ وآتٍ، وانتصارنا يُدرَك بما يُرى ويُسمع ويُعقَل ويُحَسّ… ويستحيل التنكر له.

للآخرين أقول — وأعني ما أقول —:

منحناكم الكأس لأننا لم نرضَ بها والحال على ما هو عليه، فكؤوسنا من ذهبٍ وفضةٍ قدّروها تقديرًا، لكننا احتفظنا بالنصر لأنفسنا ولن نتركه لكم؛ فهو لنا، شاء من شاء وأبى من أبى.

خذوا القشور، واتركوا لنا اللباب.

غير أن على القائمين على الشأن الرياضي — وفي مقدمتهم الاتحاد المغربي لكرة القدم، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الدولي — أن يستخلصوا الدروس من هذه التجربة، وأن يتخذوا إجراءاتٍ حازمة لوضع حدٍّ لتجاوزاتٍ لا تليق برياضة كرة القدم، خاصة ونحن على أبواب استحقاق عالمي أكبر، هو تنظيم كأس العالم، وذلك عبر:

– التعويض الكامل عن خسائر المغاربة في السنغال نتيجة التخريب والتهديد ومتابعة عصابات الإرهاب التي تجرأت على احتجاز الطلبة المغاربة وتهديدهم بالتصفية.

– التعويض عن الأضرار التي لحقت بالملاعب المغربية.

– عقوبات تأديبية صارمة تتناسب وحجم الأفعال المرتكبة، في حق كل الفرق ومسؤوليها والجماهير التي لم تحترم القوانين والبلد المضيف.

– وضع لائحة سوداء للبلدان المشاغبة، مع إجراءات زجرية قد تصل إلى المنع الكلي لجماهيرهاوتوقيف مشاركتها في المنافسات القادمة.

– تشديد الحراسة الأمنية داخل الملاعب وحولها، وقبالة الجماهير المشاغبة.

– توفير حماية استباقية للجالية المغربية المقيمة بتلك الدول.

– منع ولوج الملاعب لكل حامل لمظاهر الشعوذة والطقوس البدائية، تحت أي ذريعة.

– المنع الكلي لاستعمال أو حيازة الصافرات والمفرقعات، مع تغريم المخالفين.

– التطبيق الصارم لقانون الكاف ولا سيما المادة 82 و لدفاتر التحملات والالتزامات القانونية داخل الملاعب وخارجها، وعلى رأسها نبذ العنف، ومنع زرع الفتن، وتجريم الإساءة للجماهير وللبلد المستضيف للتظاهرات الرياضية، تحت طائلة العقوبات الصارمة.

ويبقى المغرب شامخًا، يسير قدمًا، يرفع التحديات، فلنا عزة ولنا النصر. ولا عزاء للحاقدين.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد