الدكتور محمد محاسن
تقديم
إن الجامعات هي المحركات الأساس بامتياز لإنتاج المعرفة وتشكيل وعي المجتمعات، ما يجعل من مسألة القيادة الأكاديمية أحد العناصر المفصلية في ضمان الجودة والنجاعة. فليس المطلوب من القيادة الجامعية مجرد التدبير الإداري، بل إنها مدعوَة لتصبح قيادة فكرية وأخلاقية قادرة على تعبئة الطاقات وتحقيق التغيير. ومع ذلك، تكشف الممارسة في العديد من السياقات الجامعية عن مفارقة خطيرة : حيث يُرفع شعار الكفاءة والشفافية، بينما في الخفاء تسود ممارسات تناقض هذه القيم، وتفتح الأبواب على مصراعيها أمام الزبونية والتبعية بدل الجدارة والاستحقاق.
1- الشفافية الظاهرة والزيف الخفي
من المؤسف أن الوصول إلى مناصب المسؤولية في الوسط الجامعي — كرئاسة الجامعات أو عمادة الكليات أو إدارة المؤسسات الأخرى للتعليم العالي — كثيرًا ما يتم وفق معايير لا علاقة لها بالكفاءة أو الجدارة، بل تخضع لحسابات ضيقة ومصالح شخصية أو سياسية.
فالمساطر تُعرَض على أنها شفافة ومحايدة، لكن سرعان ما يُكتشف أنها ليست سوى واجهة لتبرير قرارات مُعدّة سلفًا. فتتحول العملية برمتها إلى مشهد مسرحي يُستغل فيه المترشحون الجادون لإضفاء الشرعية على تعيينات قائمة على الولاءات لا على الاستحقاق.
2- شعور بالخذلان… وانسحاب الكفاءات
في مواجهة هذا الواقع، يتولد لدى أصحاب الكفاءة شعور عميق بالخذلان. كثيرٌ منهم يُقصى بشكل غير مبرر، أو يُستَخدم كديكور في عملية محسومة مسبقا، ثم يُهمَّش بعد ذلك أو يُصبح عرضة للسخَرية أو الاستهداف. هذه التجربة تدفع بالكثيرين إلى الانسحاب من مشهد التسيير، أو حتى إلى الهجرة القسرية من الفضاء الجامعي، تاركين الساحة لأشخاص يعرفون من أين تُؤكل الكتف.
وهكذا، تتحول مناصب القيادة إلى مكافآت على الولاء أو ترقيات سياسية مموِّهة، تُمنح مقابل الطاعة أو خدمات “خلف الستار”. ويُعاد السيناريو ذاته مع كل تغيير في قيادة الوزارة : التخلص من “بصمة” من سبق، واستبدالها بشبكة من الموالين، دون أي تقييم موضوعي رغم الترويج لذلك في الظاهر درّاً الرماد على العيون.
3- ترسيخ الرداءة وتهميش الكفاءة
إن هذا النمط من التدبير يُنتِجُ تدريجياً بيئة تقوم على إقصاء الكفاءات، موْسومة برداء الشك والانقسام والتوجس. فيتم الإطاحة بالأشخاص ذوي الحضور القوي والدور الريادي المكتسب، حيث يُنظر إليهم كـ “تهديد” لا ككفاءات يجدر استثمارها. ويتم تعيين الأضعف، أو الأقل تأثيراً، لإخفاء ضعف من هم في أعلى الهرم.
وهكذا تُؤسَّس الرداءة كنظام، وتُفرَغ روح الفريق، وتُصَفّى أي إمكانية لبناء مشروع جماعي مستدام. تُستبدل روح العمل بروح التبعية، ويصبح الهدف الأوحد الحفاظ على الموقع، لا خدمة المؤسسة.
4- الحاجة إلى التقييم النفسي والأخلاقي
من جهة أخرى ، لم يعد كافيًا الاعتماد على تقييم المؤهلات العلمية أو الإدارية للمرشحين. بل أضحى من الضروري إدراج عنصر التقييم النفسي والسلوكي ضمن معايير تولي المناصب القيادية.
إن وضع السلطة بيد أشخاص غير متزنين نفسيًا، أو يحملون ميولات نرجسية، متسلطة، أو سلوكات مُضرة، يُهدد سلامة المؤسسة ومحيطها البشري. ففي كثير من الأحيان، يصبح المنصب وسيلة للانتقام، أو التحكم، أو أداة لإسكات الأصوات الحرة. إنها سلوكيات لا تظهر في السيرة الذاتية، لكنها تُدمر فرق العمل، وتنسف ثقة الفاعلين، وتُهدد مستقبل المؤسسة.
لذا، يُستحسن اعتماد اختبارات نفسية مهنية مستقلة كجزء من عملية الانتقاء، للكشف المبكر عن المؤشرات الخطرة، وضمان تتوفر القائد على صفات التوازن والنضج والحس الأخلاقي.
5- نحو قيادة أكاديمية جديدة
إن الوقت قد حان لتجديد التصور حول القيادة الأكاديمية، على أسس متينة وواضحة؛ قيادة تقوم على :
✓ الشفافية الحقيقية في مساطر التعيين والانتقاء؛
✓ الجدارة والكفاءة المثبتة كمعيارين أساسيين؛
✓ تعزيز ثقافة التقييم البنّاء والتطوير المستمر؛
✓ تشجيع روح الفريق والتعاون الأفقي؛
✓ إدراج تقييم نفسي وأخلاقي مهني ضمن المعايير المعتمدة؛
✓ وربط المسؤولية بـ آليات واضحة للمساءلة والتتبع.
أقول هذا وأذكِّر بأن كثرة الإعفاءات لا تحل المشاكل، بل قد تزيد من تعميقها ما لم تعالج الإشكالية من جدورها. فتكرار نفس النهج من شأنه أن يؤدي حتما إلى نفس النتيجة.
خاتمة
إن الإصلاح الفعلي للجامعة لا يمكن أن يتم دون إصلاح آليات اختيار من يقودها. فالقيادة الجامعية ليست مجرد منصب، بل مسؤولية أخلاقية ومؤسسية يجب أن تُمنح لمن يستحقها عن جدارة، ويتوفر على السلامة النفسية والنضج الإنساني، قبل المهارات التقنية.
فالرهان اليوم هو استعادة الثقة، وحماية المؤسسة الجامعية من التآكل البطيء الناتج عن ممارسات تُقوّض روحها، وتُفرغها من طاقاتها الحية