تشتعل الحرب في إقليم تيغراي الواقع شمال إثيوبيا بين القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها من جهة، وقوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي من جهة أخرى. وفر آلاف الإثيوبيين من المعارك الدائرة هناك إلى السودان المجاور بحثاً عن وضع أكثر أمناً واستقراراً. وتحذر الأمم المتحدة، من “جرائم الحرب” ترتكب في تيغراي، بعد رصدها تقارير عن عمليات قتل جماعي تعرض لها مدنيون في الإقليم الشمالي. ودعت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت إلى إجراء تحقيق استناداً إلى تقارير تفيد بأن مئات الأشخاص تعرضوا للطعن حتى الموت في إحدى القرى.
* تصاعد مستمر
مضى أكثر من أسبوع على اشتعال فتيل المعارك في شمال إثيوبيا بعد أن أعطى رئيس الوزراء أبي أحمد أوامره في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) للقوات العسكرية بشن ضربات على الإقليم إثر تعرض مواقع تابعة للجيش للهجوم ورفض جبهة تحرير تيغراي قرار تأجيل الانتخابات إثر تفشي فيروس كورونا. وتشير التقارير، أن الأزمة في تصاعد مستمر ولا بوادر لتهدئة قريبة، خاصة مع تصعيد الطرفين، ومواصلتهما القصف الصاروخي على مناطق متفرقة، واليوم أكدت تقارير صحافية، أن 10 جنود من القوات المسلحة الإثيوبية على الأقل لقوا حتفهم وأصيب 20 آخرون جراء الصاروخ الذي أُطلق يوم الجمعة على مطار جوندار، الواقع بالمنطقة الشمالية لولاية أمهرة المجاورة لإقليم تيغراي. وأكدت التقارير أيضاً، أن القصف الصاروخي طال إرتيريا المجاورة. وتبنّت سلطات إقليم تيغراي اليوم الأحد الضربات الصاروخية التي طالت مطار عاصمة إريتريا المجاورة، في هجوم يعزز المخاوف من اندلاع نزاع واسع النطاق في منطقة القرن الإفريقي.
* حرب أهلية
وحذر تقرير لـ”بي بي سي” من انزلاق إثيوبيا نحو حرب أهلية، مشيراً إلى أن الهيئات الدولية دعت إلى وقف إطلاق النار والبحث عن طريق تفاوضي للخروج من هذه الأزمة، لافتاً في الوقت ذاته إلى أنه مع تمسك طرفي الأزمة بموقفه وعدم وجود مؤشرات عن وجود أرضية مشتركة لاحتواء محتمل للأزمة، فإن الخوف من استمرار القتال يتزايد. وقال العديد من الإثيوبيين خاصة سكان إقليم تيغراي، إن بلادهم “غرقت بالفعل في الحرب”. وسيتورط جيران إثيوبيا في الصراع، وسيدفع المدنيون، الذين يعيشون بالفعل في ظروف محفوفة بالمخاطر، الثمن الباهظ لما يجري، حسب التقرير. والأسبوع الماضي، نشرت وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية تقريراً مطولاً حول سر انحدار إثيوبيا سريعاً إلى حافة “الحرب الأهلية”. ونقلت الوكالة الأمريكية عن دينو ماهتاني من مجموعة الأزمات الدولية قوله، “لقد كانت مثل مشاهدة تحطم قطار في حركة بطيئة، إثيوبيا تسير نحو الحرب الأهلية”.
* نظرة للخلف
هيمنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على الجيش والحكومة في إثيوبيا قبل أن يتولى آبي أحمد السلطة في عام 2018، وكانت الجبهة أقوى عضو في الائتلاف الحاكم في إثيوبيا لسنوات عديدة، لكن رئيس الحكومة الفيدرالية آبي أحمد، كبح نفوذها بعد توليه السلطة عام 2018، وساءت العلاقات بين الجانبين العام الماضي بعد أن حل آبي أحمد الائتلاف الحاكم، الذي كان يتألف من عدة أحزاب إقليمية عرقية. وتؤكد التقارير، أن جبهة تحرير تيغراي تمتلك الكثير من الخبرة في الصراع من الحرب الحدودية التي دامت سنوات بين إثيوبيا وإريتريا، بجوار نهر تيغراي. وتقدر مجموعة الأزمات الدولية أن القوات شبه العسكرية التابعة لجبهة التحرير الشعبية لتحرير تيغري والميليشيات المحلية لديها حوالي 250 ألف جندي.
* تصدع
ويقول الخبير في شؤون القرن الأفريقي عبد المنعم أبو إدريس، إن الحرب في تيغراي مؤشر على بداية تصدّع التحالف الحاكم في إثيوبيا، ويضيف “بدأ الصراع بتململ قومية الأورومو مما أسموه (التهميش) داخل السلطة والتحالف الحاكم، إلا أنهم أضمروه حتى 2005، عندما اتهم فصيل (الجبهة الديمقراطية لشعب الأورومو) التحالف بالتلاعب بالانتخابات وانتزاع دائرتين انتخابيتين في أديس أبابا منهم، لكن رئيس الوزراء ملس زناوي أفلح في تهدئتهم”، وفقاً لما ذكرته صحيفة “الشرق الأوسط”. ويستطرد أبو إدريس قائلاً، إن “الأورومو المهاجرين بقيادة جوهر محمد، دأبوا على ترديد نغمة التهميش، زاعمين أنهم يُمثِّلون 40% من مجموع السكان، ومع ذلك فنسبتهم في السلطة بحدود 6% فقط، بينما للتيغراي نسبة 25% من السلطة، مع أن عددهم لا يتجاوز 6% من جملة السكان”. لقيت خطط آبي أحمد الاقتصادية في تيغراي ترحيباً كبيراً على مستوى العالم، لكنها ضربت مراكز “سيطرة التيغراي” في الأجهزة الأمنية والعسكرية إذ اعتبروها “قمعية تاريخياً ولا تؤمن بالديمقراطية”. ومن ثم، اندلعت المواجهة بين أديس أبابا ومكيلي (عاصمة إقليم تيغراي)، بإقالة آبي لرئيس هيئة الأركان في الجيش الإثيوبي يونس أمورا، ومدير جهاز الأمن والاستخبارات، ومدير الشرطة، ومدير الشرطة الفيدرالية، وكلهم من التيغراي، وأتى برئيس هيئة أركان من الأمهرا، ومدير لجهاز الأمن من الأورومو.