ذ سامر أبو القاسم
دون الدخول في تفاصيل تداعيات جائحة كورونا، ومفاقمتها للوضع المزري الذي تعيش على إيقاعه العديد من الفئات والشرائح الاجتماعية، ينبغي التأكيد على أنه غير خاف على أحد – قبل اجتياح Covid-19 – وجود عدة أنشطة اقتصادية غير مدمجة للشباب، واختلال التوازنات الخارجية، وضعف النمو الاقتصادي، وذلك بفعل عدم تنفيذ التزام الحكومة بإصلاح المالية العمومية قصد استعادة عافيتها، وعدم تسجيل تحسن ملموس في عجز الميزانية العمومية وعجز ميزان الأداءات، وعدم قدرة المغرب على الرفع من نسبة نمو الاقتصاد إلى مستويات مرضية، وعدم تسجيل نسب نمو مرتفعة بالقطاعات غير الفلاحية، وتفاقم الدين العمومي واستمرار ارتفاع منحاه.
وتبقى الحكومة وأحزاب أغلبيتها مسؤولة عن هذه الأوضاع المزرية، لعدم إسهامها بشكل جاد في توفير المناخ الملائم للنهوض بالاقتصاد الوطني. فمتابعة الأداء الحكومي بعمق وتَأَنٍ تفيد التخلي عما هو وارد في البرنامج الحكومي، ولو أنه فاقد للهوية السياسية والأبعاد الاجتماعية منذ البدء، لكونه غير صالح لكسب رهانات إقامة عدالة اجتماعية ومجالية، يستفيد منها أبناء الطبقات الهشة والفقيرة ومناطق المغرب العميق وضواحي المدن، وهو ما تم كشفه عن طريق حقائق صادمة من حيث الخصاص المهول في مجال الحكامة الحكومية ومدى نجاعة الإدارة الموضوعة بين يديها.
وعلى ما يبدو فالأحزاب المتنافسة في الانتخابات لا زالت لم تع أنه بعدم القدرة على محاربة كل أشكال الفساد المستشري في القطاعات والمؤسسات والإطارات، وبالعجز عن تأهيل الاقتصاد وتقديم الخدمات العمومية، فإن ذلك يعزز شروط افتقاد الثقة في مقدرات ومؤهلات البلاد بصفة عامة، والقضاء على ما تبقى لدى المواطنين من آمال في التمكن من ظروف العيش الكريم والتمتع بالحقوق والحريات وتوفير شروط إدماج أبنائهم في محيطهم التربوي والتكويني والمهني والاجتماعي.
بل إن التطبيع مع الفساد من ريع ورشوة واحتلال للملك العام، وإغداق شتى أنواع الامتيازات على المحظوظين، والسطو على الصفقات العمومية، والإعفاءات الضريبية والعفو على أصحاب الأموال غير القانونية… وكل مظاهر الرداءة في الممارسات والتصرفات، يدفع المغاربة دفعا إلى المزيد من مخاصمة العمل الحزبي والسياسي، ورفض كل صيغ المشاركة السياسية، وعدم الانخراط في النهوض بالأوضاع وإصلاحها.
بل أصبح الأمر أكثر تعقيدا حين تحولت المؤسسات المنتخبة بفعل سياساتها المجحفة إلى سبب أساسي من أسباب دفع الناس، إلى الهجرة بكل أشكالها وأنواعها؛ من هجرة الأدمغة إلى الهجرة السرية.
فعدم ضمان تنمية فاعلة ومستدامة قادرة على خلق فرص الشغل، واستفحال البطالة التي أصبحت تمس عددا كبيرا من السكان وتعمل على الزيادة في حجم الفقر والتهميش، والضغط على سوق العمل، وهزالة الأجور وعدم احترام ضوابط الحد الأدنى والحماية الاجتماعية والاستقرار المهني، كل ذلك يغذي النزوح إلى الهجرة.
والسؤال المركزي الذي على الأحزاب مقاربته بروح وطنية صادقة، هو المتعلق بالإجابة المعتمدة على ربط المسؤولية بالمحاسبة ومناهضة الفساد، والمساواة بين المواطنين وتربية الأجيال على المواطنة والتسامح ونبذ الكراهية والعنف.
والجواب طبعا، هو في العمق جواب عن الإشكالات ذات الصلة بواقع الاحتجاجات التي تعرفها العديد من المناطق على قاعدة المطالب الاجتماعية المرتبطة بتحسين ظروف عيش المواطنين، خاصة في سياق عجز السياسات الحالية عن تلبية الحاجات الملحة للمغاربة.
فالمؤسسات المنتخبة لم تُحْسِن التعامل مع هذه الظروف المزرية، وسياساتها المجحفة راكمت سلبيات عدة بعدم تحملها المسؤولية بالجدية المطلوبة، خاصة وأن رهان المغاربة على أداء هذه المؤسسات يتمثل في مناهضة الفساد وتوفير الخدمات الاجتماعية، عبر تعاقد مبدئي على قاعدة دمقرطة المؤسسات وإعمال الحقوق على أرض الواقع.
والأحزاب السياسية لا زالت تلجأ في حملاتها غير المسؤولة إلى تبادل الاتهامات، وإثارة قضايا هامشية، وتجنيد طوابير لتمييع العمل السياسي عبر أساليب التشهير والتهجم على الفاعلين السياسيين، والاستثمار الانتخابوي في استهداف الأشخاص بنكهة من الكراهية والتعصب، بما يدفع في اتجاه تأجيج كل عناصر الاحتقان الاجتماعي القائم.
لكن الذي وقع ويقع يطرح السؤال عريضا حول قدرة تعاطي الأحزاب والمؤسسات المنتخبة مع مطلب تحسين ظروف العيش، من خلال برامج سياسية واضحة في هذا الشأن من جهة أولى، وعبر ترشيح أطر وكفاءات ذات رؤية وقدرة على تجاوز هذا الواقع من جهة ثانية، وتفادي الانغماس الكلي في خيار التوجه نحو رهن العمل الحزبي والسياسي برجال المال والأعمال. وكأن مهمتها انحصرت في دق آخر مسمار في نعش مصداقية الانتماء الحزبي والعمل السياسي، وتأكيد علاقة الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالفاعل السياسي في ارتباط بذوي “الكفاءات” في مجالات التدبير الإداري والمالي.