الكوتا النسائية في المؤسسة التشريعية المغربية

بقلم الباحثة سمية مزور

عرفت أوضاع النساء في المغرب تطورا ملحوظا على كافة المستويات وفي مختلف المجالات بفضل نضالات الحركات النسوية وتطور الإرادة السياسية لدى الدولة بتنامي التزامها بمبادئ حقوق الإنسان الكونية التي تجد سندها في المواثيق والاتفاقيات الدولية بصفة عامة وفي التشريعات الوطنية…تشريعات تؤسس لها بما فيها الحقوق السياسية والتي تؤثث الترسانة القانونية للمشاركة السياسية للمرأة المغربية بغرض تشجيعها على المساهمة في تدبير الشأن العام وتخويل المرأة الولوج إلى مواقع المؤسسات الدستورية كالحكومة والبرلمان والمؤسسات الأخرى منها الحزبية التي تلعب دورا كبيرا في تمكين المرأة من حقها السياسي …
وتتميز الأحزاب السياسية في المغرب بتنوع إيديولوجياتها وتوجهاتها منها من برز في عهد الاستقلال ومنها من ظهرت مع تطور المسار السياسي بالمغرب نتيجة لعوامل اجتماعية واقتصادية أو حدوث انشقاقات حزبية، وتعتبر هذه الآلية من آليات المشاركة السياسية… ومعلوم أن الدستور المغربي لسنة 2011 أقر للأحزاب قانونا تنظيميا يؤطرها وهو القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية حيث يعرف بدور الأحزاب وكيفية تأسيسها والانخراط فيها وممارسة أنشطتها ومبادئ تنظيمها وتسييرها ونظام تمويلها… كما ينص على ضرورة توسيع وتعميم الأحزاب السياسية لمشاركة النساء في التنمية السياسية للبلاد والسعي لبلوغ نسبة الثلث لفائدة النساء داخل أجهزتها المسيرة وطنيا ومحليا وهذا هو محور موضوعنا…
إذ على مستوى الانتخابات البرلمانية التشريعية نظم المغرب بعد إستقلاله 11 إستحقاقات انتخابية من الولاية الاولى لسنة 1963 إلى غاية الولاية التشريعية الحادية عشر لسنة 2021…
عزيزي القارئ في دراسة ميدانية قمت بها في رسالتي لنيل شهادة ماستر العمل السياسي والعدالة الدستورية سنة 2021 تحت عنوان “التمثيلية السياسية النسائية بالبرلمان المغربي” توصلت إلى أن
المؤسسة التشريعية لم تعرف اعتلاء النساء لمقاعدها الا في الولاية التشريعية الخامسة في سنة 1993 فبلغة الأرقام عرفت تقدم 33 مرشحة من بين 2042 مرشحا ، وتكللت بفوز نائبتين…فما قبلها من ولايات كان الفوز بصيغة المذكر رغم تقدم 8 نساء في الولاية التشريعية الثالثة و 15 إمرأة في الولاية التشريعية الرابعة…
وفي سنة 1997 تقدمت 69 مرشحة وفازت منهن 4 نائبات ….
وفي الولاية التشريعية السابعة ستتقدم 266 امرأة لتفوز 35 نائبة …
وفي الولاية الثامنة لسنة 2007 ستشهد فوز 30 نائبة ضمن اللائحة الوطنية وأربع نائبات في اللائحة المحلية أي فوز 34 نائبة…
أما الولاية التاسعة وبعد تعديل الدستور ستعرف فوز 60 نائبة ضمن اللائحة الوطنية و 7 نساء في اللوائح المحلية…
كما ستشهد الولاية العاشرة لسنة 2016 فوز ما مجموعه 81 إمرأة ….
وفي الاستحقاقات الأخيرة لسنة 2021 أعتمدت اللائحة الجهوية بدل اللائحة الوطنية وبلغ عدد المقاعد النسائية 94 مقعدا …
والملاحظ من خلال عرض هذه الأرقام أن هناك إرتفاعا ملحوظا في تواجد المرأة المغربية كنائبة بالبرلمان منذ الانتخابات التشريعية السابعة لسنة 2002 …وهنا مربط الفرس حين إعتمد المغرب نظاما خاصا بتمثيلية المرأة في غرفة مجلس النواب وتبنى أسلوب الاقتراع بالتمثيل النسبي عن طريق اللائحة كتقنية ساهمت في الرفع من التمثيلية السياسية للنساء…
وقد تسألني عزيزي القارئ كيف ذلك ؟
إن المغرب يعتبر من البلدان التي إتخذت عدة تدابير إجرائية لزيادة التمثيل النسائي السياسي بوضع القوانين الانتخابية والتي لعبت دورا كبيرا في الرفع من مستوى تطوير التمثيلية السياسية النسائية…كما أعمل سلسلة من الاصلاحات السياسية والقانونية…فقد خصص عددا محددا من المقاعد داخل الهيئة النيابية ووضع بداية لائحة وطنية للنساء وبعدها بسنوات لائحة جهوية لضمان تمثيلية حقيقية للنساء داخل الحقل السياسي والرفع من مستوى تواجدهن في مجلس النواب…. وبشرح مبسط ففي انتخابات مجلس النواب سنة 2002 كانت أولى محطات تنزيل مضمون تقنية الكوطا بتخصيص 30 مقعدا للنساء في إطار اللائحة الوطنية من أصل 325 مقعدا وتم التوافق بين الأحزاب السياسية على هذه اللائحة….وفي انتخابات 2007 تراجع العدد وأوحى الى عدم مساهمة تقنية الكوطا في الرفع من نسبة تمثيل النساء في البرلمان مما استدعى الانتقال بالضمانات المبنية على التوافق بين الأحزاب السياسية إلى البحث عن ضمانات تشريعية قبيل تنظيم الانتخابات الجماعية في 12 يونيو 2009 حيث تم تعديل الميثاق الجماعي الذي حمل مجموعة من المستجدات التي أسهمت في تعزيز وتطوير مشاركة المرأة في المجالس المحلية وذلك عبر تخصيص دائرة إضافية تنافست فيها النساء بينهن …كما نصت مدونة الانتخابات على إحداث دوائر انتخابية إضافية تخصص بمقتضى ميثاق أخلاقي من أجل الرفع من نسبة حضور النساء بالمجالس المنتخبة وكذا تضمنت تعديلات تهم إحداث صندوق الدعم لتشجيع تمثيلية النساء…كما أعلن وزير الداخلية آن ذاك أن الحكومة ستقدم تحفيزات مالية للأحزاب السياسية التي ستقدم أكبر عدد من المرشحات تشجيعا للتمثيلية النسائية وتخصيص مراكز متقدمة للنساء بمختلف لوائح الترشيح العادية وكذا الدوائر التي ينتخب ممثلوها عن طريق الاقتراع الفردي في المجالس الجماعية….
وفي سنة 2011 حيث أثمرت عن الارادة السياسية والحراك النسوي داخل منظمات المجتمع المدني إلى التعجيل بمراجعة دستورية بمضامين جديدة تضمنت قانونا تنظيميا جديدا لمؤسسة البرلمان وآلية تشريعية جديدة بغرض دعم تمكين المرأة
و الرفع من مستوى التمثيلية النسائية في البرلمان إلى 60 مقعدا في استحقاقات 2012 بدلا من 30 مقعدا في الاستحقاقات السابقة، وخلال الانتخابات التشريعية في 2016 تم تخصيص 60 مقعدا لفائدة النساء وفازت 9 نساء عن اللائحة المحلية و 12 شابة عن لائحة الشباب…لتليها بعد ذلك الانتخابات التشريعية لسنة 2021 التي خصصت اللائحة الجهوية للنساء وألغيت اللائحة الوطنية ولائحة الشباب …وفاز مجلس النواب ب90 مقعدا للنساء في اللائحة الجهوية إضافة لعدد من النساء في اللوائح المحلية و ارتفع بذلك عدد النساء في البرلمان المغربي…
إن إدراج اللوائح الجهوية للنساء في استحقاقات 2021 عززت بالتمثيلية النسائية داخل المؤسسة التشريعية وفقا للمقتضيات المتعلقة بالقوانين التنظيمية المؤطرة للمنظومة الانتخابية …كان الهدف منها تشجيع النساء على المشاركة السياسية الفعالة و حضورها الملائم في العمل السياسي وكذا فتح باب تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج المهام الانتخابية البرلمانية …مقتضيات وسعت المشاركة السياسية النسائية ورفعت من مستوى التمثيلية مقارنة مع الولايات السابقة
وقد أقر على أن نظام الحصص أو الكوطا أو التمييز الايجابي كان له تأثيرات ايجابية وملموسة على مستوى التمثيل النيابي وشكلت مدخلا أساسيا لتعزيز ولوج النساء للبرلمان كآلية انتقالية مرحلية وكدعم قانوني استثنائي في مقابل ضعف كبير و ملحوظ في تمثيلية المرأة في الجماعات المحلية فالأرقام خير مؤشر كتقييم علمي على تقدم وتطور نسبة تواجد النساء اللواتي فزن على مستوى الجماعات المحلية لإعتلاء مقاعد في المؤسسة التشريعية …
ولعلي أطرح هنا أسئلة عريضة ومنها ماذا لو لم تكن الكوطا كتأسيس قانوني؟
هل ستحتاج النساء دائما لتمييز إيجابي في السياسة ليخضن غمار الإنتداب؟
هل نجحت الكوتا في خلق نخبة سياسية نسائية متمرسة أم أفرزت أعدادا نسائية فقط؟

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد