بقلم الدكتور خالد علمي
في ظل التوترات بين إيران وإسرائيل في المنطقة وفي خضم إعادة إحياء المحادثات حول الملف النووي الإيراني مع الولايات المتحدة، عاشت الجبهة اللبنانية مع إسرائيل خلال الصيف الحالي مناوشات عسكرية محدودة ببن الكيان الصهيوني وحزب الله اللبناني التابع لإيران. فقد قام هذا الأخير بإطلاق وابل من الصواريخ باتجاه قوات إسرائيلية ردّت هي الأخرى بقصف مدفعي على جنوب لبنان. وخلال تلك المواجهات، حرص الطرفين على عدم توسيع العمليات العسكرية. فقد صرح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي “أمنون شيفلر” أن إسرائيل لا ترغب في التصعيد إلى حرب شاملة، وفي المقابل يمكن اعتبار استهداف حزب الله لمناطق غير مأهولة إشارة منه على نفس التوجه. وتزامنا مع تلك العمليات، حاول حسن نصر الله، أمين عام.حزب الله اللبناني، طيلة خطابه التليفزيوني الذي ألقاه في ذكرى 15 لحرب يوليوز 2006 بين إسرائيل وحزب الله، أن يبرر تلك المناوشات وأن يخرجها من السياق الإقليمي المرتبط بإيران، مع أن ارتباط حزب الله العضوي بسياسات إيران في المنطقة لا يمكن لأحد نفيه (لبنان، سوريا، العراق…). وقد بدا الخطاب في مضمونه موجها للخارج اللبناني ومتجاهلا للمشاكل الداخلية التي تتخبط فيها الدولة اللبنانية والهموم التي يعيشها المواطن اللبناني الذي بدأ يفقد ثقته بمشروع حزب الله. وقد كان مما ركزت عليه وسائل الإعلام في مضمون الخطاب ذاته تأكيد نصر الله على أن “الهدف من العملية هو تثبيت قواعد الاشتباك لحماية البلد وليس خلق معادلة جديدة”، وأن “القصف طال أرضا مفتوحة كالأرض التي قصفتها إسرائيل”. وهي رسالة إيران للمنطقة بلسان ذراعه المطيع “حزب الله”، والتي تذكر بنفوذها الذي ترغب أن يكون متساويا مع نفوذ القوى الأخرى في المنطقة ومن بينها إسرائيل.
إنه الطموح الإيراني الذي تعتمد في تحقيقه على المزج بين الطائفية المذهبية والممارسة السياسة بعيدا عن البعد الإنساني للعقيدة المحمدية.
طموح طائفي مرتبط بالماضي.
تأسس نظام الحكم في إيران بعد الثورة الإيرانية سنة 1979، وهو نظام سياسي معقد يجمع بين عناصر الحكم الديني والديمقراطي، حيث أنه يعتمد على شبكة من المؤسسات غير المنتخبة التي يسيطر عليها المرشد الأعلى جنبا إلى جنب مع رئيس وبرلمان منتخبين من قبل الشعب. وقد فرضت منذ البداية الهيمنة المطلقة للمذهب الشيعي على دستور البلاد ضدا على وجود مذاهب أخرى في المجتمع الإيراني. كما تم نسج علاقات وشبكات مع غير الإيرانيين من المسلمين على الأساس الطائفي الشيعي. وكان النظام الإيراني قد وضع بذلك لبنة إعادة إحياء الحوادث المؤلمة من التاريخ الإسلامي.
و للتذكير، فقد برزت بعد وفاة النبي الكريم بسنوات بعض المشاكل السياسية بين المسلمين تمحورت حول مسالة الخلافة. وقد تحولت هذه الأزمة السياسية بفعل الاستفزازات المتبادلة من الأطراف المتنازعة إلى فتنة أزهقت على إثرها أرواح عدد من خيرة المسلمين. وقد كان من نتائج هذه الفتنة ظهور الفرقة الشيعية التي بنت عقيدتها التعبدية على المآسي والفظائع التي ارتكبت خلال تلك الفتنة. و للأسف فقد فشلت الأغلبية المسلمة فيما بعد في استيعاب هذه الفرقة التي ظلت أقلية منذ نشأتها إلى اليوم “فقط 20% من عدد المسلمين في العالم”. وقد كان غالبا ما يطبع هذه الفرقة الرفض المعلن والحقد الدفين للأغلبية إلى درجة الارتماء في حضن الحروب المسلحة والتمرد والتآمر والتحالف مع الأعداء من غير المسلمين. فقد شهد التاريخ كيف دمر البويهيون الشيعة بمكرهم الدولة العباسية، وكيف خرب القرامطة الشيعة بهمجيتهم مكة المكرمة وأرهبوا الحجاج المسلمين وقتلوهم وحرموهم من مناسك الحج لمدة 10 إلى 20 سنة، وكيف عات العبيديون الشيعة فسادا وظلما للشعوب في شمال إفريقيا، وكيف تم اغتيال العديد من المسلمين الأبرياء من طرف فرقة الحشاشين الشيعة “وهي بالمناسبة كانت أكبر فرقة اغتيالات عرفها التاريخ الإسلامي”، وكيف كانت الدولة الصفوية الشيعية الخنجر الذي لم يتوقف عن طعن الدولة العثمانية من الخلف خلال حروبها مع الغرب البيزنطي… وللوصول إلى أهدافها في إضعاف النظم الإسلامية القائمة، عمدت هذه الجماعات إلى التحالف والتآمر مع أعداء الإسلام من الصليبين والمجوس.
في الواقع الحالي، ومن أجل تصدير المذهب الشيعي، يحاول النظام الطائفي في إيران منذ نشأته العمل على إعادة إحياء المذهب الشيعي وذلك بإضعاف النظم القائمة من حوله بعدما أحكم سيطرته على بلاد فارس. فقد ساهم بتحالف مع المسيحيين في لبنان و الأمريكيين في العراق والروس في سوريا و اليمن إلى تخريب ما تبقى من مقومات تلك الدول، وهو الآن يسير بنفس النهج في السعودية والبحرين …. كما أن الانحياز للجانب الأرميني المسيحي المتحالف مع فرنسا في حربه مع أذربيجان المتحالفة مع تركيا أظهر الحرب الخفية التي يشنها النظام الإيراني ضد الدولة التركية السنية. ويمكن استكشاف الأهداف الطائفية للنظام الإيراني كذلك في خطط المساعدات والدعم التي تمنحها الحكومة الإيرانية للمنظمات والهيئات الإسلامية التي تنحصر -مع وجود القليل من الاستثناءات- على المنتمين للمذهب الشيعي. ففي أفغانستان، مثلا، انحصر الدعم الإيراني على الأحزاب الشيعية لا في الحرب الأولى ضد السوفيات ولا في الحرب الثانية ضد الأمريكان.
طموح جيو-سياسي مبني على المصالح.
في ظل الأجواء المحمومة الأخيرة بين إيران وإسرائيل في البحر (الخليج العربي) والجو (إسرائيل وسوريا) وعلى الأرض (لبنان وسوريا)، قد يظن البعض أن الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى قد تندلع بين لحظة وأخرى. لكن السياسة تقول أن لا يجب الأخذ بظاهر الأمور مهما كانت مشتعلة إعلاميا.
إن المتابع لتسلسل الأحداث في الشأن الإيراني لن يحيد عن طرح التساؤلات الآتية : -أين كانت مخابرات الغرب الذي كان يحتضن الخميني قبل الثورة الإيرانية؟، مع العلم أن الغرب كان مقبرة لمعارضين سياسيين آخرين – لماذا لم تتخذ أمريكا وإسرائيل الاحتياطات اللازمة منذ 1979 مع حملة الثأر الإيرانية الرهيبة التي أطلقها الخميني ضد الشيطان الأكبر “أمريكا” وربيبته إسرائيل بعد الثورة الإيرانية؟، -لماذا لم يتم الإجهاز على الثورة في مهدها؟، مع أن الأمر كان كذاك في حالة ثورات الربيع العربي، -ما هو دور أمربكا وإسرائيل في الحرب العراقية الأولى ضد إيران والتي سمحت للنظام الإيراني بتطوير ترسانته العسكرية، والقضاء نهائيا في ما بعد على الجيش العراقي وصولا إلى التفوق العسكري الإيراني الحالي في المنطقة؟، -كيف سمحت إسرائيل وأمريكا لإيران ان تنشئ ذراعا عسكريا لها ضاربا كحزب الله على حدود إسرائيل مع لبنان في بداية الثمانينات، وصولا إلى إضعاف جل الفصائل اللبنانية والفلسطينية والوطنية واليسارية والإسلامية المقاومة لإسرائيل في لبنان؟، -كيف سمحت إسرائيل وأمريكا لإيران أن تتغلغل في سوريا جارة إسرائيل المباشرة؟، -كيف وافقت أمريكا ومن ورائها إسرائيل على تسليم العراق لحلفاء وأتباع إيران من العراقيين؟، -كيف تسمح أمربكا وإسرائيل وبوارجهما الحربية في الخليج بإيصال الدعم الإيراني لجماعة الحوثي اليمنية الشيعية التابعة لإيران؟…
إن العلاقة بين المثلث الإيراني-الأمريكي-الإسرائيلي تقوم على المصالح و التنافس الإقليمي و الجيو-إستراتيجي و ليس على الأيديولوجيات و الخطابات و الشعارات التعبوية الحماسية. ففي إطار المشهد الثلاثي لهذه الدول، تعتمد إسرائيل في نظرتها إلى إيران على أنها طرفا بعيدا عن المحور، فيما تعتمد إيران على استرجاع أمجاد التاريخ أو “العصر السابق” حين كانت هيمنة إيران تمتد لتطال الجيران القريبين منها. و بين هذا و ذاك يأتي دور اللاعب الأمريكي الذي يتلاعب بهذا المشهد.
إن النظام الإيراني ليس “خصما لا-عقلانيا” للولايات المتّحدة و إسرائيل كما كان الحال بالنسبة للعراق بقيادة صدّام حسين و أفغانستان بقيادة طالبان. فإيران تعمد إلى تقليد “اللاعقلانيين” من خلال الشعارات و الخطابات الاستهلاكية وذلك كرافعة سياسية وتموضع دبلوماسي فقط. فهي تستخدم التصريحات الاستفزازية و لكنها لا تتصرف بناءاً عليها بأسلوب متهور من شانه أن يزعزع نظامها. وعليه فيمكن توقع ما قد يحدث مع إيران ضمن هذا المنظور، أي : “ليس هناك خطر لا يمكن احتواؤه عبر الطرق التقليدية الدبلوماسية” .
طموح التفوق في حلبة المنافسة مع إسرائيل.
إن كلا من إيران وإسرائيل تميلان إلى تقديم أنفسهما على أنّهما متفوقتين على جيرانهما العرب. إذ ينظر العديد من الإيرانيين إلى أنّ جيرانهم العرب أقل منهم شأنا من الناحية الثقافية و التاريخية. ويعتبرون أن الوجود الفارسي على تخومهم ساعد في تحضّرهم و تمدّنهم ولولاه لما كان لهم شأن يذكر. وفي المقابل، يرى الإسرائيليون أنّهم متفوقون على العرب بدليل أنّهم انتصروا عليهم في حروب كثيرة. فإذا ما أمعنّا النظر في الوضع الجيو-سياسي الذي تعيشه كل من إيران و إسرائيل ضمن المحيط العربي، سنلاحظ أنهما يلتقيان أيضا في وضعية “لا حرب، لا سلام”. الإسرائيليون لا يستطيعون إجبار أنفسهم على عقد سلام دائم مع من يظنون أنهم اقل منهم شأنا ولا يريدون أيضا خوض حروب طالما أنّ الوضع لصالحهم، الشيء نفسه وصل إليه الإيرانيون. كما أن كلا الطرفين يعتقدان أنّهما منفصلان عن المنطقة شعبيا. فالإسرائيليون محاطون إثنيا ببحر من العرب وبحر من المسلمين دينيا. والأمر متشابه تسبيا بالنسبة لإيران المحاطة بمجموعة من الأعراق غالبها عربي خاصة في الجنوب و الغرب، وطائفيا هي محاطة ببحر من المسلمين السنّة، لأنها اختارت أن تميّز نفسها عن محيطها عبر إتّباع المذهب الشيعي بدلا عن المذهب السني السائد و الغالب في العالم الإسلامي.
أما فيما يتعلق بالجانب النووي، فبات من الواضح أن الاستخبارات الإسرائيلية كانت قادرة على اختراق الأمن الإيراني بالاعتماد على كل من العملاء على الأرض و الحرب الإلكترونية السيبرانية. ومن ناحية الملاحة البحرية، فإسرائيل تمتلك مدخلا جيدا إلى البحر الأحمر عبر مينائها البحري في إيلات، ولكن في مناطق أبعد من ذلك تصبح لإيران اليد العليا بفعل سواحلها الواسعة على امتداد الخليج ووكلائها الحوثيين في اليمن. وفي سوريا ولبنان تمتلك إيران خيار نشر وكلائها للقيام بضربات صاروخية ضد إسرائيل، بالإضافة إلى ذلك، تمتلك إيران بعض الامتيازات الخاصة التي تصب في مصلحتها، ولكنها حُيدّت في صراعها مع إسرائيل التي تمتاز بجرأة القرار وسرعة التحرك وقدرة الوصول إلى أبعد عمق. هذا وتكشف بعض التسريبات الإعلامية -ببن الحين والآخر- عن اجتماعات سرية قد تكون عقدت بين إيران وإسرائيل للتداول حول تحقيق المصالح المشتركة عبر صفقات إستراتيجية، وكذلك عن تنسيق وتعاون بين إيران والإدارة الأمريكية في بعض الملفات، كان من بينها أحداث 11 شتنبر وغزو العراق سنة 2003 والحرب في أفغانستان.
إن السمة الأساسية التي تقبع تحت الصراع المعلن بين إيران وإسرائيل، هي ما يمكن أن نسميه “سياسة حافة الهاوية”. إذ لا يتحمل أي جانب أن يبدو ضعيفا. ولكن في نفس الوقت، كلاهما تعرفان أن عليهما معايرة أفعالهما بدقة وعناية كبيرة، كي لا تتسبب في اندلاع حرب شاملة.
طموح توسعي مشترك وممتد.
لا تقتصر سياسات الثلاثي الإيراني- الأمريكي- الإسرائيلي عبر وكلائهم في الدول العربية لتحقيق طموحاتهم، فقط على المشرق العربي، بل أيضا تمتد على المغرب العربي. فبالنسبة للمغرب الذي يعتبر -إلى حد ما- رمزا تاريخيا للاعتدال السياسي والديني في منطقة مضطربة وممتلئة بالجماعات المتطرفة، شهدت علاقاته مع إيران منذ اندلاع الثورة الإيرانية توترات متتالية. فقد قطع العلاقات مع النظام الإيراني مرتين، المرة الأولى: في سنة 2009 و2018، لعدة أسباب : -الجهود المبذولة من طرف إيران لنشر نسختها الثورية من المذهب الشيعي بين سكان المغرب ذات الأغلبية من السنّة، -التوتر السياسي المذهبي الحاصل بين إيران والبحرين، -تسليم المغرب لممول حزب الله اللبناني “قاسم تاج الدين” أثناء عبوره من المغرب في عام 2017 إلى الولايات المتحدة الأمريكية، -وأخيرا اتهام حزب الله بالضلوع في دعم جبهة البوليساريو عسكريا ومخابراتيا بتوجيه من إيران التي توافق الجزائر رسميا في موقفها من النزاع في الصحراء المغربية. وقد ازداد نشاط إيران في المنطقة خصوصا بعد إعلان التطبيع بين إسرائيل والمغرب والاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.
كل هذا يدخل في إطار الصراع حول توسيع نفوذ الثلاثي الإيراني- الأمريكي- الإسرائيلي في المنطقة “العالم الإسلامي والمنطقة العربية”. وفي سبيل هذا الهدف يتم استعمال القوة والاقتصاد والسياسة والاستقطاب وإثارة المشاكل الاجتماعية والنعرات العرقية والطائفية وتجنيد ونشر خلايا الأجهزة الأمنية. وقد كان من النتائج المباشرة لهذا الصراع تسارع بعض دول المنطقة للاصطفاف إلى هذا الجانب أو ذاك، كان أبرزها تسريع عملية التطبيع العربي مع إسرائيل واتساع رقعة النفوذ الإيراني في العراق وسوريا واليمن .
إن هذا التشابه في الأهداف والطموحات قد يطرح التساؤل حول صدقيه ما ينشر في الإعلام حول إمكانية وجود تحالف بين هذا الثلاثي لخدمة مصالحهم. فهناك ما يكفي من الدلالات التي تؤكد أن المصالح تتقاطع فيما بينها، بدأ باستهداف القومية العربية والتآمر عليها والاستيلاء على الأراضي والأماكن الدينية والمقدسة، والموارد النفطية والاقتصادية في المنطقة، سواء كان ذلك من خلال الاحتلال كما حدث في فلسطين والجولان وأجزاء من جنوب لبنان بالنسبة لإسرائيل أو الأهواز العربية وجزر الإمارات بالنسبة لإيران والتلاعب الأمريكي الإيراني في مقاليد السلطة في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن وبمباركة إسرائيلية.
إن ما يحدث الآن على مستوى المنطقة العربية والإسلامية من صراعات النفوذ بين نظم إقليمية ودولية، ومن ضمنها النظام الإيراني، يحيلنا -إلى حد كبير- إلى ما وصلنا من أخبار عن أحداث تاريخية مؤلمة مرت على الأمة. والخشية أن تكون إيران احدي القوى الصاعدة التي قد تساهم في إتمام ما خربه التحالف الدولي ضد الأمة الإسلامية إلى حد الآن، في سبيل إيجاد موقع لها في المشهد السياسي العالمي المستقبلي.