حِداد مناصب القرار : تأملات نفسية في مغادرة القادة الأكاديميين لمناصبهم قسرًا

بقلم الدكتور محمد محاسن 

 

بقلم الدكتور محمد محاسن

 

موجز :

في ظل موجة التغييرات المؤسسية التي تجتاح في الآونة الأخيرة قطاع التعليم العالي، يجد العديد من القادة الأكاديميين أنفسهم وقد أُبعدوا فجأة عن مواقع المسؤولية. أتناول في هذا المقال البُعد النفسي المهمل لهذا الحدث : الحداد على فقدان المَنصب. فمن خلال مقاربة نفسية وأنثروبولوجية ونظرية الهوية، يستعرض المقال أدناه الآليات الداخلية التي يُفعّلها هذا النوع من الفقدان الذي يتحول إلى افتقاد، ويقترح سبلًا لتحويل الألم إلى مورد للتجدد والنهوض. دعوة لإعادة صياغة النظرة لمسألة مغادرة القيادة لكي يتم اعتبارها جسر عبور نحو مرحلة جديدة وليس كفشل أو نهاية.

تقديم

يعرف المشهد الأكاديمي حاليًا اضطرابًا ملحوظًا، يتجلى في إقالة عدد كبير من كبار المسؤولين في الجامعات. وبينما تكثر التحليلات السياسية والإدارية، فإن البُعد الشخصي والنفسي لهذا النوع من الإقصاء يظل غائبًا. إذ غالبًا ما يُطلق هذا الرحيل القسري سلسلة من التفاعلات الداخلية العميقة : الحداد.

يستعرض هذا المقال الأبعاد الوجدانية والهوياتية لهذا النوع من الحداد – حداد لا على حياة بالمعنى الحرفي للمفهوم، بل على مركز رمزي. مستندًا إلى أعمال فرويد، وكوبلر-روس، وفان خنيب، وديلتس، يقترح المقال قراءة نفسية-أنثروبولوجية لمرحلة ما بعد القيادة، مسلطًا الضوء على مخاطر الخلط بين الهوية والوظيفة، وأهمية إعادة التوازن الداخلي لعبور هذه المرحلة بسلام.

  1. الحداد كعملية إنسانية كونية بتجليات متعددة

الحداد هو العمل الصامت للروح حين تفقد شيئًا جوهريًا. في كتابه الحداد والمالانخوليا (1917)، وصف فرويد/ Freud الحداد كعملية ضرورية لفك الارتباط بالموضوع المفقود (1). ويصبح الحداد مرَضيًا حين يتعذر الانفصال، ويتحول الفقدان إلى افتقاد يخلِّف جرحا داخليا يقود إلى الاكتئاب (2).

قدّمت إليزابيث كوبلر روس/ Kübler Ross  نموذجًا شهيرًا لمراحل الحداد: الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، والقبول (3). ورغم أن هذه المراحل ليست ثابتة أو متسلسلة دائمًا، إلا أنها توفر إطارًا لتوصيف رحلة الألم الداخلي تلك.

وليس كل حداد ناتج عن موت. فقدان الدور أو المنصب، لا سيما حين يكون مرتبطًا بهوية الشخص، قد يكون صادمًا ومريرًا. ورحيل قائد أكاديمي هو خير مثال على هذا الموت الرمزي (4).

 

  1. مغادرة القائد الأكاديمي: اهتزاز الهوية وضياع المعنى

 

أ. دور مُحمّل بالهوية

 

القيادة الأكاديمية ليست مجرد وظيفة ؛ إنها تموقُع اجتماعي مشبع بالهيبة والرمزية والسلطة. وغالبًا ما تُبنى هذه المواقع بعد مسار طويل من التكوين والطموح. وكلما اعتبر الفرد هذه الوظيفة جزءًا محوريًا من هويتة ، كلما ازدادت قسوة الصدمة عند فقدانها (5).

ب. خلط الهوية بالوظيفة: مصدر الاضطراب

اعتمد روبرت ديلتس/ Dilts- Robert على عمل باتيسون / Bateson Grégory لتحديد ستة مستويات في بنية الفرد (6) :

  1. البيئة
  2. السلوك / الأدوار
  3. القدرات
  4. القيم والاعتقادات
  5. الهوية
  6. الرسالة / الغاية الأسمى

تنتمي القيادة لمستوى السلوك، لا الهوية. غير أن اللغة تخدعنا أحيانًا — فنقول: “أنا رئيس جامعة“، لا “أتولى رئاسة الجامعة” أو ” رئاسة الجامعة من بين مهامي “. فهذا التداخل اللغوي يُخفي خطرًا نفسيًا ما فتئت أنبه إليه في كل حصص المواكبة التي أجريها : حين تصبح الوظيفة مساوية للذات، يصبح فقدانها انهيارًا وجوديًا.

ج. استعادة الجوهر : الأستاذ الباحث

كل قائد أكاديمي هو في الأصل أستاذ وباحث. هذه الهوية الأصلية يجب أن تبقى حاضرة وفاعلة في وجدانه طوال مساره المهني. يجب أن تشكل منظومة القيم لديه، وتوجّه قراراته، ويجعل منها نقطة ارتكاز في مواجهة التقلّبات المؤسسية.

إن إحياء هذا الدور الجوهري يُعيد للفرد بَوْصلته، ويمنحه استقرارًا يتجاوز بريق المناصب.

د. مقاربة أنثروبولوجية: الطقس الانتقالي الغائب

يقترح أرنولد فان خنيب / Arnold Gennep Van نموذجًا ثلاثيًا للطقوس الانتقالية: الانفصال، المرحلة الحدّية، وإعادة الإدماج (7). لكن في حالات الإقالة القسرية، يحدث الانفصال فجأة، دون رمز أو طقس، فيبقى الشخص عالقًا في المرحلة الحدّية — منطقة غائمة/رمادية بين ما كان وما سيكون.

فمن دون طقس عبور، يصبح الرحيل سقوطًا لا تحولًا.

  1. التحديات النفسية والوجودية بعد الرحيل

غالبًا ما يُخلف فقدان الدور فراغًا — لا في النشاط فحسب، بل في المعنى أيضا ؛ فيتلاشى التقدير الاجتماعي وتوقف الهواتف عن الرنين. حينَها تبدأ الأسئلة الوجودية.

يدخل القائد السابق في دوامة من الصدمة والغضب واللوم والعزلة. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الصمت الخارجي، بل في الضجيج/الحوار الداخلي، تلك الترددات الذهنية المتكررة بإلحاح والروايات السلبية فالحداد غير المعالج.

كلها جروح إذا لم تتم معالجتها، فقد تتحول إلى ندوب تعرقل إمكانية التجدد.

  1. من الهشاشة إلى الصمود: كيف نبني التحول؟

غير أن الشفاء ممكن، وإمكانيته لا تمر عبر الإنكار، بل عبر الاعتراف والسعي لإعادة البناء. وهو الأمر الذي يتطلب قبول الخسارة، وإعطاءها معنى، واستثمارها كفرصة لانطلاقة جديدة.

إن القيادة ليست لَقبًا، بل إنها أثر ونتيجة. وحين يُعيد الفرد اكتشاف قيَمه، ورسالته، ورغبته في العطاء، تتجدد القيادة في صيغ وأوجه متعددة وجديدة : الإشراف، التعليم، التأليف، الاستشارة …إلخ.

فالإرث الحقيقي ليس هو ما توليناه أو أُسنِد إلينا مرحلياً، بل إنه ما نتركه خلفنا لكي نُذْكر به.

  1. دراسة حالة: الأستاذ “هـ. م.” بين الانكسار والنهضة

 

الأستاذ “هـ. م.” (هو اسم مستعار)، رئيس جامعة سابق، أُقيل في سياق سياسي مضطرب. وحين تواصلت معه، بحكم صداقتنا، بعد أكثر من ثلاثة أشهر، وجدته متأثرًا جدًا، يعيش ما وصفه بظلم وإهانة. لقد انعزل عن محيطه وطغت عليه مشاعر الغضب وطغى على تفكيره الاعتقاد باللاجدوى.

أشفقت لحاله، فاقترحت عليه مرافقة علاجية لمساعدته على تجاوز المحنة. فوافق بشرط أن أكون أنا معالجه، حفاظًا على خصوصيته. كانت تلك علامة ثقة لا يمكن تجاهلها. فباشرت رحلة/مهمة مرافقة شخصية تعتمد على خبرتي في دعم القيادات، مع الحرص على إشراك محيطه القريب — أصدقاء وأفراد من عائلته — كعامل داعم.

تدريجيًا، بدأ الأستاذ الرئيس السابق يعاود الاتصال مع جوهره : التعليم والبحث. فقَبِل عرضًا كأستاذ زائر في إحدى الجامعات المرموقة واكتشف مجددًا متعة الحوار مع الطلبة وإنتاج المعرفة. لقد سمحت له هذه النقلة بإعادة بناء هوية مستقرة، متحررة من سطوة المنصب، وغنية بحرية فكرية جديدة. واليوم، نجده يُرافق القادة الشباب كمُرشِد ومُلهم.

عود على بدء

إن الرحيل عن المنصب ليس رحيلًا عن الرسالة. قد نفقد السلطة، لكن النداء الداخلي يبقى موجودا قابعا داخلنا. يكفينا العمل على إعادة تعريفه، وإذكائه لكي نتمكن من تحريره من الارتباط بالوظيفة، فنكون بعد ذلك محصنين ضد الانهيار.

هذا ندائي وتلك دعوتي إلى تغيير ثقافي وذهني: أن ننظر إلى نهاية القيادة  كجسر عبور لا كخسارة. عبور يمكن، إن تم بوعي واحتضان ودعم، أن يقود إلى ولادة جديدة بدلا من الفراق في مستنقع المرارة والحسرة والاكتئاب.

فالقائد الحق يظل واقفًا، حتى من دون لقب، ما دامت شعلة رسالته متّقدة. فالقائد الفذ هو من يصنع اللقب وليس العكس

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد