ثقافة التعقيب البنّاء كركيزة لفن القيادة الأكاديمية

 بقلم الدكتور محمد محاسن

ينطلق هذا المقال من تجربة مؤلمة شهدتُها مرات عديدة بدل الواحدة، خلال مناقشة بعض رسائل الماستر والدكتوراه وحتى بعض لجان التوظيف واجتماعات الهياكل، حيث يتحول الفضاء الأكاديمي، المفترض أن يكون حاضنًا للتقدير والنمو، إلى مسرح للإذلال والحطِّ والتجريح. تجارب جعلتني أعيش لحظات تقزُّز من هذا المشهد الصادم تجعل إحساساً ـ أجاهد كي أحوله إلى مرحلي عابرٍ ـ بالنفور وبالرغبة في هجر المحيط الجامعي، ما يدفعني، والمناسبة شرط، إلى طرح تساؤل جوهري : كيف فقدت بعض المؤسسات الجامعية حسّها الأخلاقي والإنساني في التفاعل بين مكوناتها وخاصة مع الطلبة والباحثين؟

أقدّم في هذا المقال تعقيبا بناءً/ Feedback بوصفه فنًا إنسانيًا رفيعًا، يتجاوز النقد أو الحكم، ليصبح أداةً للتحفيز وبناء الثقة وتعزيز الاحترام المتبادل. إنها ثقافة لا  يمكن للعلاقة الأكاديمية أن تستقيم بدونها ولا لمستقبل تعليمي ناضج أن يُبنى في غيابها.

يسلط المقال إذَن الضوء على أهمية ترسيخ هذه الثقافة في قلب القيادة الأكاديمية، عبر ممارسة واعية، تقوم على التقدير الصادق والملاحظة الدقيقة والتوجيه الهادف. من منطلق تكريس الانسجام بين ما أُلقنه لطلبتي من خلال محاضراتي، عوَضاً عن التعارض البين الحاصل بين التنظير والواقع. وأختم بدعوة إلى قيادة تعيد الاعتبار للعلاقات الجامعية، وتنأى بها عن التعالي والإقصاء، نحو فضاء قوامه الاحترام والتعاون والنمو المشترك.

الكلمات المفاتيح : القيادة الأكاديمية، ثقافة التعقيب البنّاء، العلاقات الجامعية، المناخ التنظيمي، الاحترام المتبادل، الثقة، التحفيز، التحسين المستمر

تمهيد للتأمل :

تواجه مؤسسات التعليم العالي اليوم أزمة خفية لكنها عميقة الأثر وشديدة الوقع والتأثير : ضعف ثقافة التعقيب البنّاء في العلاقات اليومية داخل الجامعة. فهذا الضعف لا يطال فقط العلاقة بين الأستاذ والطالب، بل يمتد ليشمل كافة المكونات: أساتيذ فيما بينهم، إداريون مع أساتيذ، طلبة مع إداريين، وحتى داخل الفئة الواحدة. تتبدى هذه الأزمة في التفاعلات المشحونة وغياب التقدير والنقد الهدّام أحياناً، فتجاهل الإنجاز والتقليل من المجهودات الفردية والجماعية أحيانا أخرى. من هنا تبرز الحاجة المُلِحّة لترسيخ ثقافة تعقيب بنّاء (feedback) قائمة على الاحترام، والاعتراف، والتحفيز، والتقويم البناء؛ حيث إنه لا يمكن بناء صرح جامعة قوية إذا كانت اللبنات الأساسية للعلاقات بين أفرادها هشة ومتصدعة أو يغلب عليها التوتر والصمت المحبط (1).

نحو فهم أعمق للتعقيب البنّاء في السياق الجامعي

 

خلافاً للاعتقاد السائد، فإن التعقيب البنّاء/ Feedback لا يُختزَل في إبداء الملاحظات أو الانتقادات. إنما هو عملية مركبة تنبني على ثلاث ركائز أساسية :

  1. الاعتراف الإيجابي وقوامه تسليط الضوء على ما تم إنجازه بشكل جيد، مع إبراز أثره الإيجابي؛ لأن الإنسان يميل إلى التفاعل مع التقدير أكثر من التوبيخ.
  2. عرضسبل التحسين والتجويد بناء على تقديم ملاحظات دقيقة وموضوعية ومحايدة، هدفها الأساس تمكين الشخص من تحسين أدائه وتجاوز مكامن الخلل التي تعتري أداءهوليس الإلقاء باللائمة عليه.
  3. الخاتمة التحفيزية وتعتمد إنهاءَ المداخلة بإشارة إلى الثقة في قدرة الشخص على التقدم، مع دعوة صريحة لمواصلة الاجتهاد.

فبهذه الصيغة المتوازنة نجعل من التعقيب البنّاء أداة تمكينية لا آلية قمعية.

مظاهر الخلل : حين تُختزل العلاقات في السلطة أو الصمت

عندما يغيب مناخ التعقيب البنّاء، تتحول العلاقة المهنية إلى علاقة سلطوية، أو علاقة تجنب وتباعد وصمت. أمور تُلاحظ بكثرة في الاجتماعات الإدارية التي يسودها التوتر، أو في الشعب واللجان التي تنعدم فيها الشفافية بين الزملاء، أو في المدرجات وقاعات الدرس التي يغيب عنها الحوار كدينامية للتفاعل. في ظل هذا المناخ، تتراجع جودة الأداء، وتُصاب المبادرة بالشلل، ويغيب التعلم الفعال والاستفادة المتبادلة.

أمثلة واقعية من الحقل الجامعي

مثال 1 : في أحد الاجتماعات البيداغوجية، طرح أستاذ شاب اقتراحًا لتحديث منهجية التدريس، فقوبل بالاستهزاء من طرف زميل أكثر خبرة، ما أدى إلى انسحاب الأستاذ الشاب من كل الاجتماعات اللاحقة وشعوره بعدم جدوى المساهمة.

مثال 2 : طالبة في مستوى الماستر تعمل منذ أشهر بجد واجتهاد على مشروعها البحثي، عند المناقشة يقابل مجهودها بِوابل من الملاحظات السلبية من طرف عضو من لجنة المناقشة (اتضح أنه لم يقرأه حتى) دون أي تقدير لتقدمها المرحلي وفي إنكار تام لإنجازها ولما يكتسيه البحث المقدم من سمات وخصائص فريدة تجعله متميزا عما سواه، مما أدى إلى إخماد جدوة حماسها حتى ارتج عليها وإلى انخفاض حاد في حافزها التواصلي لتصاب -في نهاية المطاف- بإحباط شديد يكاد يهدم طموحاتها ويؤدي إلى تخليها عن أهدافها رغم كفاءتها.

مثال 3 : موظف إداري اجتهد في رقمنة أرشيف المؤسسة، لكن رئيسه لم يعره أي اهتمام، بل ركز على أخطاء بسيطة دون الإشارة إلى الإنجاز الأوسع؛ لتكون النتيجة: تراجع انخراط الموظف وعزوفه عن تقديم أي مبادرات في المستقبل.

إن التعقيب البنّاء لا يعني مجرد الانتقاد، بل إنه اعتراف بالوجود والجهد، وتحفيز على التطور. إنه حق متبادل وليس امتيازًا سلطويًا.

القيادة الأكاديمية: مسؤولية في تأصيل ثقافة التعقيب البنّاء

يجدر بالقادة الأكاديميين — رؤساء جامعات، عمداء، رؤساء شعب ومصالح، أساتيذ باحثين —  أن يعلموا جيدا أن ما ينتظر منهم ليس مجرد  مهمة إدارة الموارد، بل أن يعملوا على تكريس ثقافة مؤسسية قوامها الاعتراف، والتقدير، والتقويم الرشيد. إنهم مسؤولون عن :

✓ تأطير أعضاء هيئات التدريس والإدارة حول كيفية تقديم تعقيب بنّاء.

✓ تشجيع إنشاء منصات ومناسبات دورية للحوار المفتوح والتقييم المتبادل.

✓ وضع آليات للوقاية من العنف الرمزي واللفظي داخل الفضاء الأكاديمي.

✓ تكريس ممارسات تعزز الإنصات الفعال، والمساءلة الرشيدة، والاعتراف المتبادل.

وليعلموا أن التعقيب أو الرد إنما يُنبي عن طينة صاحبه ومعدنه ويُفصح عن مستواه ويعبِّر عن مدى نضجه ووعيه وتحليه بروح المسؤولية واحترامه لغايته النابعة من المهمة الموكلة إليه ؛ فإن أساء استعماله كان حجة عليه وتحمَّل فيه كامل المسؤولية، وإن أحسن استعماله أصاب وكبُر اعتباره في أعين متلقيي التعقيب والشاهدين عليه. هذا، وهو بذلك لا ينبغي أن يُحدث في المتلقي أي ارتباك ولا أن ينال من رباطة جأشه أو يضعف من ثقته بنفسه خاصة إذا علم أن التعقيب ذاك غير مبني على صواب ولا على مبرر موضوعي، إنما هو ردة فعل مرسِله من وحي تهيئاته غير المستندة على أساس موضوعي أو علمي، يحاول بها التغطية عن جهله أو التمويه عن انحطاط مستواه أو لغاية أخرى في نفس يعقوب …

نحو ميثاق أخلاقي للتعقيب البنّاء الجامعي

لقد بات من الضروري أن تعمل المؤسسات الجامعية على بلورة ميثاق للتعقيب البنّاء يتضمن :

مبادئ واضحة (الاحترام، التقدير، الحياد، النية  التحسينية والتحفيز من أجل التميز).

نماذج مرجعية للردود والآراء التقييمية.

آليات لتدريب الفاعلين عليها في كل المستويات.

نموذج أولي لمحاور الميثاق المقترح :

  1. الاعتراف بالمجهود قبل الإشارة إلى الخلل.
  2. تجنب إصدار الأحكام القيمية عند التعقيب.
  3. تقديم البدائل وليس الاكتفاء بالنقد.
  4. ضمان خصوصية التعقيب عندما يستدعي الأمر ذلك.
  5. التدريب المستمر على مهارات التعقيب البنّاء. (3)

وليكن الجميع واعيا بأن ازدهار أي جامعة إنما يقوم على زراعة بذور الثقة أولاً وريِّها بماء الاحترام وتَطعيمها بتعقيب راقٍ بنّاء (4).

عود على بدء

إن الحاجة لتكريس ثقافة التعقيب البنّاء لا تقتصر على حالات معينة أو علاقات عمودية بين أستاذ وطالب، بل تشمل كل تفاصيل الحياة الأكاديمية، وكل مناحي التفاعل بين مختلف المكونات. فبناء بيئة جامعية سليمة لا يتم إلا بالإنصات والاعتراف والتشجيع والمساءلة الموجِّهة البنّاءة البعيدة عن الأحكام المسبقة. فالتعقيب البنّاء ليس أداة تكميلية، بل هو رافعة أخلاقية وتنظيمية لا غنى عنها لأي جامعة تطمح إلى الجودة والإنصاف والارتقاء.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد