تطوير مناهج التعليم بين متطلبات الواقع والضغوط الخارجية (الحلقة الأولى)

إعداد: الدكتور محمد الدريج أستاذ باحث في علوم التربية

 ملحوظة

نظرا لراهنية موضوع تطوير مناهج التعليم وأهميته البالغة، أعيد نشر هذه الدراسة في نصها الأصلي والتي سبق أن نشرتها ضمن كتابي “تطوير مناهج التعليم معايير علمية… متطلبات الواقع… أم ضغوط خارجية ؟” (العدد 33 من سلسلة المعرفة للجميع، الرباط، يوليوز 2005)، كمساهمة مني فيما يدور حاليا من نقاش واسع حول ضرورة تعديل وتطوير المناهج الدراسية وفي مقدمتها مناهج “التربية الإسلامية”.

دراسة تقدم بموضوعية ونزاهة، معلومات وأفكار ووجهات نظر متعددة ومتنوعة و متضاربة في بعض الأحيان، يمكن أن تغني هذا النقاش وتفيد بشكل إيجابي مخططي المناهج والطلبة والأساتذة الباحثين والمربين الممارسين في المدارس المغربية والعربية بشكل عام.

 

دأبت حكومات بعض الدول العربية أخيرا على تعديل مناهج التعليم في المدارس والجامعات، فألغيت مقررات أو عدلت وأقرت مواد… وفتحت مدارس وأغلقت أخرى…

وانقسم الرأي العام بين مؤيد لهذه الصحوة الجماعية ومعارض لها، من منطلق أنها لم تنتج عن تطورات موضوعية واحتياجات داخلية للبلدان التي أقرتها وإنما جاءت تلبية لضغوط خارجية.

وقال المدافعون “إن العالم من حولنا يتطور، والعلوم تتقدم وأصبح العصر عصر تكنولوجيا ومعلوماتية ولغات أجنبية وانفتاح وعولمة، ولابد بالتالي من تطوير أنفسنا ومناهجنا لنواكب عصرنا.

أما المعارضون فيعتقدون أن أنظمتنا تتحدث لغة الاستعمار الجديد، بدل لغة القرآن الكريم، و تنظر إلى إسرائيل على أنها دولة مجاورة وليس دولة عدوة”. عن جريدة “الحياة”، عدد 17 فبراير 2004)

والواقع انه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سلط الضوء على المدارس الدينية وكليات الشريعة وعموم المناهج والكتب المدرسية… في عدد من البلدان، قصد إعادة  النظر في مناهجها والكتب التي تعتمدها، فأغلق البعض خوفا من تخريج أصوليين، مما فتح الباب لاحقا أمام إعادة تقييم مادة التعليم الديني نفسها حتى في المدارس غير الدينية.

“ونالت كتب التاريخ والتربية الوطنية… حصتها. فألغيت مادة “القضية الفلسطينية” في بعض المقررات، و”أيضا استبدل  اللباس العسكري لتلاميذ المدارس بلباس أزرق أو زهري بحسب المرحلة الدراسية، وبدا الجميع وكأنه في سعي حثيث لنفي تهمة العنف عنه. ووزعت دول أخرى حصص التعليم الديني على عدة مراحل دراسية، بدل تركيزها في المراحل الابتدائية، كما أدخلت مادة الرياضة للبنات في المدارس الحكومية على غرار أقرانهن من الذكور”…(عن جريدة “الحياة”، عدد17فبراير 2004)

ودافعت وزارات التربية والتعليم في دول عربية عن قرارها تعديل المناهج، نافية تعارضها مع الثوابت الدينية والقومية والوطنية مؤكدة أنها قرار داخلي غير خاضع لأي إملاءات خارجية.

ولعبت منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة مثل اليونسكو واليونيسيف، دورا بارزا في هذه التعديلات، كأن أوصت بإدخال دروس عن حقوق الإنسان والطفل والمرأة، و إخضاع الأساتذة لدورات تدريبية لتضمين الحصص حوارات ومناقشات داخل الفصول، من أجل ترسيخ مفاهيم الديموقراطية والعدالة وحقوق الإنسان وتحرير المرأة…

وبالنسبة لما يمكن أن يهيأ للنظام التعليمي في العراق وربما لعموم الدول العربية و الإسلامية، من مناهج “جاهزة” و”مستوردة”، لابد من التذكير بأن ما كان سائداً من مناهج تعليمية خلال فترة النظام السابق في العراق، لم يكن مرتبطاً أساساً وكلياً بذلك النظام وتوجهاته السياسية، بل كانت المناهج والأهداف التربوية، في معظمها نتاج مخاض طويل عَمَّر خلال عقود بل قرون، مناهج نهلت في الدرجة الأولى، من تاريخ العراق العريق وتراثه وحضارته العربية – الإسلامية ومقوماته ومبادئه والتي رأينا تجذرها بنفس القوة والعمق في كافة الأنظمة التربوية العربية.

إن استيراد مناهج “جاهزة للاستعمال” مشروع فاشل من الأساس، “فلابد أن يتذكر الذي سيقوم بمهام إعداد المناهج الجديدة واشتقاق الأهداف التربوية، أن للأمم تاريخها وتراثها ومعتقداتها وكرامتها، في كل ما تبنيه وما تنشده لأبنائها.

وقد تنبه منذ زمن غير قصير إسماعيل حجي (1996) لما أسماه بمحاولات خنق الاتجاه القومي العربي والسعي الحثيث لإعادة تشكيل الواقع العربي وصياغة واقع جديد ومحاولة إذابة الوطن العربي وطمس هويته. “إن حربي الخليج، وبخاصة الحرب الثانية التي نتجت عن غزو العراق للكويت، قد أدت إلى تردي الأوضاع العربية وطمس للهوية العربية وإعلاء شأن القوى الخارجية، التي اعتبرت نفسها، واعتبرها كثير من العرب مسئولة عن حمايتهم من عرب آخرين”.

كما نوه الكاتب الصحفي سلامة أحمد سلامة (2003) إلى مخاطر “أمركة” المناهج التعليمية في العراق وفي كافة الدول العربية واعتبر مثل هذه المحاولات أنها تستهدف تقليل وإضعاف مناهج الدراسات الإسلامية والعربية بدعوى أن هذه المناهج تؤدي إلى التطرف. “إن تغيير المناهج السائدة حالياً في الدول العربية سيؤدي – في اعتقادهم – إلى قبول إسرائيل وقيم الغرب ومثله العليا، وخلق أجيال جديدة تتخلى عن المبادئ القومية السائدة في الوطن العربي”.

ويضيف سلامة أنه ومن الطبيعي ألا يؤدي مثل هذا الإصلاح المزعوم في المناهج التعليمية العراقية والعربية بشكل عام، الذي يركز بصفة خاصة على حصص اللغة والدين والنصوص القرآنية بقصد تجريدها من المعاني والمبادئ والأهداف التي يعتقد المغرضون، أنها وراء العنف الإرهابي، إلا إلى مسخ الشخصية العربية وتذويب الهوية القومية وترقيع المناهج التعليمية بدلاً من التزام رؤية إصلاحية شمولية(*).

كما أكد ضياء رشوان (2003) الباحث بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية إلى “أن أمريكا لم تأت إلى منطقة الشرق الأوسط لإعادة ترسيم الخرائط السياسية، والحدود الجغرافية ولكنها تنوي إعادة صياغة العقول. إنها ستتدخل لإعادة صياغة طرق التفكير والحياة والتعليم والثقافة وتذوق الفنون.. “لأن الموجودة بدول الشرق الأوسط لا تؤدي إلا لمزيد من التطرف والإرهاب”… (**) حسب رأيها.

أما ملك رشدي أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، وإن كان في رأيها التركيز سيكون أشد على مناهج التعليم المدرسية باعتبارها الأهم من الجامعة، فإنها لا تعتقد بخصوص هذا التغيير أن المقصود “خلق مواطن عراقي أمريكي موال لها”، ولكن الفكرة هي جعل الطلاب أكثر تقبلاً للأفكار الأمريكية الليبرالية مثل التسامح وتقبل الآخر، والحديث الدائم عن حقوق الإنسان. وقطعاً ستعمل المناهج – حسب رأيها – على طمس فكرة العروبة و”أن جزءاً كبيراً من التاريخ سيعاد كتابته وتشكيله (…) كما سيتأثر البعد الديني أيضاً، حيث سيكون التركيز الأكبر على المواد العلمية البحتة”.

وموازاة مع هذه الأفكار الرافضة لأي تغيير للمناهج يفرض من أية جهة كانت، تبلورت أفكار تدعو إلى ضرورة التغيير، أو الاستمرار في التغيير والإصلاح، دون أن يعني ذلك الاستجابة لأية ضغوط ما عدى ما تفرضه التطورات سواء على الصعيد المحلي أو العالمي. وسنعرض فيما يلي نماذج تمثل هذه الأفكار.

يرى عبد الصبور مرزوق، الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر وفي معرض حديثه عن ضرورة تجديد الخطاب الديني وهي ضرورة تتصل بعملية التجديد في الفكر الإسلامي، عملاً بقول الرسول r “إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد للأمة دينها”. يرى أن المناهج الإسلامية التي يدرسها الطلاب تحتاج إلى إعادة نظر بما يتماشى مع احتياجات المسلمين في العصر الحديث ويجب ألا يتم التغيير بضغوط من دول خارجية كما يشيع البعض. (*)

ويذهب محمود خلوصي رئيس هيئة الأوقاف في مصر، إلى ضرورة تطوير المناهج وإعادة النظر في الأهداف التربوية لأنظمتنا التعليمية: “إننا نحتاج لتحديث خاصة التربية الدينية والأخلاق، ففي وقت مضى كان الطلاب يحفظون القرآن ويستوعبون مفاهيم الإسلام والقيم والمنظومة الأخلاقية وأدى التراجع الأخلاقي إلى الأمراض الاجتماعية من عقوق الأبناء والإدمان، فنحن في حاجة لتجديد الثقافة الإسلامية…”.

ويقول فوزي الزفزاف رئيس لجنة الحوار مع الفاتيكان: “أنه منذ أن كنت وكيلاً للأزهر لم تمارس علينا أية ضغوط من جهات خارجية لكي نقوم بتغيير مناهجنا الإسلامية، ولكن إذا احتاجت هذه المناهج التغيير لتصبح أكثر ملاءمة للعصر الذي نعيش فيه، فما المانع من تغييرها شريطة أن يتفق هذا التغيير مع تعاليم الله سبحانه وتعالى وقواعد الإسلام الحنيف”.

كما ينفي عبد الله النجار الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، ما يثيره البعض من أن تحديث الخطاب الديني وما يرتبط به من قضايا، مثل تطوير المناهج الدينية في المدارس وغيرها، هي مسألة مفروضة على المؤسسات الدينية الرسمية (…) ولكن المنصفين يدركون كذب هذا الادعاء وأننا في حاجة لهذا التطوير والتحديث منذ زمن وتم طرح هذه القضية في فترات سابقة”.

وحذر مصطفى محمود (2003) من “استمرار اللغة الإنشائية للخطاب الديني، التي تعتبر وسيلة لا تصلح مع مفردات العصر الحديث الذي يؤمن بالتقدم و بالتكنولوجيا الحديثة ولا يلتفت للأمم المتخلفة عن الركب الحضاري وتعيش أسيرة لأفكار عتيقة”.

وأكد على ضرورة تصحيح المفاهيم المغلوطة التي تسكن الشباب والأطفال كخطوة على طريق إعدادهم للمستقبل الذي نتمناه وتثقيفهم بمفاهيم قيمة العمل والوقت والعلم. وإن الالتزام بهذه المفاهيم كسلوك يومي هو من الأصول الدينية التي لا يمكن غض الطرف عنها، حتى لا يصبح كلامنا عن الدين محصوراً حول العبادات، ولكن في الوقت نفسه يجب أن ندرك أن العمل عبادة والعلم هو قارب النجاة للأمة. (يتبع)

————-

(*)   سلامة أحمد سلامة (2003): “تعديل مناهج التعليم بيدنا أم بيد عمر؟” صحيفة الخليج، عدد 2 يونيو 2003.

(**)عن: حسن عبد الموجود: “كارثة ثقافية جديدة … مناهج التعليم العراقية على طريقة “عالم سمسم”، جريدة أخبار الأدب، عدد 27 إبريل 2003، القاهرة.

(*) عن: تحقيق وحول: “تحديث الخطاب الديني طريق الأمة الإسلامية للخروج من النفق المظلم”، إعداد آمال عثمان وآخرون في أخبار اليوم”، عدد 17 مايو 2003.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد