التمييز بسبب الاختلاف في أبشع صوره مع المَهَق “Albinism”

الدكتور خالد علمي

ريتاج بريس :الدكتور خالد علمي

 

استجابة للتوصية التي قدمها مجلس حقوق الإنسان التابع لها، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2014، في قرارهاA/RES/69/170، يوم 13 يونيو يوما دوليا للتوعية بالمَهَق، وذلك بسبب  قلقهـا إزاء الاعتـداءات المرتكبـة ضـد الأشـخاص ذوي المَهَق بمن فيهم النساء والأطفال، من جهة، ومن جهة أخرى، بسبب تزايد الاهتمام الـدولي بحالـة حقـوق الإنسـان للأشـخاص ذوي المَهَق، وخاصة الأطفال منهم، وضرورة حمايـة وصـون الحقـوق  الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الفئة من الأشخاص، بما في ذلك الحق في الحيـاة والتعليم والصحة والشغل والعيش اللائق، فضـلا عـن حقهـم في الكرامـة والأمـان وعـدم التعـرض للتمييز والتعـذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة، وقد جاء هذا القرار في ظل محدودية الــوعي، في أنحـاء كـثيرة مـن العـالم، بمفهوم المَهَق و تدني حالــة حقــوق الإنســان للأشــخاص ذوي المَهَق وخاصة ما يتعرضون إليه من تمييز ووصم، وقد كان هذا الإعلان مقترنا بدعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة لجميــع الــدول الأعضــاء ومؤسســات منظومــة الأمــم المتحــدة وســائر المنظمات الدولية والإقليمية ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات غـير الحكوميـة، وكذا الأفـراد، إلى الاحتفال بطرق ملائمة باليوم الدولي للتوعية بالمَهَق، وتزويــد مفــوض الأمــم المتحــدة الســامي لحقــوق الإنســان بالمعلومــات والجهود المبذولة فيما يخص المَهَق.

فماهو واقع هذا الاختلاف الذي يغني به المَهَق التنوع البشري؟

 

المَهَق حالة نادرة وراثية وغير معدية

 

المَهَق “Albinism” هو حالة وراثية نادرة، نسبيا. وغير معدية، ومتواجدة في جميع أنحاء العالم، بغض النظر عن الجنس أو العرق، وهو مرتبط أساسا بنقص حاد أو جزئي في إنتاج “الميلانين” في الجسم وما يترتب عنه من نقص التصبغ في الجلد والشعر و/أو العينين،  وبالتالي فإن الأشخاص ذوي المَهَق يبدون شاحبين مقارنة بأسرهم ومجتمعاتهم، حتى في المجتمعات ذوي البشرة الفاتحة والشعر الفاتح، ومعظم الأشخاص ذوو المَهَق لديهم أعين زرقاء أو عسلية أو  بنية، وفي بعض الحالات تبدو حمراء أو بنفسجية بفعل تسليط الضوء على الأوعية الدموية في الجزء الخلفي من العين، وتختلف مستويات التصبغ عند الأشخاص ذوي المَهَق حسب نوع المَهَق، والذي يشمل عموما ثلاثة أنواع رئيسية:  (1) المَهَق العيني الجلدي  “Oculocutaneous”(النوع الأكثر شيوعاً ووضوحاً)، والذي يؤثر على العيون والشعر، والجلد، (2) المَهَق العيني “Ocular”، والذي يؤثر على العينين فقط، (3) مَهَق متلازمة “هيرمانسكي بودلاك  “Hermansky-Pudlak والذي يصيب العين والشعر والجلد مقترنا بحدوث مشاكل النزيف، وبسبب نقص “الميلانين” في بشرتهم، والذي يقوم بحماية الجسم من أشعة الشمس، فإن الأشـخاص ذوي المَهَق يصبحون، بشكل خاص، عرضة للإصابة بسرطان الجلد، جراء تعرضهم لأشعة الشمس، وهذا النقص في “الميلانين” في العيون يؤدي إلى تطور غير عادي في شبكية العين والوصلات العصبية، ويتبلور بحساسية كبيرة أمام الضوء الساطع وضعف في البصر يتراوح بين خفيف وشديد، وهذه الإعاقة غير قابلة للتصحيح باستعمال النظارات الطبية، وبذلك يكون الأشخاص ذوو المَهَق من ضعاف البصر من الناحية القانونية.

والمَهَق حالة وراثية نادرة الحدوث، يولد بها الإنسان، وفي جميع حالات المَهَق تقريباً لا بد أن يكون كلا الوالدين حاملاً في جيناته للمهق لكي ينتقل المَهَق إلى الأبناء، حتى وإن لم تظهر علامات المَهَق على الوالدين،  ويصيب المَهَق كلا الجنسين بغض النظر عن الأصل العرقي، هذا ويسود في جميع أنحاء العالم جهل كبير بالمَهَق في الأوساط الاجتماعية وحتى الطبية أحيانا، فغالبا ما يكون المظهر الجسدي للأشخاص ذوي المَهَق موضوع معتقدات وأساطير ومعلومات خاطئة، تؤدي إلى تهميشهم وإقصائهم وإهمالهم وكذا تعريضهم للتمييز والعنف.

ومن التطورات الرئيسية في السنوات الأخيرة ما استجد من معارف ودراسات وإجراءات ميدانية في هذا الشأن، كان أبرزها تعيين الخبيرة المستقلة المعنية بتمتع الأشخاص ذوي المَهَق بحقوق الإنسان في عام 2015، والتي قامت بإدراج العنف والتمييز اللذين تتعرض لهما هذه الفئة من الأشخاص في جدول الاهتمام الحقوقي الدولي، وبما أن الوضعية السيئة لهذه الفئة من الأشخاص تعد متفاقمة جدا في إفريقيا، مقارنة بباقي أنحاء العالم، قامت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب بإقرار خطة العمل الإقليمية (2017-2021) لمواجهة الانتهاكات ضد الأشخاص ذوي المَهَق في أفريقيا، ركزت في مجملها على أهمية سنّ تشريعات واضحة وتنفيذها بشكل فعال وبإلحاح لحماية حقوق الأشخاص ذوي المَهَق، وكذا توفير المعطيات الميدانية حول المهق، وخاصة الإحصاءات الشاملة  لمواليد ووفيات هذه الفئة من الأشخاص ضمن إجراءات التعداد السكاني.

 

انتشار المَهَق في جميع أنحاء العالم

 

يظهر المَهَق عند جميع الأعراق والإثنيات وفي جميع أنحاء العالم، وتختلف نسبة الأشخاص ذوي المَهَق حسب المناطق، ففي إفريقيا، يظهر المَهَق بشكل عام عند شخص واحد من بين كل 1000-15000 شخص، حسب المناطق، وفي أوروبا وأمريكا الشمالية، وحتى وقت قريب، كانت نسبة المصابين بالمهق تقدر بشخص واحد من بين كل  17000-20000 شخص، لكن العديد من الأبحاث تشير حاليا أن هذه الأرقام ليست دقيقة، ولا يمكن الاعتماد عليها لأن انتشار المهق هو في الواقع أعلى بكثير، فعلى سبيل المثال، في هولندا تصل نسبة المصابين بالمهق إلى شخص من بين كل 12000 شخص، وفي أيرلندا الشمالية إلى شخص من بين كل 4500-6600 شخص، وفي بعض التجمعات السكانية في جنوب البرازيل وجنوب المكسيك وشرق بَنَما وجنوب غرب الولايات المتحدة الأمريكية، تتراوح نسبة الإصابة بالمهق العيني الجلدي ما بين  شخص واحد  من بين كل 6500 شخص، وتشير التقديرات إلى أن شعوب “الهوبي “Hopi الأصلية في ولاية “أريزونا “Arizona الأمريكية لديها معدل انتشار 1 من بين كل 200 شخص، في حين أن سكان “الكونا “Kuna الأصليين في بَنَما يبلغ معدل انتشار المهق بينهم 1 من بين كل 160 شخص، أما في آسيا والمحيط الهادئ، فإن معدلات الإصابة بالمهق تختلف اختلافا كبيرا، إذ يتراوح معدل الانتشار في اليابان مابين 1 من بين كل 7900-27000 شخص، وتشير ييانات غير رسمية إلى أن العدد الإجمالي للأشخاص المصابين بالمهق يبلغ 150000 شخص في الهند و 90000  شخص في الصين، وفي استراليا ونيوزلندا، تقدر نسبة المهق ب 1 من بين كل 16000-17000 شخص، وفي  منطقة المحيط الهادئ و”فيجي”، تشير التقديرات  إلى  تواجد أعلى معدلات انتشار المهق في العالم، بمعدل شخص واحد من بين كل 70 شخص، وفي المغرب، يتم تداول فكرة أن عدد الأشخاص ذوي المَهَق هو مايقارب 2500 شخص.

بصفة عامة، يتم الحصول على غالبية أرقام انتشار المهق في العالم عن طريق منظمات المجتمع المدني، وهذه البيانات قد تكون غير كاملة وغير دقيقة أو مختلة من الناحية المنهجية، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها بصفة قطعية، هذا وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة كانت قد أوصت الحكومات والمنظمات المدنية بجمع وتدقيق هذه البيانات المناطقية، لأنها تعتبرها مهمة للغاية في تحديد أماكن تركيز الجهود، وعلى الرغم من ذلك، فإن القليل من البلدان تقوم بجمع بيانات رسمية ومصنفة عن المهق، ولو أن بعض الدول في إفريقيا عمدت إلى إدراج الأشخاص ذوي المهق في التعدادات السكانية، كما هو الشأن بالنسبة لـ كوت ديفوار، وملاوي، وناميبيا، وسيراليون، وكينيا، وأوغندا، ونيجيريا وطانزانيا.

 

التمييز والوصم بسبب المَهَق

 

يعاني الأشخاص ذوو المَهَق من تمييز متعدد ومتقاطع على أساس الإعاقة البصرية واللون والجنس والسن، على نحو متفاوت، نوعا ما، عبر العالم، مما يؤثر على جميع جوانب حياتهم الاجتماعية والتعليمية والصحية والمهنية، إذ يتعرضون في بعض مناطق وجودهم  للسخرية والتهميش ​​والإقصاء في العمل والمدرسة وفي مجتمعاتهم وأسرهم، ويُحرمون من الحصول على الرعاية الصحية الملائمة، ويتم تشويههم والاتجار بهم وبأعضائهم، وقتلهم أحيانا، كل هذا يقع في تعارض صارخ مع العديد من الصكوك الأممية لحقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري على أساس اللون والإعاقة، فقد ذكرت لجنة حقوق الإنسان أن الأشخاص ذوي المهق هم من بين الأشخاص الأكثر تعرضًا للوصم والتمييز، لأن اللون يجعلهم مرئيين في العديد من البيئات، خاصة تلك التي يكون لون غالبية سكانها أغمق كإفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا، وبالتالي يكونون معرضين بشكل خاص للوصم والتمييز، ويحدث هذا في ظل الجهل بخاصيات المهق السائدة إلى حد كبير، وفي ظل قلة حملات التوعية وضعف فعاليتها على المستوى العالمي، ففي فنلندا، على سبيل المثال، قامت بعض الحملات باعتماد فكرة أن المهق هو قضية إفريقية فقط، وفي إيطاليا، يرفض بعض الأشخاص ذوو المهق الاعتراف بحالتهم  والانضمام إلى حركة المهق، وقد أسهم النقص المستمر في الوعي والجهل بحالة المهق في الوصم والشتم والإساءة اللفظية والتمييز الذي يلاحق  هذه الفئة من الأشخاص.

وقد وفرت الخرافات الشائعة والمعتقدات الخاطئة حول المهق، والتي تجرد هؤلاء الأشخاص من إنسانيتهم، إطارا شعبيا لتبرير إقصائهم والاعتداء عليهم، وهي خرافات تتمحور، أساسا، حول:  (1) أن المهق مرض معد، (2) أن الأشخاص ذوي المهق هم من الأجانب أو الكائنات الفضائية، (3) أن الأشخاص ذوي المهق هم أقل شأنا وغير قادرين على إنجاز المهام العقلية والمهام العضلية، وبسبب ذلك يثير الأشخاص ذوو المهق نوعا من التخوف في نفوس من يتعامل معهم في العديد من المناطق والمجالات، مما يفرض عليهم بذل جهود مضاعفة (غالبا بدون نتيجة) لمحاولة الاندماج الاجتماعي، ففي اليابان، على سبيل المثال، يفرض على الطلاب ذوي المهق صبغ شعرهم للسماح بالتحاقهم بالمدارس، كما يتم إقصاؤهم من العديد من فرص العمل بسبب مظهرهم، هذا وتتفشى هذه الأساطير المضرة والقاسية بشكل خاص في العديد من البلدان الإفريقية، والتي تصنف المهق كظاهرة خارقة للطبيعة وشكل من أشكال “الشر” أو “اللعنة” أو “العقاب” الذي تفرضه كائنات على البشرية، ففي غانا يعتقد البعض أن وجود الأشخاص ذوي المهق في المجتمع يمنع سقوط الأمطار، وفي زامبيا تشيع خرافة مفادها أنه من أجل تجنب الإصابة بالمهق أو ولادة ابن من ذوي بالمهق ، يجب على المرء أن يبصق على قميصه كلما رأى شخصًا من ذوي المهق، وفي بوروندي وبعض الدول الأخرى يُنظر إلى الأشخاص ذوي المهق على أنهم وحوش وأشباح، وفي أوغندا، يشجع أفراد العشائر الرجال للتخلي عن زوجاتهم وأطفالهم المصابين بالمهق بناءً على الأساطير التي تقول أن المهق يجلب الحظ السيئ على المجتمع، وفي دول أخرى يعتقد أن هؤلاء الأشخاص يمتلكون طاقات خارقة لا إنسانية، لدرجة أن في بعض مناطق الهند يعتقد أن الزواج من امرأة من ذوات المهق يجعل المرء ثرياً.

وتختلف درجة وشدة الوصم والتمييز حسب المناطق، ففي أوروبا وأستراليا، حيث لا يمكن تمييز الأشخاص ذوي المهق بشكل واضح عن عامة الناس، ومع ذلك هناك تقارير تشير إلى نوع ما من التمييز ضدهم، ففي تركيا يتعرض الأطفال لأنواع من الشتائم، وفي بريطانيا تم تسجيل بعض حوادث التنمر، وفي هولندا والنرويج يعتقد بعض الناس أن العيون الحمراء والشعر الأبيض هما السمة الوحيدة المميزة للمهق، وفي النرويج يسود اعتقاد خاطئ بأن الأشخاص ذوي المهق غير قادرين على القيام بالمهام العادية.

يرتكز التمييز في أوروبا وأمريكا الشمالية، أساسا، على الإعاقة البصرية، لكن ومع أن الأشخاص ذوي المهق، بشكل عام وإلى حد كبير،  يتمكنون من الحصول على الخدمات والتعليم والتوظيف دون عوائق، إلا أنه يلاحظ غياب التأطير التشريعي لحماية متطلبات هذه الفئة من الأشخاص، فالمزايا الاجتماعية لهؤلاء الأشخاص غالبا ما يتم تحديدها بناءً على تصنيف الإعاقة، لكل فرد على حدة، من طرف لجان، وهي تصنيفات قد لا تتوافق أحيانا مع  خصائص المهق. وفي إفريقيا وآسيا، حيث يصبح المظهر الخارجي للمهق مرئيا بشكل جلي، يواجه الأشخاص ذوو المهق مستوى مفرطا من التمييز، فقد خلصت بعض الدراسات إلى أن في جمهورية الكونغو الديمقراطية 22% من الأشخاص ذوي المهق يواجهون التمييز داخل عائلاتهم، وأن 66% منهم  يتعرضون للتمييز في المجتمع الأوسع، وأن في الهند يخشى 66% من الأشخاص ذوي المهق من الخروج إلى الأماكن العامة بسبب التحرش اللفظي أو النفسي من قبل الآخرين. أما في أمريكا الجنوبية، فتتباين ردود الفعل الشعبية تجاه الأشخاص ذوي المهق بين الإعجاب والفضول والرفض والتنمر، فعلى على سبيل المثال، في كولومبيا، يتعرض هؤلاء الأشخاص للإهانة بسبب عدم توافق مظهرهم مع المعايير السائدة للجمال، وفي المكسيك تتعرض النساء للتحرش بسبب شعرهن الأشقر والأبيض، وفي البرازيل تشير إحدى الدراسات إلى  أن 70% من الأشخاص ذوي المهق يعانون من مشاكل نفسية واجتماعية بسبب التمييز اليومي طيلة سنوات عديدة، كما يتم نعت هؤلاء الأشخاص بشتى أنواع النعوت المهينة: “الشخص الأبيض” و”الطماطم الصفراء” في الملاوي،  “الصراصير المقشرة” في البرازيل، “الشبح” و”الأشخاص البيض” و”الكائن الفضائي” في ماليزيا و”رجل الثلج” في الهند.

 

عوائق أمام الحق في التعليم  بسبب المَهَق

 

يُحرم الأشخاص ذوو المَهَق باستمرار من الحق في التعليم بسبب التمييز وضعف البصر والوصم الاجتماعي والخرافات والأساطير والعنف والفقر وضعف البنيات التحتية المناسبة للتمدرس وانعدام الأمن وغياب الترتيبات التيسيرية المعقولة والمواد والأساليب التعليمية المناسبة لحالة المهق، بالإضافة إلى الافتقار إلى الأطر المؤهلة للتعامل مع المهق، كل هذا يُسهم بشكل كبير في انخفاض مستوى التمدرس وارتفاع معدلات العزوف عن الدراسة بين الأشخاص ذوي المهق، وبالتالي الارتماء في الفقر والاشتغال في الأعمال غير الملائمة، فالتعليم يجب أن يتصف في جميع مراحله بأربع سمات: (1) ضمان توفره، بحيث يكون هناك عدد كاف من المدارس، (2) إمكانية الوصول إليه، بحيث تكون المدارس متاحة لجميع الأطفال، وإمكانية الوصول تشمل المباني والملاعب ومرافق النظافة والمراحيض والمواد التعليمية وخدمات الدعم، (3) المقبولية، بحيث يكون التعليم مستجيبا لاحتياجات جميع الطلاب، (4) القدرة على التكيف، بحيث  يكون التعليم قابلاً للتكيف مع احتياجات جميع الطلاب.

في العديد من المناطق حول العالم، يواجه الأشخاص ذوو المَهَق التمييز داخل وخارج الفصول الدراسية، مما يدفع الآباء، أحيانا، إلى عدم إرسال أطفالهم إلى المدارس في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا، ويعزز هذا التصرف الاعتقاد بأن ضعف بصر هؤلاء وحالتهم الفيزيولوجية وانخفاض متوسط أعمارهم، كل ذلك يجعل هذه الفئة غير مؤهلة للاستفادة من التمدرس وإتمام المسار الدراسي والنجاح فيه، فيتم سحب الفتيات والفتيان ذوي المهق من المدرسة في سن مبكرة وحبسهم في المنازل وإجبارهم على القيام بالأعمال المنزلية، وعند محاولة الآباء، في بعض الأحيان، إرسال أطفالهم إلى المدرسة، تجدهم لا يتمكنون من الحصول بسهولة على موافقة الإدارة المدرسية، التي تعتبر الإصابة بالمهق عائقا أمام التعلم، ففي كولومبيا، ترفض بعض المؤسسات وصول الطلاب الذين يعانون من اختلافات واضحة إلى الفصول الدراسية، وفي الهند، يعاني الأشخاص ذوو المهق أحيانًا من صعوبة الالتحاق بالمدارس بسبب اعتراضات آباء التلاميذ الآخرين والمدرسين، لاعتقادهم أن المهق معدي، كما يواجه الطلاب ذوو المهق الذين تمكنوا من الالتحاق بالمدارس التمييز وسوء المعاملة والوصم في الفصول الدراسية من طرف الزملاء والمدرسين والأطر الإدارية المدرسية، ففي بوروندي وكوت ديفوار، توجد  تقارير مفادها رفض الطلاب اللعب مع الأطفال ذوي المهق، أحيانا تكون بناءً على أوامر من الكبار (الإدارة أو المدرسين أو آباء الطلاب الآخرين)، وفي أوغندا، كشفت دراسة استقصائية أن المدرسات الحوامل يرهبون من الطلاب المصابين بالمهق استناداً إلى الأساطير السائدة، وفي غواتيمالا، يعاني الأطفال من العنف الجسدي في المدرسة، وفي الهند، يواجه الطلاب الإقصاء والتهميش من أقرانهم بالإضافة إلى السلوك الفظ من المدرسين والطلاب على حد سواء، وفي اليابان، يضطر الطلاب المصابون بالمهق إلى صباغة شعرهم بالأسود، وفي باكستان، كثيراً ما يواجه الطلاب المصابون بالمهق التمييز طوال مسارهم الدراسي من الابتدائي إلى الجامعي، بسبب مظهرهم وضعف بصرهم، وفي أوروبا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، توجد تقارير تفيد بأن الأطفال ذوي المهق يتعرضون للتشهير بالألقاب المهينة والعنف الجسدي والإساءة اللفظية والتنمر والوصم.

وتجدر الإشارة إلى أنه في العديد من دول العالم، لا يتم توفير سوى القليل من الترتيبات التيسيرية المعقولة للطلاب المصابين بالمهق، مثل مواد القراءة المطبوعة بأحجام كبيرة أو النظارات، ففي سيراليون، 57% من الطلاب ذوي المهق قالوا إن مدارسهم لم تقدم لهم الدعم اللازم والتسهيلات لتمكينهم من التعليم على قدم المساواة مع الآخرين، ويتم طباعة الكتب بخط صغير يصعب عليهم قراءتها، ولا يُمنحون وقتًا إضافيًا أثناء القراءة والامتحانات، وكذلك الشأن بالنسبة للعديد من دول  أمريكا الجنوبية، التي يعتبر فيها النقص في التيسيرات لضعاف البصر أهم عائق أمام التعليم بالنسبة للطلاب المصابين بالمهق، وحتى حين تتوفر هذه التسهيلات لا يستطيعون الاستفادة منها، وفي زيمبابوي، يتم توفير المواد المطبوعة بالخط الكبير عند الطلب، ولكن الطلاب ذوي المهق لا يدركون أنه بإمكانهم الاستفادة منها، وفي بعض الأحيان لا يرغب المدرسون في ذلك بسبب افتقارهم إلى أي معرفة أو فهم للمهق وما يرتبط به من ضعف للبصر ومخاطر التعرض لأشعة الشمس، وجهلهم، تبعا لذلك، بكيفية دعم هذه الفئة من الطلاب ومساعدتهم على النجاح في الفصول الدراسية، وفي زامبيا، وبسبب الاعتقاد بأن الأشخاص ذوي المهق في نهاية المطاف سيفقدون بصرهم تمامًا، يتم تعليمهم بطريقة “برايل” في المدرسة الابتدائية وعادة ما يلحقونهم بمدارس فاقدي البصر، وفي موزامبيق والأرجنتين وهايتي، يُطلب من الأطفال المشاركة في التربية البدنية في الهواء الطلق، مما يعرضهم لأشعة الشمس الضارة بهم، وفي أوغندا، لا يُسمح للطلاب المصابين بالمهق بارتداء قبعات واسعة الحواف أثناء الفصول الدراسية في الهواء الطلق ويمنعون من ارتداء الملابس ذات الأكمام الطويلة.

في إفريقيا، يشكل نقص الدعم المالي عائقاً رئيسياً آخر أمام تمدرس الأشخاص ذوي المهق غير القادرين على دفع الرسوم الدراسية وتكاليف الزي الرسمي ولوازم حماية أنفسهم من الشمس والنظارات، يضاف إلى ذلك بُعد المدارس والتخوف من الاعتداءات الجسدية، ففي بوركينا فاسو، 30% من الفتيات ذوات المهق لا يكملون دراستهم الابتدائية. وفي بوروندي، 56% من الأشخاص ذوي المهق لا ينهون دراستهم و20% من فتيات هذه الفئة لا يكملن حتى المستوى الابتدائي. وفي زامبيا، يبلغ معدل معرفة القراءة والكتابة عند الأشخاص ذوي المَهَق 66% مقارنة بالمعدل الوطني البالغ 92%، و50% منهم فقط يصلون إلى مستوى تعليمي أعلى من المستوى الابتدائي، وفي كولومبيا، 17% من الأطفال ذوي المهق تحت سن 18 سنة لم يجلسوا قط على كراسي المدرسة، وفي باراجواي، 11% من هذه الفئة لا يلتحقون بالمدارس نهائيا.

في العديد من الدول الآسيوية، تكون التسهيلات وأجهزة التكيف للطلاب متوفرة عند الطلب، ومع ذلك، هناك نقص في وعي المدرسين بالإعاقة البصرية وجهل بكيفية الدعم في حالة المهق، بالإضافة إلى ذلك، يتم وضع الطلاب المصابين بالمهق في فصول تضم 50 طالبًا، وهو ما يعيق احتواءهم من طرف المدرسين.

أما في أوروبا، فمع أن التسهيلات المناسبة والأجهزة التكيفية والدعم كل ذلك مكفول للأشخاص ذوي المَهَق في القوانين الوطنية، لكن الواقع العملي لا يشير إلى التنفيذ الكامل لهذه التشريعات، بسبب عدم إدراك المدرسين لاحتياجات هذه الفئة من الطلاب وصعوبة توفير التسهيلات وطول إجراءات التنفيذ، ففي المملكة المتحدة وأيرلندا، مثلا، يضطر الآباء أحيانًا للجوء إلى نظام المحكمة التعليمية لضمان الدعم لأطفالهم.

 

عوائق أمام الحق في الصحة بسبب المَهَق

 

يحتل العامل الصحي أهمية خاصة بالنسبة للأشخاص ذوي المهق نظرا للمضاعفات الصحية التي يعانون منها في كثير من الأحيان، فنقص “الميلانين” في عيونهم وجلدهم يؤدي إلى حساسية اتجاه الضوء الساطع وضعف في البصر وأضرار جلدية ناجمة عن الأشعة فوق البنفسجية، بما في ذلك سرطان الجلد، وبذلك تصبح الموارد واللوازم والخدمات الصحية الخاصة (العلاج، النظارات، العدسات البصرية، المساعدات البصرية، واقي الشمس، خدمات الفحص، …).ضرورية،  ليس فقط من الناحية الفيزيولوجية ولكنها ضرورية للتمتع بالحقوق الأخرى أيضًا، كالحق في الحياة أو التعليم أو العمل، فعلى سبيل المثال، في غياب لوازم الحماية من الشمس، قد لا يتمكن الأشخاص ذوو المهق من الاشتغال في الأعمال التي تكون في الهواء الطلق، مما يحد من قدرتهم على تحقيق مستوى معيشي لائق.

على المستوى العالمي، لا يزال الأشخاص ذوو المهق يواجهون مجموعة من العوائق التي تحول دون الإعمال الكامل للحق في الصحة. والتي تتراوح بين عدم إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية، والافتقار للرعاية الصحية المناسبة، وذلك لأسباب متعددة، منها: الفقر، والتكاليف الباهظة، والجغرافيا، والبيروقراطية، وطول فترات الانتظار، والتمييز والإقصاء الاجتماعي، ففي بعض الأحيان، يتم التمييز ضد الأشخاص ذوي المهق على أساس اللون والإعاقة البصرية من طرف العاملين في مجال الرعاية الصحية والذين يمنعونهم من الوصول إلى الخدمات الصحية بسبب تخوفهم من العدوى أو سوء الحظ أو بسبب أنهم يرون أن هذه الفئة من المرضى لا  تستحق العلاج، وفي حالات أخرى يصعب الوصول إلى لوازم العناية بالبشرة وأضرار أشعة الشمس.

في العديد من المناطق في أفريقيا، يتجاهل مقدمو الرعاية الصحية هذه الفئة من الأشخاص او يعالجونهم بشكل غير إنساني، ففي بعض مناطق تنزانيا، فقط 43% من الأشخاص ذوي المهق  لديهم إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية، وفي كينيا وملاوي، لا تنجح عمليات توزيع واقي الشمس دائما في الوصول إلى الأشخاص ذوي المهق في المناطق النائية.

في أمربكا الجنوبية، أفاد فقط  5% من الأشخاص ذوي المهق في باراجواي أنه قد سبق لهم استشارة طبيب أمراض جلدية مرة واحدة على الأقل في حياتهم، ولم يحصل سوى 35% منهم على أدوات مساعدة بصرية، وفي هايتي، لا يتم الاستفادة من الخدمات الطبية إلى في حالة بلوغ السرطان مرحلة متقدمة جدًا، وفي كولومبيا، يرفض أخصائيو الرعاية الصحية أحيانًا التواصل مع المريض من ذوي المهق مباشرة،  ويرفض بعض أطباء الجلد تقديم واقي الشمس له مجانًا لأنهم يعتبرونه “منتج تجميل” ولا يعترفون بضرورته.

في آسيا، يواجه الأشخاص ذوو المهق بالهند التمييز من جانب الأطباء وعمال الرعاية الصحية بسبب عدم فهم المهق وأسبابه، وفي النيبال، يشكل التنوع الجغرافي عائقًا كبيرًا أمام الوصول إلى الرعاية الصحية ويضطر الأشخاص ذوو المهق إلى قطع أميال للحصول على أي علاج، وفي اليابان، لا يتم الاعتراف دائمًا بإعاقة ضعف البصر عند الأشخاص ذوي المهق، وبالتالي فإن حوالي 60% من الأشخاص ذوي المهق لا يمكنهم الحصول على شهادة دعم الإعاقة المقدم من طرف الحكومة.

أما في أوروبا، فتقييمات الإعاقة التي تحدد مقدار الدعم والتغطية الصحية التي يتلقاها الأشخاص ذوو المهق بتركيا، غالبًا ما تكون غير متسقة وتختلف حسب المستشفى ومدى معرفة لجان التقييم بحالة المهق، وفي المملكة المتحدة وأيرلندا الشمالية، عادة ما يحصل الأشخاص ذوو المهق  على واقي الشمس مجاناً من خلال وصفة طبية، لكن هذا يكون صعب المنال في بعض الأحيان.

من جهة أخرى، يواجه الأشخاص  المصابون بفيروس نقص المناعة “الإيدز” من ذوي المهق مستوى إضافيا من التمييز بسبب حالتهم الصحية في بعض البلدان، وكذلك بسبب الخرافات السائدة التي تقول أن الجماع مع امرأة مصابة بالمهق يمكن أن يعالج فيروس “الإيدز”، فيرتفع بذلك معدل الإصابة بفيروس “الإيدز” بين الأشخاص ذوي المهق، ويترتب لديهم على إثر ذلك شعور بالعار ورفض للعلاج من الفيروس.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن العديد من البلدان حول العالم، تعرف نقصا حادا في عدد الأخصائيين الطبيين الذين لديهم معرفة بالمشاكل الصحية الخاصة بالمهق، بمن فيهم  أطباء الأمراض الجلدية والمتخصصين في العناية بالبشرة، والمستشارين الوراثيين، وأطباء العيون، والأطباء النفسيين، لدعم هذه الفئة من الأشخاص الذين يعانون  من تبعات التمييز والإقصاء والتنمر، ففي الكاميرون، لا يوجد سوى 20 طبيب أمراض جلدية في البلد لحوالي 26 مليون نسمة، وفي الهند، 10-30% فقط من المهنيين الطبيين على دراية بالمهق، وفي أمريكا الوسطى والجنوبية، غالبًا ما يخطئ العاملون في مجال الصحة في تشخيص سلوك الأشخاص ذوي المهق بسبب فحوصات صحية غير ضرورية ومعلومات غير دقيقة، وفي مالي، وفيجي، وجنوب إفريقيا والبرازيل، لوحظ معاناة بعض الأشخاص ذوي المهق من الاكتئاب، وكذا إدمانهم على الكحول دون أي اهتمام طبي نفسي.

ومما يزيد من تعقيد المشكل الصحي عند البعض من الأشخاص ذوي المهق فهمهم المحدود لحالتهم والمخاطر الصحية المرتبطة بها، بما في ذلك الآثار الضارة للشمس، ففي موزامبيق، يسود اعتقاد بأن المشاكل الجلدية، بما فيها سرطان الجلد، تكون بسبب الحساسية فقط، وفي الهند، 37% من هذه الفئة ليسوا على علم بسبب مظهرهم، ويعتقد 26% منهم أنه بسبب مرض جلدي و11% بسبب فقر الدم، وفقط 22% منهم هم على علم بأن حالتهم هي  بسبب المهق أو “اضطراب وراثي”،  وفي بلجيكا، يعتبر عدم تقبل حالتهم أكبر عائق أمام الرعاية الصحية ، وفي الأردن، يجهل البعض منهم أفضل طريقة للعناية ببشرتهم وبصرهم، ويرفض البعض الآخر ارتداء النظارات.

من خلال مقاربة نفسية اجتماعية، يتعين على الأشخاص ذوي المهق أن يعيشوا حياتهم بأكملها مع إعاقة فسيولوجية مقترنة ببعض المشاكل النفسية، والتي غالبًا ما تشكل خسائر فادحة في النمو الشخصي والاجتماعي لهم وتثير ردود فعل مشتركة للغاية حسب المناطق، وحتى من شخص إلى آخر.

 

عوائق أمام الحق في العمل بسبب المَهَق

 

الحق في العمل للأشخاص ذوي المهق مكفول في مختلف معاهدات حقوق الإنسان، وأبرزها في المادتين 6 و 7 من ICESCR، والحق في العمل يعني الحق في قبول العمل أو اختياره بحرية، والحق في عدم الحرمان منه ظلما، ويجب أن يكون العمل “لائقا”، لكن الأشخاص ذوي المهق يواجهون العديد من الصعوبات في الحصول على عمل أو الحفاظ عليه، وذلك بسبب التمييز أو التخوف من الهجمات أو الأمية أو نقص المؤهلات أو تدني المستوى التعليمي أو عدم ملائمة بيئات العمل مع حالتهم الصحية، وكنتيجة لذلك، فالعديد منهم في جميع أنحاء العالم عاطلون عن العمل، أو يعملون بشكل غير مستقر، حيث يضطر الكثير منهم إلى العمل في وظائف منخفضة الأجر أو قصيرة الأجل أو في الأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة، والتي لا تضمن الحماية القانونية لهم،  وهذه الأوضاع تؤدي بهم، في الكثير من الأحيان، إلى مشاكل نفسية كالاكتئاب واحتقار الذات، ففي ولاية باهيا البرازيلية، يعمل فقط 10% من الأشخاص ذوي المهق في القطاع الرسمي، وفي غانا، يعمل العديد من الأشخاص ذوي المهق في الزراعة أو يبيعون السلع في الأسواق، وفي زامبيا، 46% من الأشخاص ذوي المهق في سن العمل يعملون لحسابهم الخاص، غالبيتهم في قطاعات الزراعة والغابات وصيد الأسماك، وفي الهند، 22% من هذه الفئة عاطلون عن العمل، وفقط 18% من العاملين منهم يشتغلون بأجر يومي و11% بدوام جزئي.

خلال عملية التوظيف وكذا بعد  التوظيف، يعاني الأشخاص ذوو المهق من التمييز والتحرش والإقصاء وسوء المعاملة من قبل أصحاب العمل وزملائهم الموظفين على حد سواء، وذلك بسبب المفاهيم الخاطئة حول المهق، فيحرمون في بعض الأحيان من فرص العمل بسبب لون بشرتهم ومظهرهم الجسدي، ففي اليابان، يفشل العديد من الأشخاص ذوي المهق في مقابلات التوظيف بسبب لون شعرهم، ويجبرون على صباغة شعرهم باللون الأسود من قبل أصحاب العمل، وفي إفريقيا، يرفض أصحاب العمل، وخاصة أولئك الذين يعملون في صناعات الأغذية و السياحة، توظيف الأشخاص ذوي المهق بسبب الاعتقاد بان المهق معدي، هذا ويواجه الأشخاص ذوو المهق الذين يديرون أعمالهم الخاصة تمييزًا مماثلاً من الرعاة المحتملين، بسبب الأساطير والخرافات والمعلومات الخاطئة كأسطورة مفادها أن الشخص من ذوي المهق سوف يختفي ولن يعود، وفي أحيان أخرى، يرفض أصحاب العمل توظيف الأشخاص ذوي المهق بسبب ضعف البصر والافتراضات السلبية حول قدراتهم في مجال العمل، إذ يتم في الأغلب الخلط بين الإعاقة والدونية وعدم الكفاءة، وقد يكون السبب عدم رغبة أصحاب العمل في توفير السكن أو تحمل مسؤولية حدوث حروق أو أضرار جلدية أخرى أثناء العمل.

في أوروبا وأمريكا الشمالية، يعيش الأشخاص ذوو المهق دون أن يلاحظهم أحد تقريبًا، وعلى العكس من ذلك فهؤلاء الأشخاص يثيرون مشاعر وتصرفات من طرف الآخرين أينما وجدوا في كل من إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، فإذا كانت الظروف الجينية والطبية متشابهة من بلد إلى آخر، فإن الأمر نفسه لا ينطبق على الظروف المهنية والمعيشية، فبينما يمثل ضعف البصر أكبر عائق في الحياة اليومية بالنسبة للأشخاص ذوي المهق في أوروبا وأمريكا الشمالية، تمثل الحماية من الشمس مشكلة حاسمة بالنسبة لهؤلاء الأشخاص في إفريقيا، ففي إسبانيا، مثلا، يوجد طلاب ومدرسون وموسيقيون وممرضون لامعون من هذه الفئة، استطاعوا تحويل الاختلاف إلى ميزة عند مواجهة التحديات، بينما تفشل هذه الفئة من الأشخاص في ذلك في دولة كالسنغال، مثلا، بسبب حدة التمييز والوصم واللامبالاة.

 

المَهَق بين الهوية  والإعاقة

 

يعد التمييز الضار العائق الأساسي أمام الاندماج الطبيعي للأشخاص ذوي المَهَق، وعلى الرغم من أن تصنيف هذه الفئة من الأشخاص بهذه التسمية المحددة قد تؤدي إلى الفصل والتمييز، إلا أن هناك أسبابًا وجيهة للالتزام باستخدامها لتجميع الأفراد في هذه الفئة، إذ لا يمكن إنكار، من وجهة نظر واقعية، أن العديد من الأشخاص ذوي المهق يتشاركون تجارب مماثلة، سلبية في الغالب، للتمييز والإقصاء والتبعية الاقتصادية أو الاجتماعية، وغالبا ما يتم تصنيفهم على أنهم من ذوي الإعاقة، لأن أنماط السلوك الاجتماعي السلبية تستند إلى الإعاقة، وفي نفس الوقت، عندما تُبذل جهود مكافحة التمييز على أساس الإعاقة، يكون التصنيف ضروريا لتحديد من يجب أن يستفيد من تدابير الحماية والدعم الاجتماعي.

وكرد فعل على الطريقة التي تعامل بها المجتمعات الأشخاص ذوي المهق، يتحد العديد منهم في مجموعات، لأنهم يشعرون براحة أكبر بين الأفراد الذين يشاركونهم تجاربهم الحياتية، ولأنهم يرغبون في الدفاع عن المصالح المشتركة بينهم، وبناءً على ذلك، قد يقبلون بالتموقع في إطار الإعاقة، وذلك، إما لأنهم يريدون دفع المجتمع للنظر إلى حالتهم الخاصة والحد من الإهمال دون مبرر، وإما لأنهم يقرون بإعاقتهم ويطالبون بحقهم في أن يتم تقبلهم واحترامهم في اختلافهم وضمان حقهم في النضال من أجل المساواة في المعاملة، ومع ذلك، يبدو أن معظم الأشخاص ذوي المهق لديهم قيود اعتبارية أو وظيفية، بشكل أو بآخر ، لا يرون أنفسهم من خلالها أنهم من المعاقين ولا يرغبون حتى في تصنيف أنفسهم كمجموعة مختلفة عن الآخرين، إلى حد محاولة البعض منهم إخفاء مظهره المختلف. وهذا يخلق مشكلة، لا ينبغي الاستهانة بها، تعترض تنفيذ البرامج المتعلقة بموضوع المهق.

إن معظم المحاولات التنظيمية لتعريف الإعاقة وقعت، بشكل أو بآخر، فريسة لوصف الإعاقة بأنها سلبية أو منحرفة في المقام الأول، بحيث يُنظر إلى الإنسان المصاب بالإعاقة على أنه مشكلة أو “حالة اجتماعية” يُفترض فيها الشخص أنه غير قادر على ممارسة الأنشطة العادية وأن كل شيء معه ليس على ما يرام، فيضطر الأشخاص ذوي الإعاقة، بشكل عام،  للدفاع  عن أنفسهم ضد نوع هذا التوصيف، مع أن البعض منهم يستسلم له، وهذا التوصيف يتجاهل حقيقة أن ما يشترك فيه الأفراد المعاقون مع غير المعاقين عادة ما يفوق بكثير ما يجعلهم مختلفين، علاوة على ذلك، فإن المفهوم الأساسي القائل إن الإعاقة انحراف عن القاعدة هو بيان قيمة مشكوك فيه.

يصف الإعلان الذي تبنته قمة الأمم المتحدة العالمية للتنمية الاجتماعية في عام 1995، الإعاقة بكونها شكلا من أشكال التنوع الاجتماعي، ينسجم مع مفهوم “المجتمع للجميع” ، وبالتالي فإن محاولات تعريف الإعاقة، بشكل سلبي، على أنها انحراف عن القاعدة أو على أنها نقص، لم تعد صالحة، ذلك أن المجتمع يمكنه أن يتكيف مع الإعاقة بطريقة شاملة وأن يتغلب بشكل كبير على الآثار المترتبة عليها، والتي كانت في السابق مقيدة بشكل مفرط.

في مرحلة سابقة، كانت المساواة تعني التشابه ومعاملة الأشخاص بطريقة متساوية لا تراعي الاختلاف، ولأن معاملة الجميع على هذا النحو قد تكون مخالفة لمبدأ العدل، لأن تجاهل الاختلافات يؤدي إلى تجاهل الاحتياجات المشروعة كذلك، فقد أصبح جليا اليوم أنه ليس من العدل استخدام الفروق بين الناس كذريعة لاستبعادهم بشكل تعسفي من الاندماج الكامل، فالمساواة لا تعني شيئًا إذا كانت لا تعني أن الجميع  متساوون في الحقوق والحظوظ بغض النظر عن الاختلافات في الجنس أو العرق أو اللون أو الإعاقة. فلم يعد من المقبول السماح للمعنى الأسطوري والمنسوب لهذه الاختلافات باستبعاد المشاركة الكاملة للأشخاص ذوي المهق في مجتمعاتهم

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد