بقلم محمد مكاوي
تسلم أبي الماعزة السوداء سواد الليل من شيخ القبيلة وبصم بإبهامه المغمس بمداد أحمر ثم أمضى فوق البصمة بقلم حبر. بعد ذلك أملى اسم أمه واسم أبيه واسم أمي واسم أبيها وأسماءنا جميعا ذكورا وإناثا.
كانت الماعزة صغيرة الحجم، نحيفة الجسم، طويلة القوائم، قصيرة الأذنين عيونها براقة، وقرنيها منحنية.
انصرف الشيخ وهو يحذر أبي من أن تصاب ماعزة المخزن بمكروه “هذه الماعزة لا تذبح ولا تذل ولا تقهر ولا تجوع ولا تباع ولا ينبغي أن تموت أو تمرض” اعمل على العناية بها وضعها في بؤبؤ عينيك.
رأيت أبي ينحني بعطف على الماعزة ليقبلها من فيها وهو الذي لم يسبق له أن ضمني لصدره ثم بدأ يرتب على شعرها الناصع؛ دنوت من أبي واتجهت لأمسك بقرنها فرأيته يخلع بلغته على عجل ثم يهوى بها على ظهري.
أحسست بمسامير البلغة القديمة كأنها انغرست في ظهري وقال بغضب “هذه ماعزة المخزن لا تقربها”.
قلت في غضب طفولي “أريد فقط أن ألمس شعرها يا أبي”.
قال: “قد تكون مصابا بفيروس “زيكا” فتنقله لها وتمرض، ثم نتهم كما هو الحال دائما بأننا لا نصلح للمواطنة.
رأيت الخوف في عينيه ولمسته من نبرات صوته، وراح ينادي أمي كأنما يطلب النجدة “ألغالية” ها هو ذا أخيرا أتانا المخزن بماعزة لمحاربة الفقر”.
لمت أمي صوتها وقالت وهي قادمة من بعيد: “ماعزة واحدة لمحاربة الفقر، أهذا هو حقنا من هذا الوطن” وأردفت: ماذا نطعمها في هذه القبيلة التي لا صوت فيه يعلو فوق صوت الخراب والفقر والعطش والموت” لا طرق لا مستشفى لا مدرسة لا إدارة لا…
رد أبي في خوف وهو يطبق يديه على فم أمي: أسكتي إن الماعزة تسمعنا. سخرت الأم من كلام زوجها ثم قالت: كيف ؟
قال في صمت: ربما تكون بها شريحة تسجل الصوت والصورة ونحن لا نعلم ؟ ثم إن المخزن اليوم أقر التصفيق والتغني ومنع التشكي والبكاء حتى على الفساد والمفسدين.
أطبقت الأم فمها وهي التي أدركت منذ زمان على أن المخزن لا يحمي المغفلين والفقراء والمعاقين، وعوض مواصلة الصياح والنحيب، زغردت عاليا زغرودة المكتئب وانحنت برفق على الماعزة ثم دستها بين ذراعيها وحملتها نحو غرفتنا الوحيدة التي فيها نأكل ونشرب وننام كما كانت تحملني عندما كنت صغيرا.
كان أبي يتبع أمي في كبرياء أما أنا فقد كنت أعجب لهذا الحنان الذي غمر ماعزة ولم يغمر بينهما قط.
أصبحت الماعزة تشاركنا الطعام والمكان وأبي قبل أن يصلي الصلوات المفروضة يؤدي ركعتين للماعزة من قبل ومن بعد ويرفع صوته في دعائه؛
كان المسكين يخاف من أن لا تسمعه فيعيد الدعاء لأكثر من مرة: “اللهم إننا نحمدك ونشكرك ونشكر “المخزن” و”آل المخزن” و”خدام المخزن” و”خدام خدام المخزن”، “اللهم أدم عليهم المكاسب والمناصب وادم على الفقراء الجفاف والزلازل والمصائب، اللهم أدم لهم ولأبنائهم الكراسي وأرزق الفقراء والمعاقين والمستضعفين في هذا البلد الماسي”. اللهم اجعل مرتبهم سمين وارفع من أنين الفقراء والمهمشين والمعاقين”. “اللهم ضاعف لهم التعويضات واحمهم وأبنائهم من الويلات؛ وبارك للفقراء في الماعزات و”الأرنبات”. “اللهم بارك لهم في المأذونيات والسفريات وألوان وأصناف السيارات والفيلات قبل الميلاد وقبل الوفاة”. “اللهم ق مدارس البعثات والمدارس الخاصة بأبنائهم من الجهل والأمية وابعث فيها رسل علم من أجود علماء خلقك في الفيزياء والكيمياء واللغات والإعلاميات وفيما شاكل ذلك؛ واجعل مدارسنا وفرعياتها كالاسطبلات تربي الجهل والغباء وترديد الكلمات ومرتعا للفساد ونشر المخدرات”، “اللهم ارسل ملائكة الرحمة لعياداتهم الخاصة؛ واغمرهم بكل أصناف الأدوية والعلاجات والفحوصات وأدم على المهمشين بركة الأولياء وزيت النباتات، والدجالين والمشعودين”.
كانت أمي تصلي خلفه وفي كل جملة تقول بصوت مرتفع وهي تقترب من أذن الماعزة “أمين أمين يا رب العالمين”
لكثرة الخوف أو الحب.. أصبح أبي يخطيء وينادي الماعزة بالغالية اسم أمي فكانت تكتم غيظها وتقبل رغم أنفها بذلك عندما نكون أمام الماعزة لكن في الخارج أسمع أصوات الأواني تتهاوى على رأس أبي.
“الا تستحيي تسمي الماعزة باسمي”.
“عذرا الغالية إنني أنسى فقط ، لن أعيد مرة أخرى سامحيني”.
لكن ما أن ندخل جميعا على الماعزة حتى تظهر مرة أخرى زلة لسان أبي..
خص أبي الماعزة بغطاء ورثه عن جدتي صنع لها وسادة من الحلفاء وراح يقص أظلافها ويدهنها بالزيت خوفا من لسعات الذباب المتكاثر.
اقتسم الغرفة التي نملكها إلى نصفين؛ نصف لنا نحن الثلاثة ونصف الغرفة كله للماعزة… شكت أمي في هذا السلوك… الذي أقدم عليه ابي والذي يزداد يوما عن يوم ثم قالت له ذات ليلة “أخاف أن تستبدلني بهذه الملعونة”..
ابتسم أبي وقال في أذنها “لا تخافي يا زوجتي الحبيبة”..
مرت الأيام ولم تكبر الماعزة أما أنا فحفظت دعاء أبي، وأمي بدورها ترتله في غيابه أمام مسامعها وتطعمها أفضل الحشائش التي كانت قبل مجيئها تكفينا نحن الثلاثة.
تناسينا الفقر والقهر والألم واعتنينا بالماعزة، أصبنا بالغباء ولم نعد نهتم بأي شيء آخر… تحيا التنمية ويحيا ابي والماعزة والشيخ.
إن أي تشابه مع الواقع هو من قبيل الصدفة.