بقلم: هيفاء داوود الأطرش
تعود القدس لتتقدم الأولويات في كل المسارات، فعلى ما يبدو أن صمود القيادة الفلسطينية، والمطالب الفلسطينية المتلاحقة للمجتمع الدولي من أجل الضغط على الاحتلال الإسرائيلي، بشأن الانتهاكات الممارسة ضد المسجد الأقصى و المقدسيين، والأسرى، وحجز أموال المانحين القادمة للسلطة الوطنية الفلسطينية، قد بدأت تؤتي ثمارها، بوجود أمرٍ واقعٍ، بدت تطفو ملامحه على السطح، مُهدِّداً المصالح الإقليمية والدولية؛ كذلك نلحظ عودة النقاش الدولي والعربي والإقليمي، للمطالبة بحل القضية الفلسطينية، والذي كان أحد أسبابه الصمود الأسطوري الذي تمثل برفض صفقة القرن وكل الضغوطات المرافقة لها، والذي استدعى تواجد الإسناد من بعض الدول العربية وخاصةً المملكة العربية الهاشمية.
لقد تلمست الدول الإقليمية والمجتمع الدولي خطورة استفحال الجرائم الإسرائيلية الموغلة في تدمير كل الفرص من أجل حل الدولتين، أو أي حلٍ يرضي كل الأطراف، خاصةً بعد الزيارات المتبادلة بين الدول المعنية والطرف الفلسطيني ،وأول الغيث قطرة.
فقد تم تجميد بناء المستوطنات الصهيونية عن طريق الحكومة الجديدة وبإملاءاتٍ أمريكية، وذلك بتعطيل آليات التنفيذ،ألا وهو قرار تجميد انعقاد المجلس الأعلى للتخطيط والبناء في الضفة الغربية، والذي كان يعقد اجتماعا دوريا كل ثلاثة أشهر، للمصادقة على مخططات استيطانية جديدة بما في ذلك تطوير البنية التحتية في المستوطنات وتوسيعها.
لكن هذه الضغوطات لا تعني أن القضية بحالِ أفضل؛ فعلى ما يبدو أن الجميع من أصحاب النفوذ والمؤثرين في مسار القضية الفلسطينية،يمارسون وباقتناع عملية الشدّ والرخي، أي الضغوطات الهائلة الممارسة على القيادة الفلسطينية،من جهة، وبمحاولات استثمارٍ للوقت من أجل فرض حلولٍ تخدم مصالح كل الأطراف الدولية والعربية، من جهةٍ أخرى، لتكون على مقاس الشرق الأوسط الجديد، فلا سلام على ما يبدو بين العرب وإسرائيل، إلا بهذا الشرق العجيب.
لذلك تجتهد القيادة الفلسطينية الشرعية لفرض ما تستطيع من أجل التحصُّل على حقوق شعبها الشرعية، وباستخدام كافة السبل وعلى كل الصعد السياسية والدبلوماسية والقانونية والوطنية.
كما وتواصل مؤسسة الاحتلال الإسرائيلية مؤخراً حربها المتجددة الأساليب، لحسم الأمر في قضية الأحياء المقدسية، والتي كان آخرها إطلاق شائعاتٍ كبالونات للاختبار، تتحدث عن موافقة العائلات على الرحيل مرة إلى النبي موسى ومرة أخرى نحو بوابة أريحا والأغوار، مقابل الحصول على الهوية الإسرائيلية، وغيرها من التسريبات غير الصحيحة.
وقد كان موقف أهالي الخان واضحاً منذ البداية وحتى آخر لحظة يتنفسون فيها نسيم الوطن، فكان شرطهم للخروج من المنطقة، مرتبطاً بشكلٍ حتمي، بالعودة لأراضيهم في بئر السبع، ودون أي تنازلٍ، مهما علا مستوى التحدي والصعوبات والإجرام الممارس بحقهم من قبل جنود الاحتلال الصهيوني وقطعانه الاستيطانية.
ويذكر أن قضية سكان الخان الأحمر قد اكتسبت أيضاً، اهتماماً دوليًا ووطنيًا في أعقاب هبة الأقصى والشيخ جرّاح والعدوان على غزة، إثرَ سعي الاحتلال لتهجير سكان القرية الواقعة شرقي القدس المحتلة، بين مستوطنتي معاليه أدوميم وكفار أدوميم، علماً أن مسقط رأس سكان خان الأحمر، يعود إلى قبيلة الجهالين البدوية التي طردها جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب فلسطين المحتلة في الخمسينيات من القرن الماضي.
وكان هدف الاحتلال من وراء كل ذلك، هو تشويه صورة أهالي الخان الأحمر وخلق خلافات بينهم وبين المؤسسات الداعمة والحكومة والفلسطينيين بشكل عام، وتقليل الدعم المقدم لهم، وبالتالي سقوط قضية الخان الأحمر ليفرط بعدها عقد القرى والأحياء المقدسية سقوطاً نحو هاوية الانصياع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي وسيادته.
وبالرغم من ذلك لا يزال المقدسيين والشعب الفلسطيني، يقفون جبهةً واحدة لحماية القدس وهي الثابت الفلسطيني الأول كعاصمة فلسطينية أبدية، حتى في الهزة الأخيرة التي حصلت في الشارع الفلسطيني داخل الوطن،بسبب قضية نزار بنات،فقد أثبتت التجربة، أن الوعي الفلسطيني كان أكبر من الدسائس التي حيكت ضد الأولويات الفلسطينية، حيث انفض الجميع من حول أولئك المدَّعين للوطنية، فلم يبق في زوايا الطرقات، وعتمات الليالي الخبيثة، إلا ثلةٌ من أصحاب الشهوات، التي لم ترضَ إلَّا أن تصطفَّ إلى جانب الاحتلال وعملائه، حيث يصب المجريان في نفس المصب النتن، ألا وهو إجهاض المشروع الوطني الفلسطيني والمصلحة الوطنية العليا.
لقد اخبرت السلطة الفلسطينية كافة دول العالم، التي لها تمثيل دبلوماسي في القدس، بضرورة أن تحمل على عاتقها المسؤوليات تجاه حماية الحق التاريخي والقانوني للمسلمين في المسجد الأقصى، وأوضحت أيضاً وعلى لسان المستشار في ديوان الرئاسة المحامي أحمد الرويضي، أنها نقلت لهم وبشكل موضح مخاطر إجراءات حكومة الاحتلال من إشعال فتيل الحرب الدينية في المنطقة، والتي لن تقف حدودها عند الأراضي الفلسطينية، وإنما ستمتد إلى العالم أجمع بالنظر لقيمة المسجد الأقصى المبارك الدينية في عقيدة المسلمين؛ وأن المسجد الأقصى بمساحته الكاملة “144 دونماً” هو حقٌ خالصٌ للمسلمين لا يشاركهم فيه أحد، وأن مسؤولية إدارة الحرم هي للأوقاف الإسلامية الأردنية، كون الأردن هي صاحبة الوصاية، والإدارة تشمل الأمور الدينية والتعمير والأمن والحراسة، وبالتالي، فإن تواجد أجهزة الاحتلال وشرطته يتعارض مع الوضع التاريخي القائم في المسجد الأقصى.
كما أن الاعتداءات والاقتحامات تندرج تحت إطار قرار إسرائيلي رسمي من أجل تكريس التقسيم الزماني للمسجد الأقصى المبارك، تمهيداً لتقسيمه مكانيًا، وضمن عمليات أسرلة وتهويد القدس وفرض السيطرة عليها وتفريغها من المواطنين الفلسطينيين الأصليين.
ومن المؤكد أن هذا الاستهداف المتواصل، ليندرج ضمن محاولاتٍ احتلالية ممنهجة من أجل تحويل الصراع السياسي إلى صراعٍ دينيٍّ للتنصل من طابع وصفة الاحتلال عن إسرائيل الصهيونية.
وما الحملة المسعورة الاستيطانية، والتي تُشكِّل خطورة جسيمة على المشروع الوطني الفلسطيني، والتسابق الاستيطاني بالتعاون مع الجمعيات الاستيطانية في إقامة بؤر استيطانية جديدة، كما حدث ويحدث في محافظات الضفة، إلا من أجل إضفاء شرعية اسرائيلية على البؤر الاستيطانية، حيث تمت عمليًّا شرعنة 21 بؤرة استيطانية لتمرير قانون التسويات في الكنيست. وبتواطؤ بين جيش الاحتلال وإدارته المدنية ومجالس المستوطنات ، مع مرور الوقت.
وإن ما يجري داخل الشارع الفلسطيني في الوطن ، من تصيـُّدٍ في الماء العكر، لا نصنفه إلا أن يكون في دائرة التواطؤ الأقذر مع مخططات الاحتلال، والذي يعتبر من المشتتات عن وصول الهدف، لكن ما نستطيع اعتباره وبشكلٍ مؤكدٍ، مدعاةً للفخر، هو لفظ معظم الشعب الفلسطيني هناك لتلك الفئة، التي لا تزال تقتات على آلام أهالي أسرانا خلف قضبان الاحتلال، ومعاناة عائلات الشهداء، والتي تم تدمير منازلهم أيضاً تحت نير الآلة الحربية الإسرائيلية سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية.
إن التحركات السياسية والدبلوماسية والقانونية على كافة المستويات، من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية لا تزال على قدمٍ وساق،من أجل المطالبة بتوفير حماية دولية للأقصى والقدس والمقدسيين، ومن أجل حشد موقفٍ دوليٍّ فاعلٍ، يجبر دولة الاحتلال على وقف الاقتحامات والاعتداءات والتضييقات التي تفرضها سلطات الاحتلال على المسجد ودائرة الاوقاف الاسلامية والمصلين، ولتنفيذ القرارات العربية والإسلامية والاممية ذات الصلة، بالتنسيق مع المملكة الأردنية الهاشمية، تمهيداً لفرض الحل العادل للقضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.