بقلم :د. محمد محاسن
الكلمات المفاتيح: الحكامة الجامعية، المستويات المنطقية، التوافق الاستراتيجي، الرؤية، القيادة الأكاديمية، التعليم العالي، البرمجة العصبية اللغوية، النموذج المغربي …
تقديم : إن ما يشهده قطاع التعليم العالي من تحولات سريعة ومعقدة، يفرض على الجامعات كمّاً هائلا من التحديات المتداخلة وعلى رأسها : ضرورة التماشي مع المعايير الدولية للأداء ومواكبتها من جهة، والحفاظ على الهوية الثقافية والوطنية من جهة أخرى. فإرساء هذا التوازن يتطلب إعادة نظر عميقة في منظومة الحكامة، تتجاوز التقنيات الإدارية إلى فهم متكامل قادر على تجسيد مفهوم القيادة الأكاديمية الناجعة.
في هذا الإطار، يقترح المقال استخدام نموذج المستويات المنطقية كما قعَّد له الفيلسوف روسل .Russell B (1)و طبقه بايتسون .Bateson G (2) على الأفراد وطوره روبرت ديلتس .Dilts R (3) ليشمل كلا من الأشخاص والمنظمات، ضمن منظور البرمجة العصبية اللغوية، كنموذج تحليلي و استراتيجي لفهم وتحسين الحكامة الجامعية، مع التركيز على واقع الجامعة المغربية وإمكانات الارتقاء بها.
1 | نموذج المستويات المنطقية: هندسة متكاملة للمعنى
1.1 – بنية وأصْل النموذج
يعتمد هذا النموذج على ستة مستويات متكاملة تشكل بنية الفعل الإنساني :
ا- الرؤية (المستوى6) : الغاية العليا والرسالة الوجودية وهو المستوى الأعمق.
ب- الهوية (المستوى5) : الإحساس والتعب بالذات أو الجماعة.
ج- القيم والمعتقدات (المستوى4) : المبادئ المحركة للسلوك.
د- الكفاءات (المستوى3) : المهارات والقدرات والإمكانات الذهنية والسلوكية.
ر- السلوكيات (المستوى2) : الأفعال اليومية والتصرفات الظاهرة.
س- البيئة (المستوى1) : السياق الخارجي والظروف المحيطة.
1.2 – الترابط الهرمي ومفعول التحول
تلك المستويات تتسم بالترابط فيما بينها وذلك وفق تسلسل منطقي، حيث إن المستويات العليا تؤثر في السفلى. فكل اختلال في مستوى الرؤية مثلاً يؤدي إلى اختلال في الهوية وفي الممارسات، بينما تعكس الرؤية المتماسكة انسجاماً فعّالاً على باقي المستويات الأقل عمقا.
1.3 – التناسق الداخلي والتغيير
يعد التناغم بين هذه المستويات مفتاح التحول الحقيقي سواء على المستوى الفردي (خاصة لدى القادة الأكاديميين) أو على مستوى المنظمات. لقد طورت البرمجة العصبية اللغوية أدوات لإعادة التناسق بين هذه المستويات، تقوم على تقنية التخييل الإبداعي والتحليل الذاتي (4).
مثال تطبيقي | حالة عميد في تحول قيادي
سبق أن واكبتُ مرة -بصفتي خبيرا في البرمجة العصبية اللغوية وفي الحكامة الديناميكية للمنظمات- حالة عميد في إحدى الجامعات الغربية، لاحظ تراجع الأداء العام رغم الجهود المبذولة ؛ فأظهر التحليل وجود فجوة بين رؤيته القيادية وسلوكياته الإدارية. من خلال جلسات إعادة التنسيق، تمكَّن العميد من إعادة تحديد رؤيته (المستوى6) وأعاد التواصل بهويته المهنية (المستوى5)، وصحح معتقداته المحدودة / المُعيقة وطوّر كفاءات جديدة، مما أدى إلى خلق بيئة عمل محفزة كما كان يطمح إليه ويرتضيه.
2 | التناسق مدخل لأداء مؤسسي متجدد ومستدام
2.1 – وضوح الرؤية ضمان للاستقرار
إن الانسجام والتناسق بين الرؤية والهوية والممارسة يرسّخ نوعاً من الاستدامة التنظيمية(5) ؛ فالجامعات الاسكندنافية تُعد مثالاً على مؤسسات استطاعت، بفضل وضوح رؤاها، الصمود والتطور في وجه التغيرات.
2.2 – الابتكار ينبع من الانسجام القيمي
كلما كانت القيم المؤسسية واضحة ومشتركة كلما سهُل توجيه الكفاءات نحو الإبداع. فالثقافة التنظيمية المتجانسة تُشكل تربة خصبة للمبادرات الخلاقة.
2.3 – مؤشرات ذات معنى
ينبغي لمؤشرات الأداء أن تكون نابعة من الغاية المؤسسية، لا أن تتحول إلى غاية في ذاتها، ذلك أن المؤشرات المتجذرة في الرؤية وحدها تكون أدوات فعالة للتعلم التنظيمي وللتطور.
3 | مقارنة دالة: Xerox PARC وApple
يسوق ديلتز المثال التالي لإيبل وغزيروكس مفاده أن مركز أبحاث Xerox PARC رغم توفره على تكنولوجيا سباقة ومتقدمة، إلا أنه فشل في تحويلها إلى نجاح مؤسسي بسبب غياب الانسجام بين الرؤية والهوية. في المقابل، نجحت Apple في استثمار نفس التقنيات بفضل رؤيتها الواضحة، وقيمها الموجهة/المساعِدة وانسجام فريقها(6).
4 | مجاز النافورة: القيادة كمصدر للمعنى
يشَبه المفكر غريغوري بايتسون (7) المؤسسات بنافورة، تتدفق فيها طبقات التنظيم من مصدر أعلى هو الرؤية. إذا تلوث هذا المصدر، انعكس ذلك سلباً على كل المستويات وإن صفا المستوى الأعلى صفا باقي المستويات وتخلصت من كل تلوث. لذا، فإن القائد الأكاديمي الحقيقي هو من يوضح رؤيته ويضخ بها الحياة في جسد المؤسسة فتتعافى وتأخذ طريقها نحو التطور والتقدم والنجاح لتضمن بذلك استمراريتها.
5 | توصيات لإصلاح التعليم العالي المغربي
رغم توفر المغرب على إرث جامعي عريق يتمثل في جامعة القرويين، إلا أن نظام التعليم العالي لا يزال يفتقر إلى منظومة حكامة فعالة تؤهله للاندماج الدولي و الالتحاق بركب الجامعات في الدول الأكثر تقدما. إن الخلل يكمن في غياب رؤية واضحة متجذرة في هوية المغرب وتاريخه وموجهة نحو المستقبل كما سبق لي تفصيل ذلك (8).Mahassine M.
لذلك، أوصي بما يلي:
✓ صياغة رؤية وطنية واضحة وطموحة (المستوى 6)،
✓ ربطها بالهوية الثقافية المغربية الأصيلة (المستوى 5)،
✓ بناء منظومة قيم تعليمية مشتركة وفاعلة (المستوى 4)،
✓ تمكين الفاعلين من كفاءات قيادية وتربوية (المستوى 3)،
✓ ترجمة هذه القيم في سلوكيات وممارسات مؤسسية (المستوى 2)،
✓ توفير بيئة حاضنة للابتكار والجودة (المستوى 1).
بيد أن الانفتاح على التجارب الدولية لا ينبغي أن يتم قبل بناء هذه الأسس. فالتقليد الأعمى قد يؤدي إلى اختلال وظيفي وهوياتي. في المقابل، يُعد التثاقف الواعي أداة لتعزيز النموذج المغربي دون التفريط في خصوصيته.
الخاتمة: من القيادة التقنية إلى القيادة ذات المعنى
إن الحكامة الأكاديمية ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي عملية خلق للمعنى وترسيخ لهوية جماعية ملهمة. يقدم نموذج المستويات المنطقية خريطة عملية لفهم هذه الأبعاد وتحقيق انسجام فعال من شأنه أن يقود إلى التحول المنشود.