سيادة المغرب ووحدته الترابية.. لا “مقايضـة”

بقلم: ذ. عبد الله الفردوس

بيـن المغرب والمجمــوعة الأوروبية إرث كبيــر وعريق من التـاريخ المشتــرك.. تاريــخ امتـزج فيــه السياسي بالاقتــصادي وامتــد إلى مختلــف المجالات والمستــويات.

وكأي مجــال متعــدد الأطراف فالعلاقات المغربيــة – الأوروبية تتعــرض من حين إلى آخر لبعض الهـزات التي ســرعان ما تعــالج، ويزول تأثيرها لتعـود الأجواء والجســور إلى وضعــها الطبيعــي المتميـز بالتعاون المكثـــف.

وفــي هذا السياق، وبشكــل مفاجئ، صــدر عن المحكمـة الأوروبية ذلكــم القرار الذي يقضي بالطعـن في الاتفــاق الفلاحي المبرم بيــن المغرب والاتحــاد الأوروبي، والذي عـلى إثره قــرر المغـرب تجمــيد التـواصل مـع مـؤسسات الاتحــاد الأوروبي إلى غايــة اتـضاح المـوقف.

وبالنظـر إلى خلفيـات ووقــع قرار المحكمــة الأوروبية، وكــذا بالنظــر إلى عــمق العلاقات بيــن الطرفيـن وأهميتها القصوى، لابــد أن يشــد القراران مــعا، الأوروبي والمغــربي، الانتبــاه، وأن يثيــرا أكثر مــن تسـاؤل حول ما سيكـون للموضوع من أبعاد وتفاعــلات، ومـا هي التدابيــر السياسية التي مـن شأنـها “وقــاية” عـلاقاتهـما مـن مثـل هذه الهــزات؟.

وقبـل الخوض في خلفيــات وظـروف النازلـة، ينبغــي التذكيــر، كذلـك، بأن المجلس الأوروبي قـام مـن جهتـه بـداية الأسبوع الماضي، بوضع طلـب استئناف قرار المحكـمة الأوروبية، وهو ما يعني أن هذا الأخير يرفض ما ذهبت إليه المحكمــة الأوروبية.

لكــن، وبالـرغم مـن أهميتها، فهذه الخطــوة لا تعـــالج ولا تنهـي الموضوع، نظــرا لعــدة أسـباب، ومنها بالخصــوص:

– أن الصادرات الفــلاحية المغربيــة، ومنذ مــدة، أصبحت تصطـــدم بحروب ممنــهجة في مجموعة من الأسواق الأوروبية، وذلك بتحــريض من لوبيــات وشبكـات لا تنـظر بعيــن الرضا للأوفـاق والشراكات المبرمة بيـن المغرب  والاتحاد الأوروبي.

– أن المشـاكل التي تظــهر على مستوى الصادرات الفلاحية، وكــذا الصيد البحـري، تتخــطى إطارها التجـاري لتنـدرج في سياقات الضغوط والابتــزاز السياســي مما حصل من طــرف الجهات التي عـارضت توقيـع اتفاقيــة الصيد البحـري، والتي حــاولت أيضا في البرلمان الأوروبي تقــديم تعديلات مناوئة للمغرب ضمن التقرير السنوي لحــقوق الإنسان والديمقــراطية الـذي يعـــده  برلمــان استراسبـورغ.

– أن المحــاولات والمناورات، التي تحركهـا جهات إقليمية معروفة، والرامية  إلى التشكيـك في “قـــانونية” الاتفــاق الفـلاحي اليوم، كما شككـت بالأمس في شرعية اتفاقية الصيـد، إنما تسعــى إلى المـس بسيــادة المغـرب على أقاليمه الجنوبية، ومن ثمــة تشجــع أطروحة الانفــصال وتــوسيع بــؤر التوتــر والإرهاب وعــدم الاستقــرار في المنطقة.

هــذه الحقــائق المعروفــة، هـنا وهنـاك، ولكل متتبــع للعلاقات بيـن الرباط وبروكــسيل، تعـطي، بطبيعة الحـال، كامل الحــق للمغــرب في اتـــخاذ كل القــرارات والإجراءات التي يــراها مناسبـة  لتنبيــه الطرف الآخر، ولإفــهام كل الجهات المعنيــة بأن وحـــدة المغرب الترابية وسيادتـــه الوطنيــة لا يمكــن، بأي حـال من الأحوال، أن تكــون محــل مقايضــة أو ابتزاز.

وإلى حــد الآن يبدو أن المغــرب أخـذ في اعتبــاره مكانة القوى والأوساط السياسية، داخل مختلف مؤسسات الاتحـاد الأوروبي، التي لا تنســاق مع الأطروحات المعادية للمغرب والتي تتصــرف بحكمـة ومسـؤولية، ومـن ثمـة اكتفــى، حتى الآن، برد الفعــل المشار إليه، ومـؤكـدا في الوقـت نفسه على تحمـل الاتحــاد الأوروبي لمسـؤوليته في احتــرام الاتفاقيــات والمعاهــدات القائمــة  وفقــا للـقوانين والأعراف الدولـــية.

وكما لا يخفى على  كل متتبـع، فـإن المستوى الحالي لعلاقات التعــاون والتبادل والشــراكة بيــن المغرب والجانب الأوروبي هي حصيلــة مسار طويل ومتــدرج من الحوار والتفــاهم، كان من منعـطفاته البارزة سياسة الحوار التي أعطت للمغرب صفـة  الوضع المتقــدم، ووثيقــة الشراكة الأورو-متوسطيــة، وانطــلاق الحوار  بشأن التبادل الحـر الشامل، الخ…، وفي كــل مراحـل هـذا المـــسار لــم يتــردد مسؤولو البرلمان والمفــوضيـة الأوروبية في إطلاق التصــريحات التي تــؤكـد عـلى أن المـغرب يعـــد الشريك المفضــل للاتحـاد الأوروبي.

ثــم هــل يخفــى على المؤسسات الأوروبية، بمختلف الأصعدة، الدور المحــوري الذي يضطلــع بـه المغرب في المنطقــة المغاربيـة وإفريقيــا، وفــي كل ما يهـــم قضــايا الأمن والاستقــرار والتنمــية في الفــضاء الأورو- متوسطي، وهو ما يفــرض التعامــل معــه بكــل ما يلزم من تقـــدير، وباحترام تــام لمصالــحه الوطنيــة والاقتصاديــة.

وإن كان مكتب الشــؤون الخارجية فـي الاتحــاد الأوروبي قــد بادر إلى إصدار بيان، يـؤكد فيـه ما أعلنت عنـه الممثلــة السامية للاتــحاد المكلفــة بالسياســة الخارجيــة، من أن هــذا الأخير على استعــداد لتقـديم الضمانات والتوضيحــات التي تجيـب عن انشغالات المغـرب، فإن ذلك هــو ما ينبغــي أن يظــهر على أرض الــواقع وبمــا ينصف المغرب ويرفع عــنه كــل الأضرار المــاديـة والمعـــنويـة.

إن العـــلاقات بيـــن الدول تقـــام اليــوم عـلى أساس المصالــح المشتركــة والمتبــادلة، وهو مــا يفترض في الجميــع الوعـــي بأن زمـــن الحــرب الباردة والشعارات التي لا أساس ولا سنـد منطقــي لها  قـــد انتهـــى، وأن العلاقات السليمــة والإيجابيــة لا تبنـــى إلا مـن خـــلال الشراكات المتــوازنة، وعلى قــاعدة التكـــافؤ والاحتــرام المتبــادل.

مدير جريدة رسالة الأمة

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد