هل تخلت أمريكا عن صحافييها في أفغانستان ؟

يبدو أن الإدارة الأمريكية على موعد مع فضيحة أخرى من فضائح تعاملها مع الانسحاب من أفغانستان. فبحسب الكاتب السياسي في صحيفة “واشنطن بوست” جوش روغين، تخلت الإدارة عن أكثر من 100 صحافي يعملون في وكالات ترعاها الحكومة إضافة إلى عائلاتهم بعدما وضعتهم “في ثلاثة أسابيع من الجحيم”. تم تحذير الإدارة، باكراً وغالباً، بشأن وجود حوالي 600 موظف أو متعاقد مع عائلاتهم يعملون في منظمات إعلامية تحت مظلة الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي (يوساغم)، وهي وكالة فيديرالية يمولها الكونغرس.

من ضمن هؤلاء الصحافيين عاملون في إذاعة صوت أمريكا، وإذاعة أوروبا الحرة/إذاعة الحرية وهم معرضون لمخاطر شخصية عظيمة. منذ سنة 2016، قتلت طالبان أربعة صحافيين من إذاعة الحرية عبر هجمات انتحارية وتستلم الإذاعة من المتطرفين تهديدات بالقتل بشكل دوري. الآن، يقول قادة هذه المنظمات الإعلامية إن وزارة الخارجية وعدتهم بأن تسحب الأشخاص المعرضين للخطر من البلاد قبل 31 غشت لكنهم نكثوا وعودهم لاحقاً وسط الفوضى والاضطراب في مطار كابول. ويتحدثون عن محنة الأفغان الذين رفضتهم القوات الأمريكية مراراً عند بوابات المطار والذين تم تسليم معلوماتهم الشخصية إلى مقاتلي طالبان.

* لا يصدقون سوليفان

يقول السيناتور بن كاردين لروغين: “إنه لأمر محبط أن الكثير من الصحافيين المحترفين الذين توظفهم المؤسسات الإخبارية التي تمولها أمريكا قد تم تركهم مع عائلاتهم”. عمل كاردين خلف الكواليس لمحاولة مساعدة هؤلاء الموظفين. وأضاف: “هؤلاء الحلفاء الأفغان هم من بين الأشخاص الأكثر عرضة للخطر في الوقت الحالي بسبب العمل الجيد الذي قاموا به خلال عقدين. يجب أن يتحول الاهتمام الطارئ الآن إلى إيجاد أفضل طريق لإيصالهم (إلى الولايات المتحدة) بشكل آمن”.

يوم الأحد، قال مستشار الأمن القومي جايك سوليفان إن كل المجموعات التي أعطتها واشنطن الأولوية للمغادرة نجحت في الوصول إلى الطائرات. لكن هذا الزعم هو ببساطة غير صحيح، وفقاً لما قاله مسؤولون ومصادر لروغين خلال الأسابيع الثلاثة الماضية. تشمل هذه المنظمات الجامعة الأمريكية في أفغانستان، الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، الصندوق الوطني للديموقراطية، جمعية الرفق بالحيوان والعديد من منظمات المجتمع المدني التي يواجه العاملون فيها أسوأ الاحتمالات.

* فشلوا باستمرار

كان لدى صحافيي وموظفي يوساغم كل صلة يمكن أن تتمناها مجموعة على لائحة الإجلاء. بالتالي، تمتع هؤلاء بتوقعات مرتفعة. ففي نهاية المطاف، بذلت الإدارة الأمريكية جهداً هائلاً لإجلاء الصحافيين الأفغان العاملين في منظمات إعلامية أمريكية خاصة. لذلك، افترضوا أنها لن تتخلى عن المراسلين الذين كانت مسؤولة عنهم بشكل مباشر. لكنهم كانوا مخطئين وفقاً لروغين.

أجرى صحافيو إذاعة الحرية وعائلاتهم رحلات مستقلة عدة إلى المطار منتظرين غالباً أياماً ولياليَ أمام البوابات، لكنهم فشلوا في الدخول. هذا ما قاله رئيس إذاعة أوروبا الحرة/إذاعة الحرية جايمي فلاي للصحافي نفسه أنه كان بإمكان المرء توقع “أن حكومة الولايات المتحدة، التي ساعدت في خلق المساحة للصحافة والمجتمع المدني في أفغانستان طوال السنوات العشرين الماضية، كانت لتحاول بذل المزيد خلال الأسابيع العديدة الماضية من أجل مساعدة الصحافيين الذين اتخذوا قراراً بأنه من الأفضل لهم مغادرة البلاد”. لكن الإدارة فشلت باستمرار في ذلك.

* رسائل وتحذيرات

استند التفاؤل الأساسي إلى الضمانات الرسمية التي تحدث عنها هؤلاء حول الاهتمام بالموظفين والمتعاقدين مع الحكومة. لكن مسؤولي الإدارة ينفون أن يكونوا قد قطعوا أي وعود صريحة في هذا الإطار. في 23 غشت، كتب رئيس يوساغم بالوكالة كيلو شاو رسالة إلى الرئيس بايدن شاكراً إياه على الجهود المستمرة لفريق الأمن القومي التابع له لكنه حذره من أن موظفيه لم ينجحوا في الوصول إلى داخل المطار. وفي 25 غشت، كتب 67 مشرعاً رسالة خاصة إلى بايدن يحضونه فيها على التركيز على موظفي يوساغم قبل أن يفوت الأوان.

ويقول فلاي إن العديد من المسؤولين كرروا طمأنتهم لإذاعة الحرية لكن حتى أعلى المسؤولين مرتبة عجزوا عن تخطي الخلل الوظيفي المطلق وغياب التواصل بين واشنطن وكابول. في إحدى المرات، كان فلاي يتحدث هاتفياً مع مسؤولين عسكريين بارزين عمدوا إلى محاولة إدخال المجموعة التي كانت تنتظر خارج البوابة. لكن الرسالة لم تصل قط إلى الجنود الواقفين على البوابة، فعادت المجموعة من حيث أتت.

* بين المحاولات الرسمية والخاصة

أقدمت يوساغم على محاولات جريئة عدة لإخراج موظفيها. قبل أسبوعين، أمنت إذاعة الحرية لموظفيها مقاعد على طائرة تشيكية منطلقة من كابول. لكن تم رفض إدخالهم عند بوابات المطار وغادرت الطائرة من دونهم. والأسبوع الماضي، عملت يوساغم مع وزارة الخارجية لاستئجار ثلاث طائرات وإرسال موظفيها إلى إسبانيا. وقبل أن تتمكن الطائرات من الهبوط في كابول، هاجم داعش المطار، وألغى البنتاغون جميع الجداول الأخرى.

خلال الأيام الأخيرة من الشهر الماضي، قالت وزارة الخارجية ليوساغم إن موظفيها سيكونون جزءاً من آخر شريحة من موظفي الحكومة المحليين الذين مُنحوا أولوية خاصة في ذلك الوقت، بحسب فلاي. لكن مع حلول الموعد النهائي وتجاوزه حتى، لم يحصل موظفو يوساغم على الاتصال للمجيء إلى المطار. يقول مسؤول بارز في وزارة الدفاع لروغين إن موظفي يوساغم ظلوا حتى اللحظات الأخيرة ضمن أعلى الأولويات. لكن الوقت نفد ببساطة. بالكاد تمكنت وزارة الخارجية من إجلاء موظفيها بحلول 31 غشت بحسب المسؤول نفسه الذي أشار أيضاً إلى أن التهديد المرتفع باحتمال حصول هجوم إرهابي آخر أعاق الإجلاء في الأيام الأخيرة.

* مسألة حياة أو موت

لا تؤمن الضمانات الحكومية الحالية الكثير من الطمأنينة لهؤلاء الصحافيين الذين يواصلون عملهم حتى وهم ينتظرون إشارة حول إظهار الحكومة نيتها في كيفية تحويل كلماتها إلى أفعال. يعرب فلاي عن إحباطه الكبير لأن هؤلاء الصحافيين “أمضوا حياتهم محاولين توفير الأخبار والمعلومات للشعب الأفغاني وقد تعرضوا للاعتداء بسبب فعل ذلك”. وأضاف: “سيناريو المستقبل بالنسبة إلى الصحافة في أفغانستان هش بشكل لا يصدق”. وأكد ناطق باسم يوساغم أن موظفيهم كانوا من بين كثر لم يتم إجلاؤهم لكنه رفض الحديث عن أعداد أو تفاصيل معينة بسبب مخاوف على سلامتهم. وقال الناطق: “هذه مسألة حياة أو موت للعديد من صحافيينا وعائلاتهم” وإجلاؤهم هو أعلى أولوية لديهم.

* إهانة… وأكثر

يعترف روغين بتمكن إدارة بايدن من إنقاذ أرواح كثيرة. لكن وصف الإدارة العملية بالناجحة هي إهانة تزيد الطين بلة بالنسبة إلى عشرات آلاف الأفغان الذين لم يصلوا إلى المطار ويخشون الآن على حياتهم. إن أقل ما يمكن للإدارة فعله هو وضع خطة لإجلاء هؤلاء، بشرط ألا تعتمد الخطة على نعمة من طالبان التي تتحدث تقارير عن أنها بدأت تنتقم من خصومها. ويضيف روغين: “إنها مسألة شرف وصدقية للولايات المتحدة، لكن أيضاً مسألة حياة أو موت”.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد