الإسلاميون وشعار الإسلام هو الحل : اتفاق على الشعار واختلاف في المضمون

المصطفى المعتصم

الإسلاميون ليسوا على فكر وقلب رجل واحد بل متعددين ومختلفين على وفي أعقد الأشياء وأبسطها : في فهم الدين ومقاصده وطبيعة أدواره وعلاقته بالسياسة، و بالرغم من أن جلهم يردد شعارا براقا جذابا : الإسلام هو الحل فهم يتفقون على الشعار ويختلفون في الكيف . شعاري العودة إلى الدين والإسلام هو الحل ، ازدادا جاذبية وقوة باستفحال أزمة الدولة القطرية العربية/ الإسلامية بعداستعمارية التي وعدت نخبها – وجلها علمانية- عندما تسلمت مقاليد تسيير هذه البلاد بعد جلاء الاستعمار عنها بالتحرير فما أكملته ووعدت بالانعتاق فازدادت هذه الأوطان تبعية ووعدت بالتنمية فازدادت هذه البلدان تخلفا ووعدت بالحرية والديمقراطية فلم تنتج سوى الاستبداد والقهر. الخلافات البيإسلامية في كيفية العودة إلى الدين وكيفية أن يكون الإسلام هو الحل خلافات عميقة قد تتأرجح بين خلافات فكرية وفي الرؤى والتحليل : على حرية الاعتقاد وقضايا المرأة وحول الديمقراطية وحول حقوق الإنسان … لتمتد إلى ما هو عقدي . وقد تكتسي هذه الخلافات طابع الخطورة و تصل إلى حد التناقض والعنف والتوحش في الكثير من الأحيان خصوصا عندما تعتقد طائفة أو مجموعة ما أنها هي الفرقة الناجية التي تمتلك الحقيقة وتحتكرها دون غيرها من الفرق بل تتجرأ على تكفير كل من لم يشاركها من الإسلاميين الآخرين قناعاتها . في المغرب البلد الذي يقدم نفسه كبلد الاعتدال والوسطية وصل الأمر إلى درجة أن اختلافي مع أحدهم في تأويل أسباب ودوافع الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضنات أو الجفاف بتكفيري وسبي وتهديدي بالفضح والحصار داخليا وخارجيا . وليس بعيدا في هكذا أوضاع أن تشهد كل ساحة من الساحات العربية والإسلامية داخليا وفي ما بينها صراعات وحروب تذكرنا بالمسارات التي عرفتها أوروبا بين القرن الثالث عشر والقرن العشرين من حروب دينية ومذهبية وحروب عرقية وحروب الأمبراطوريات وحروب الدول اليعقوبية وحروب أهلية وحربين عالميتين . حروب وصراعات مدمرة أدت إلى سقوط الملايين من الضحايا وإلى مآسي يعجز اللسان عن ذكرها وأهوال لا يستطيع الإنسان السوي استيعاب عنفها . وللأسف الشديد كل المعطيات الواقعية والميدانية تقول أن الخلافات الإسلامية – الإسلامية هي بصدد دفع العالم العربي والإسلامي لصراعات دموية : سنية – سنية وشيعة- شيعة وسنية شيعة وإذا لم يتم تدارك الأمر فإن هذا العالم العربي والإسلامي سيكون قد فتح باب التيه والتفكيك وذهاب الريح على مصراعيه وسيكون الكل ضد الكل والجميع يقاتل الجميع بتوحش وعنف غير مسبوقين .

وفي خضم السعي إلى العودة إلى الدين باعتبار أن الإسلام هو الحل كجواب على اخفاقات النخب وكجواب على أسئلة الهوية تبنت جل أجيال ما سمي بالصحوة الإسلامية مقولة منسوبة للإمام مالك رضي الله عنه يقول فيها :”لن يصلح آخر هذه الأمة إلا الذي أصلح أولها” . هنا رأى بعض الإسلاميون أن الذي أصلح أول الأمة هو تصور سليم لله وللكون وللانسان وللطبيعة، ورأوا أن الذي أصلح هذا الأول هو سيرة ومنهاج نبوي تغيا صياغة الإنسان البدوي المتخلف صياغة جديدة جعلت منه إنسانا متحضرا متطلعا إلى تحرير الإنسان من كل القيود والرواسب التي تحول دون تحوله إلى بان للحضارة لكي يكون فعلا خليفة لله في الأرض من خلال حسن عمارتها وتجنب الإفساد فيها ومن خلال إقرار العدل بين بني البشر على اختلاف معتقداتهم الدينية وانتماءاتهم العرقية باعتبار أن أحسن الناس في الأرض وأقربهم إلى الله أكثرهم خدمة للإنسان كل إنسان : المؤمن منهم والكافر ، البار منهم والفاجر . ورأوا أن الذي أصلح أول الأمة هو تمثلها الحقيقي لمعنى “إقرأ” أي “استوعب وافهم” عصرك ومحيطك القريب والمحيط العالمي مما يؤهل الأمة لتكون في مرحلة بعدية أمة شاهدة على العصر والأمم وتتعاطى معه(العصر) ومعهم (الأمم) إيجابيا بهدف اتمام مكارم الأخلاق والرقي بالعلاقات الدولية بما يحقق عولمة انسانية ، ورأوا أن الذي أصلح أول الأمة هو النجاح في صناعة جيل من الناس يفهمون مقاصد الدين وأولوياته ، ورأوا أن الذي أصلح أول الأمة وبوأها المقام العالي بين الأمم هو تثوير العلوم ونقلها من علوم تجريدية إلى علوم تجريبية . أي إنهم رأوا أن الذي أصلح أول الأمة هو رؤية مستقبلية وثورة علمية وبرنامج اصلاح شامل يقوم عليه رجال ونخب تجمع بين التصميم والإخلاص والأمانة والعلم بهدف صناعة إنسان “الخليفة ” الحريص على البناء وزخرفة الأرض وعمارتها. هكذا فهموا رسائل القرآن الكريم ودروس السيرة النبوية العطرة وسير الأنبياء والرسل والمصلحين كما جاء في القصص القرآني .

لكن في المقابل هناك من الإسلاميين من فهموا أن العودة إلى الدين باعتبار الإسلام هو الحل مناسبة لاستدعاء كل إرث الماضي بغثه وسمينه في محاولة لإعادة إنتاجه بدعوى أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان و بأن السلف لم يتركوا للخلف أمرا إلا وتكلموا وأفتوا فيه . أي لم تكن هذه العودة بالنسبة إليهم هي استحضار فلسفة الإسلام ونهجه في بناء الحضارة والمساهمة في العمارة بل كانت عودة لتقليد ماض ولى ولن يعود لأن ذلك منافي لسنن الله في الحياة . وحيث يكون التضاد مع سنن الله في الخلق والكون والزمن يكون الإخفاق والفشل والأفضل لمن يريد أن يعيش في زمن ليس زمانه ويتناول قضايا ليست قضاياه ويجيب على أسئلة لا يطرحها أحد عليه اليوم أقول من الافضل لهذا الإنسان أن ينهج منهج أهل الكهف الذين بالرغم من استفاقتهم على واقع يسوده العدل والإيمان وهم الذين فروا من الكفر والظلم طلبوا من الله أن يأخذ أرواحهم لأنهم عرفوا أن الزمن ليس زمانهم والقوم ليسوا قومهم . وليس غريبا أن نجد عند هؤلاء ذلك الفهم المتعسف لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : {خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم } باعتبار أننا نعيش أسوأ القرون مع أسوأ الناس في أسوأ الأحوال. وهذا الفهم يتعارض مع منطوق حديث آخر يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : {أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره }؟ ويناقض المنطوق القرآني في أن عمارة الناس للأرض ستكون في معنى من المعاني في اتجاه أن تأخذ هذه الارض من مرور القرون زخرفها وتتزين ومتناقض مع منطوق الحديث في أن إيمان الرجل في القرون التي تلي قرن الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون أحسن بكثير وأقوى من إيمان الصحابة ووسم هؤلاء المتأخرين بأنهم إخوانه . .. نحن إذن إزاء عودة للدين متعددة المداخل والمقاربات وإزاء أفهام ومقاربات مختلفة للدين ومقاصده قد تصل إلى حد التناقض والعنف والتوحش في الكثير من الأحيان . ونحن في كل هذا الذي نعيشه ونؤمن به غير متسلحين للأسف الشديد بوعي حضاري وبسلوك متمدن يدفعاننا لجعل خلافاتنا البينية ومع الآخر مناسبة لإغناء الفهم وتطوير الممارسة بعيدا عن العنف والتوحش والإكراه وفي إيطار تلك المقولة الذهبية للإمام الشافعي رضي الله عنه:”رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب “.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد