عبد الكريم العزي : الجزء الثاني تتمة
نريد أن نعرف موقف العرب من نتاجهم العالمي، وهل كتبوا ويكتبون ما يصح أن يقع الإقبال عليه خارج حدودهم؟
من الجهل أن نتهم اللغة العربية القديمة بالقصور عن الإنتاج العالمي، وكاف أن يقتنع الإنسان بأن العرب استمروا طيلة ثمانية قرون منفردين بحمل قبس المعرفة على وجه الأرض ، وكانوا أثناءها حماة الحضارة البشرية واصدق من يمثلها-وليس طبيعيا أن تكون لغة هؤلاء القوم اقل من مركزهم ،ولا مرآة غير صافية لما كان علية عملهم وأدبهم من الاتساع ، وكانت علية حضارتهم من التشعب. ولو كانت العربية فقدت كل ذخائرها – وكثير قد وضاع لكنا نجد في هذه الحجة الطبيعية الكفاية والإقناع، فكيف ولا زال من بين مخلفات السلف ما يطغي على المكان والزمان، ويستمر استمرار نوع الإنسان، جديراً بمفاخرة أنتاج الأمم والأجيال . ولسنا نعني بهذا تلك الناحية العلمية التي كان المتكلمون بالعربية أساتذتها ومعلمها فحسب ، فكلما اسند العلم للصورة الرمزية التي تمثل الحضارة العربية في اتينيو مدريد نجد للفن على العموم والأدب والفلسفة على الخصوص مقاما رفيعاً في المدنية الإسلامية التي ارتضت العربية لغة رسمية لها، فشعر كشعر فخر المعرة وأبي الطيب وابن الرومي وابن زيدون وأبي نواس وكثيرين من الأدباء والشعراء العظام من أمثالهم ألا يمكن أن يفوز بأية جائزة في المعارض الفكرية العالمية إلا نجد في هذا الشعر من المثل والحكمة والتصوير الرائع للحب والهزل واللذة والتفاؤل والتشاؤم والقوة والتقوى ما يجعله في إنتاج غيرهم من الشعراء الأجانب؟ .
إلا نجد في الشعر العربي ما يحلل لنا الروح الآدمية، ويضع لنا الحلول في المشاكل النفسية التي نبلى بها، ويهيء لنا السلوى، ويفتح لنا باب الأمل والرجاء؟ إلا يقدم لنا الشعر أمثلة صادقة عن حياة الإنسان في مختلف أطواره ويصف لنا هجسات خواطرنا ونزعات أهوائنا، والصراع الأبدي المحتدم دون انقطاع بين القوات المسطرة على وجودنا الداخلي؟
ألم نر في هذا الشعر الطفل ضاحكا وحزينا، والكهل مقرورا ووضيعا، والشيخ متصابيا ومنهوكا ، الم نر الطبيعة بنسيمها وأزهارها وجبالها وصحاريها وسهولها وحيوانها متناسقة الأجزاء متوازية الأطراف في القوالب من اللفظ يصقلها الشعور والإلهام ؟ الشعر العربي إحدى الآيات الساطعات في الأدب العالمي ، وغناه في الأفكار والصور لا يقل عن محصول كيت وشكسبير وبيرون ولامرتين وهوكوو من إليهم. وهكذا النثر فلسفتة وقصصه وخطبة ورسائله، لا يخجلنا شيء كثير منه إن استعرضنا أفلاطون وشيشرون وروسو وتولستوي وبوسويه وغيرهم من مشاهير الكتابة والتأليف، فليس شيئا يسيرا وجود أشخاص كالغزالي وابن لطفيل وابن رشد وابن حزم والجاحظ وأبي حيان التوحيدي والاصبهاني وأسماء عظيمة كهذه.
وبهذه المناسبة لا ندع تعجبنا من تناقض العقلية مع العقلية الغربية في تقبل كتاب (ألف ليلة وليلة ) والحكم عليه ، وان لم يكن عسيرا إدراك السر،ويغلط غلطا فظيعا من يرد سبب إقبال الغربيين على هذا الكتاب العربي الشهير إلى حبهم لتصوير الحياة بواسطة القصص ونفور العرب من هذه الطريقة، لان القصص الموجود في العربية وخصوصا القديمة كافية لإظهار اعتمادهم على وصف حياتهم بالقصص والحكاية. ووجود نفس ( ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، وحي بن يقظان) وغيرها من القصص الخالدة دليل على قاطع على بطلان هذه الدعوى. والذي نرى إمكان التعليل به هو أن كتاب ألف ليلة وليلة مكتوب بلغة العربية متواضعة، وهذا ما صرف الأدباء العرب عنه، لأن العرب لم يكتفوا قط بالمعنى ، بل كانوا اشد حرصا على الأسلوب والقواعد ، وهذا الكتاب الذي يمكننا الجزم بأنه أشهر كتاب شعبي بين العرب اخذ مركزه العظيم بين قصص الأمم الحية، وخياله وصوره وأفكاره أثرت تأثيرا كثيرا في عدد لا يحصى من العقليات الغربية التي بلغت السماكين شهرة وقدرا .وإذا كانت بعض آثارنا الجليلة لم تأخذ مكانها في العقلية العالمية فاللوم يرجع إلى العرب وحدهم .