بقلم: أبو اسماعيل أعبو
يسعى عصر الحداثة في توال زمني، منذ انبجاس مشروعه التنويري، إلى غاية جوهرية، تتمثل في إحداث تغيير في ذهنية الإنسان الكوني، حتى يستقل بذاته وبكفاءاته العقلية عن أي منظومة وصايا، تزج بحريته في الأنساق التقليدية المتواترة، وتحول دون مساهمته في صنع الإرادة العامة.
إلا أن هذا المسعى الحداثي المسترسل، لم يجد بعد في الواقع المغربي المسالك الاجتماعية السالكة، فهناك عوائق عدة تعوق الجهود، التي ما فتئت تبذلها النخبة المثقفة، والمجتمع المدني، والمؤسسات التربوية، والوسائط الإعلامية من أجل تسليكه، وتحقيق بالتالي استقلالية العقل عن الوصايا، وتعقل الإنسان لذاته ومصيره، ولعل من هاته العوائق:
- انتشار المعتقدات الخرافية المقدسة، والتباسها بالخطاب الديني.
- ترسيخ تربية مقامة على مفاهيم نمطية متحيزة جنسيا، ومقيدة بالمصطلح عليه بدل العقل.
- اعتماد التعليم على الذاكرة، والتلقين المعرفي، والحفظ، والاستظهار.
- الإيمان بالزمن الحلقي الارتجاعي، وعدم الوعي بمنطق الصيرورة التاريخية.
- التقوقع في الهوية المغلقة، التي ترادف الجمود على الحال وتثبت التقليد، دون مراعاة جدلية الخصوصي والكوني.
والحال أن هاته العوائق، وأخرى لا يتسع المجال هنا لذكرها، تدل على واقع يجهر بولائه للوصايا، وهو واقع يقهر الإرادة الإنسانية، ويكرس العقلية التقليدية، التي تبعث على التواكل، وتغييب العقل والروح النقدية، وتنبذ التغيير في شتى المجالات الاجتماعية.
وهنا لا أحد يرتاده الشك، في أن هذا الواقع المغربي، وهو يناهض حركة التاريخ مستسلما للوصايا، يرسم في الآن ذاته للإنسان صورا نمطية، تجعله يتحرك في دائرة مغلقة، وفق تفكير نمطي جاهز، يستوحي أفكاره من مرجعيات قبلية ويعمد إلى تعميمها، دون أن يحمل نفسه عناء تحريك بنياته الذهنية.
ويزداد هذا التنميط تعسفا، حين يتخذ أبعادا اجتماعية سيئة، وهو يتم على أساس الاختلافات البيولوجية التشريحية والفطرية بين الذكر والأنثى، أي على أساس تأويل اجتماعي جائر لما هو طبيعي جنسي، ”وهو تأويل يعتبر الجنس البيولوجي محددا لصيرورة الفرد، ولمصيره الجنسي والاجتماعي والتاريخي”(1)، كما يعتبر بالتالي التمايزات الاجتماعية، من حيث الأدوار بين الرجال والنساء، محددة تبعا لاختلافات بيولوجية.
وقد ترتب عن هذا التنميط أن تحول الذكر إلى رجل مُسَيْطِر، وتحولت الأنثى إلى امرأة مُسَيْطر عليها، أي تحولا إلى جندرين، أحدهما يهيمن على الآخر(2)، ويلزمه بدور اجتماعي وثقافي، يقيم في علاقته بدوره فجوة جندرية متسعة.
إن الوصايا هنا ترتسم هاته الوضعية بل ترتسم للمرأة صورة ملفقة، فتعكسها لا كما تريد هي أن تكون، وإنما كما يراد لها أن تكون، بحيث تبدو منمطة، لا تقول عن ذاتها وإن نسبت لها، وإنما تقول عما يقال عنها، ولا تتحرك اجتماعيا وفق مشيئتها، وإنما تحرك وفق مشيئة وصايا غيرها.
هاته الصورة الشوهاء التي ارتسمها المجتمع التقليدي للمرأة، أفضت بفئة قليلة من النساء المثقفات إلى رفع شعار التحرر منها، والتعالي عن كل الوصايا مجهرة بحريتها في اختيار صورتها، وإبداع هويتها الجندرية كما تشاء، ولعل من الحوافز الموضوعية المحفزة لهاته الفئة: انبثاق المجتمع المدني المغربي في الثمانينات من القرن السالف، ونشاط جمعياته النسائية، وتحركها في علاقة بتنظيمات عالمية، وكذا المد العولمي ذو الوسائط التواصلية المؤثرة، وانفتاح القراءة على المنظور الجندري.
وما دامت القصة المغربية القصيرة جدا، تجربة حداثية لها من الطواعية التعبيرية والجمالية، ما يؤهلها للتفاعل مع الواقعي، والتطلع إلى ما ينبغي أن يكون عليه، حري بنا أن نتحرى نماذج من كتاباتها، حتى نرى من خلالها مدى تفعيل المنظور الجندري، للانزياح عن النمطي في العلاقة غير المتكافئة بين المرأة والرجل، ولعل الأسئلة التي تتبادر إلى ذهننا في هذا السياق هي:
أتنظر القصة القصيرة جدا إلى العلاقة بين المرأة والرجل، كما ينظر إليها في الواقع، أي باعتبارها علاقة تحيزية جنسية ثابتة، أم تنظر إليها كما ينبغي أن تكون، أي باعتبارها علاقة حركية، ناتجة عن بناء سوسيوثقافي مشروط بالمساواة والعدالة الجندرية؟
ألا تنشغل الكتابة بالتمايزات الاجتماعية بين المرأة والرجل، عن هاته العلاقة دون التفكير في حركيتها؟
أتكتفي بتصوير تلك العلاقة التحيزية وفق نسق نمطي مألوف، أم تنزاح عن هذا النسق، فيرادف التصوير تشغيل الطاقة التخييلية الإبداعية؟
أتعتمد على مرجعية جندرية في استثارة موضوع هاته العلاقة؟
وإلى أي مدى أمكنها أن تخلخل أسئلتها؟
إن هاته التساؤلات سيُبين عن إجاباتها، تقصي مدى حضور المنظور الجندري في نماذج من القصة القصيرة جدا، في سياق فحص ما احتوته من نصوص معنية وتحليلها وتأويلها، وهاته النماذج التي اخترناها على سبيل التمثيل هي:
- “عندما يومض البرق” للزهرة رميج(3).
- “تجاعيد الزمن” لأمنة برواضي(4).
- “همسات الروح” لعبد الرحيم هري(5).
- “قبلات في يد الهواء” لعز الدين الماعزي(6).
وما دام الجندر هو المفهوم المحوري والمبدأ التنظيمي، الذي ستنتظم وفقه مقاربتنا، لا نرى بدا هنا من استيضاحه:
يشير الجندر مهما تعددت تنظيراته، إلى العلاقات والفروقات الاجتماعية والثقافية بين الجنسين، والتي تكون عرضة للحركية والتغير الدائم، وهو بهذا إذ يتخالف مع مفهوم الجنس البيولوجي الثابت والطبيعي، يميز ضمن مجاله المفهومي بين الأنثى والذكر باعتبارهما جنسين بيولوجيين، والمرأة والرجل، باعتبارهما نتاجي بناء اجتماعي وثقافي سيروري، وهو تمييز يراد به تحاشي تلك النظرة التقليدية القاصرة إلى الجندر، التي تنظر فيه إلى المتغير في الزمن نظرتها إلى الثابت في المكان، فتثبته وفق صورة نمطية تعطيها صبغة ثقافية اجتماعية، إذ تقيد المرأة في المجتمع بأدوار تعسفية تخدم الرجل بشكل استعبادي.
على هذا الأساس المفهومي المعقلن، فإن المنظور الجندري باعتبار الأسئلة التي طرحنا إزاء القصة القصيرة جدا، سيبعث من جهة على توخي فيها العلاقة بين الرجل والمرأة وصورها الواقعية النمطية، المترتبة عن تحيزات جنسية وأحكام قبلية ومعتقدات جهلية، وهي صور تخص الجنسين بخصائص تمايزية اعتباطية، وتقرنهما بأدوار اجتماعية غير عادلة. كما سيبعث من جهة أخرى على توخي الصور البديلة، ومدى الوعي الإبداعي بالمرجعية الجندرية، في التعامل مع وضعية المرأة والرجل في المجتمع المغربي.
وحتى لا نغفل للأدب حقه، مادام ينسبك في لغة النصوص القصصية المعتمدة، سنرتسم لهذا المسعى ثلاث استراتيجيات، استوحينا مصطلحاتها من مبتكرها الناقد المغربي رشيد بنحدو، وهي على التوالي:
أولا، الاستيقاع، الذي يعني التماس النص للواقع العيني.
ثانيا، الاستخيال، الذي يفيد التماس النص للخيال بوسائط بلاغية.
ثالثا، التنصيص، الذي يقصد الإواليات النصية الكفيلة بالعبور من الواقعي إلى الخيالي(7).
أولا استراتيجية الاستيقاع:
إنها استراتيجية نصية، تبعث الكتابة على استيحاء الواقعي بحيثياته، ومحاولة ترجمته لفظيا، وإنتاجه على الورق، بشكل يكفل لها معادلته أو مضاهاته، والإيهام به حكيا.
ونحن هنا إذ ما اهتممنا بهدي قراءة إحالية، بما تضمنته مجموعة “عندما يومض البرق” للزهرة رميج من نصوص مسعفة لتبئير المنظور الجندري، فإننا سنصادف مادة ذات طواعية قصوى، لحمل أكثر المضامين تنوعا واختلافا، وأوسع الدلالات كثافة واعتبارا.
إن ما يستثير الانتباه إزاء نصوص هاته القاصة، كونها تستلهم المرجعية الجندرية في كتابتها بشكل لافت، لذا لا غرو إن وجدناها تقيم نص: مشهد(ص:62) على مزاوجة ساخرة بين الرجولة والذكورة، أي مزاوجة بين مفهومين، يحتلان ركنا كيانيا ضمن المنظومة المفهومية الجندرية، فالمفهوم الأول “يعني المعطى الاجتماعي المكتسب في صيرورة اجتماعية، ويؤشر على بناء الرجل كتفوق اجتماعي”(8).
إن هذا الرجل هو المقصود في السياق النصي، فهو من له الإرادة الغلابة لإيقاف الإبادة الهمجية، إلا أن المرأة حين استنجدت به بصيغة الجمع، لم يستجب لأنه لم يبن اجتماعيا بعد، أما ثاني المفهومين المشار إليه، فهو الذكورة التي تعني المعطى الطبيعي البيولوجي، الذي يولد عليه الذكر، وقد استحضرته القاصة قصد السخرية من ذكور، لم تتشكل بعد رجولتهم اجتماعيا، ذلك أنهم يعيشون على هامش التاريخ وطوارئه. إذ شغلهم الشاغل فيه الجسد الأنثوي المغري الذي استلب منهم الأنظار، فاعتبروا الاستمتاع به كل شيء في حياتهم.
لذا لا غرو إن وضعت القاصة الرجولة في نصها موضع مساءلة: أحقا يستحق الرجل الأبيسي الذكوري المسيطر أن يوصف بها؟ ألا ينبغي أن تنتزع منه هاته الصفة، إذ يقصر المرأة على تأويل تحيزي جنسي ثابت، ويعيش ويُعيشها على هامش التاريخ؟ ألا يدعو الوضع إلى تفجير الهوية الجنسية الكلاسيكية القائمة على ثنائية ذكر وأنثى؟
ولتبرير هاته التساؤلات أكثر، استدلت القاصة ضمن نصوصها على علاقة تنافر (حلم: 72)، بين الشريكين الرجل الفاعل والمرأة المفعول بها، اللذين ينشغلان طوال حياتهما بالتفاهات عن الحب والتحاور والتجانس المعيشي (قتل: 73)، والرجل هنا لا يجد أدنى غضاضة في تبخيس المرأة وتحقيرها، والتلاعب بمشاعرها حسب تقلبات مزاجه وصحوه وسكره (الأرجوحة:12)، وميله الجنسي الحربائي نحوها (حربائية: 40)، حتى أنها إن سئلت عن الحب بعد بلوغها من الكبر عتيا لا تجد له جوابا ( الكاميرا: 27)، فهذا الرجل إن أظهره لها لا يلبث أن يظهره لأخرى (إغراء:37) فتكون عرضة للطلاق واجترار مرارة السنين (الزمن:18).
إن هاته النظرة الدونية للمرأة، التي ترتهن بمنظور جنسي بيولوجي، حدت بالقاصة إلى انتقاد صورة الرجل، فاختزلته في قضيبه، واعتبرت سلطته قضيبية، تصاب بأقصى درجات الوهن، إذا ما عجز القضيب عن الانتصاب، مما يجعل آنئذ المرأة المتهيئة للجنس، أقوى وذات سلطة عليه (سلطة: 42).
بل إن هاته النظرة باعتبارها توقع في هوية جنسية، وتتغافل الهوية الجندرية حدت بالقاصة في نص “الراقد” (ص:55) إلى الحلم بتجاوز ثنائية الرجل والمرأة، وخلق جندر جديد لا هو بالذكر ولا بالأنثى، إنه مخلوق اجتماعي بطبعه وغريزته، يعلن انتماءه للجميع، حتى أنه إن صادف أحدا عانقه عناق الأب لابنه، كما أن تلك النظرة بعثت القاصة في نص “الجنة” (ص:33)، على الحلم بعالم يسوده التجانس والحوار والتحاب والاحترام المتبادل والانسجام والحرية والحق في الاختلاف.
وهي إذ تحلم بهذا العالم، تعبر في الآن ذاته عن رغبة في حرية التصرف في الجسد، الذي عبر عن تمرده المطلق على الطقس الديني وتقاليده وعاداته (تمرد، ص:82)، وأطلق العنان لحريته بعيدا عن كل الوصايا، حتى أنها استحلته في مشاهد البورنو (رؤى:15)، وتاجرت به (ذوق:57)، واستلذت بعريه، وأرقصته كما تشاء في حضرة الرجال دون حشمة، بل دون مبالاة بحضورهم (النادل:61)، وأقامت علاقات رضائية خارج مؤسسة الزواج، بهذا هدت تلك الصورة النمطية التي رسمها لها الرجل، فانهدت في الآن ذاته صورته وسطوته، فلم تعد له أي هيبة وقداسة لديها، فهي بعدما كان يقولبها وفق ما يشاء من القوالب، ويسند لها أدوارا اجتماعية اعتباطية تشدها إلى المكان، فلا تكون ألبتة هي بل تكون أخرى، انتفضت ضده فأعلنت انعتاقها من المرجعيات التقليدية، وحريتها في أن تكون ما تشاء دون الرضوخ له.
فإذا ما واصلنا الكشف من منظور جندري، عما تضمنته المجاميع القصصية المعتمدة، فإننا سنقف عند محطة أخرى تتيح لنا بدورها مادة نوعية تقدم إفادات وافرة.
فهاته المحطة تتمثل في المجموعة القصصية القصيرة جدا: “تجاعيد الزمن” ، للقاصة أمنة برواضي، التي ترتسم للمرأة في علاقتها بالرجل، صورة مغايرة لما ارتسمته القاصة الزهرة رميج، فإذا كانت هاته، تعكس لنا صورة امرأة تضيق بالإطار الذي أطرها به الرجل فتدينه، وتتحرك في نطاق ما كسرته من أضلعه، متطلعة إلى صورة حركية تدل عليها مستقلة عن كل الوصايا. فإن القاصة أمنة برواضي تعكس لنا صورة نمطية ثابتة مؤطرة بسلطة ذكورية تامة، تقدم من خلالها وقد أحكمت حولها أضلاع الإطار، لتبقى صورة مغلقة حول ذاتها.
ولعل ما يستأثر بانتباهنا ضمنها، صورة المرأة التي يختزل جسدها، وبالتالي تختزل هويتها الجندرية في غشاء البكارة، الذي ينبغي أن تحرص كأشد ما يكون الحرص على ألا تفقده خارج مؤسسة الزواج، لأن من فقدته تتدحرج على سلم القيم الاجتماعية، إلى حيث لا يرضى بها الرجل، وينعتها في حضرة الرجال، بأرذل النعوت وينظر إليها نظرة ازدراء. وهي في هاته الحالة، لا تجد بدا لإعادة الاعتبار لذاتها، وفق الهوية القاصرة التي يرتضيها مجتمعها، سوى أن تصطنع لبكارتها غشاء آخر، وأن تخدع بحشمة زائفة الرجل المغفل الذي ستندمج معه في مؤسسة الزواج:
ترميم
عرفت بأخلاقها الساقطة و..
اعتاد الكل على عودتها في ساعة متأخرة… يوم طرق بابها عريس الغفلة، فاجأت الكل بلباس محتشم وهي تزف إلى عريسها…
في الغد رقصت البنات وغنت بشرفها…
وفي الجهة الأخرى كان الشباب غارقا في الحيرة، واكتفى بمناقشة الصناعة الصينية، وكيف تطورت ووصلت لترميم الشرف… (ص: 31).
فهذا الاندماج وهو يتم بمباركة نسائية، يعبر عن سخرية من هيمنة ذكورية جائرة، وغير مبررة، بل وغير مؤهلة لوضع التصور موضع المساءلة، وتسوية الأمور تسوية منصفة.
لذا لا غرو، إن كانت هاته الهيمنة تضيق على المرأة الخناق، ما إن تستقر في البيت، إذ تجد نفسها تتحرك تبعا لصورة نمطية، حيث تسند لها أدوار قمعية ملزمة بوصايا تحملها على أن تسوس الرجل، وأن تسوس عائلته سياسة مهادنة (سياسة:9)،عسى أن تبقى مستورة في حرمته، ذلك أن أدنى تخط للوصايا قد يخرجها في نظره عن الحال السوية، فيذيقها مرارة الطلاق، أو التهميش المضاعف، إلى حد التنقيص من قيمتها إلى أقصى درجة، ونسيان اسمهما ومناداتها باسم امرأة أخرى (نسي اسمها:47)، وهي رغم ما تعيشه في بيتها من ضيق الصدر تؤثره على أي مكان آخر، لذا فهي كلما ودت أن تخرج تحس بضيق أشد، لربما لأن لا اعتبار لها إلا بجسدها الأنثوي المغري، أو لأن الكل ينعتها بالاعوجاج (اعوجاج: 53)، أو لأنها تستشعر ملل النفس من الحياة التي “تتراءى لها قاعة مسرح كبيرة وكل يشخص دوره” (مسرح الحياة:34)، بمعنى تتراءى لها مسرحا لا أحد يعيش فيه حقيقته الواقعية، ذلك أن في مساقها تبدو الأدوار الاجتماعية لكلا الجنسين، أي تدبراتهما للأمور المعيشية، وتفاعلاتهما، وتصرفاتهما، وسلوكاتهما، ترجمة لوصايا قبلية صادرة عن نظرة تقليدية، تكرس هيمنة ذكورية منذ الطفولة، حيث يحق للطفل بين البنات ما لا يحق لهن، بل يحق له حقهن، كما يتبين في نص: ”الابن المدلل” (ص:45)، الذي أنهته بنقط الحذف بعدما تخللته قصد استثارة الأسئلة، والتحفيز على التفكير في ظاهرة تاريخية، ترسخت في الحاضر وهي قد تجد استمراريتها في المستقبل، إذا لم تخص بما تستحقه من تدبر عقلي .
إن المرأة في هذا السياق وذاك، حين تتفقد أيامها التي أمضتها لا تجد فيها سوى أقسى التجارب، التي كان لها أثر عميق في ذاتها، التي بلغت بها حد يأسها من بزوغ أمل جديد، ووصف عمرها بالعمر الضائع ( العمر الضائع !!!:63).
وإذ ترصد القاصة صورة المرأة وتدل عليها، ترصد في الآن ذاته بموازاتها صورة الرجل الذي له ولاية عليها، فهي تحيل عليه باعتباره عائلا أساسا لأسرتها، وسلطة مستبدة بالحل والعقد، وهي سلطة تبلغ درجتها القصوى حين يستعيض الرجل باللغة عن الإيماءات، ويرفع في وسطه العائلي شعار:”الصمت حكمة” (الصمت:35)، وهو بسلطته لا يتدبر الأمور بمنطق العقل، لهذا قد تجده متناقضا في شخصيته، فخارج البيت يظهر أنه يستنفر كامل جهده من أجل إحقاق حق المساواة بينه وبين المرأة، وفي البيت يعود لطبعه الرجولي بعدما تناسى كليا ذاك الحق(حروف فوق الماء:44)، ويلوذ بالصمت نحو الصورة النمطية التي رسمها لزوجته، دون أن يبادلها أي مشاعر عاطفية.
والذي يستوقفنا هنا من هذا وذاك، هو كون القاصة بعدما ضبطت علاقة المرأة والرجل، وصورتيهما النمطيتين المترتبتين عن تفكير نمطي، يعتبر تمايزاتهما الاجتماعية وأدوارها المختلفة، محددة باختلافات جنسية بيولوجية، لم تتمكن من افتراض علاقة عقلانية بديلة، قائمة على مبدأي المساواة والعدالة الجندريين، فهي اكتفت بعرض وضعية شاذة، وأوحت في سياق نصي بضرورة وضعها موضع التساؤل.
وإن شئنا أن ننعطف انعطافة طفيفة، عن سياق كتابة هاته القاصة وتلك، نحو كتابة القاص عبد الرحيم هري، فإن ما سيستأثر بانتباهنا ضمنها، هو دلالتها على توتر علاقة الرجل والمرأة، فهي علاقة ليست بتاتا موئلا للأنس والراحة وموطنا للمودة والألفة، إنها علاقة تنافر وتضاد وتباعد، لذا فهي كثيرا ما يكون لها الوقع اللاذع على نفسية المرأة أو الرجل.
إن هاته العلاقة المتوترة التي يمكن أن يتنزل توترها منزلة الطيمة المهيمنة على الدلالة القصصية، تتجلى في نصوص عدة، وهي: آخر من علم (ص:9)،خيانة (ص:10)، عِطْرة (ص:11)، مضخة (ص:15)، إعراب (ص:15)، حنين (ص:18)، تنافر (ص: 26)، شهيد (ص:28)، نظرتان (ص: 31)، خيبة (ص: 38)، معاكسة (ص:40)، قلم (ص:41)، عطس (ص:43)، رقم واحد (ص:54)، استكانة (ًص:57)، صفعة (ص:74).
فهاته النصوص، إذ تتقاطع حول تلك الطيمة توحي في أغلب الأحيان، بعنف يمارسه الرجل على المرأة، وهو يتمثل في معاناة نفسية، أو جسدية، أو جنسية، أو الحرمان التعسفي من الحرية.
فما بعث على هذا العنف، وآل بتلك العلاقة إلى التوتر هوالخداع ، والخيانة، والخيبة، وعدم الوفاء بالوعد، ونكران الجميل، والنوايا السيئة، ونظرة الرجل الدونية إلى المرأة، واختزالها في جسدها، حتى إذا ما ترهلت فكر في أخرى.
إلا أن العلاقة في نصوص قصصية أخرى، قد تبدو ظاهريا علاقة تطابق وتقارب وتجانس، بينما هي علاقة مغلوطة، قائمة على الابتزاز المالي (قنص:35)، أو الاستغلال الجنسي(قصص:53)، أو استنزاف جمال الجسد في ربيع العمر قبل التخلي عنه في خريفه (سيدة الكروم:52)، أو تملك الجسد واستعباده (حب التملك:19) أو اعتبارات ذاتية أو أسرية، (معاكسة، ص:40).
وإن حاولنا التماس صورة للمرأة ضمن هاته العلاقات وتلك، سنجدها صورة نمطية ارتسمها لها الرجل من وحي أعرافه، وأطرها بسلطته المستبدة التي ترضخها لمشيئته، فيكون لها الأثر العميق في طبع نفسيتها وذاتها، وإحكام الحصار عليها مهما أعلتها الشواهد التي تسلقتها، هذا الوضع أنشأ لديها ما يشبه الإذعان لحتمية سلطة الرجل، إلا أن تماديه في تسلطه اللاذع إلى بناته، جعلها تتمرد لكن تمردها لم يكن معقلنا، فهو مجرد عنف في مواجهة عنف آخر أشد بطشا. (استكانة:57).
وهي كلما أرادت أن تعيد الاعتبار لذاتها، تبدو ساذجة غير مؤهلة لتفهم وضعيتها، وقد حدث بعد تلقيها القراءة، أن اختزلت الحياة الزوجية في عقد النكاح، واشترطت تخليها عن الأدوار الاجتماعية ودور الإنجاب البيولوجي حتى تستمر فيها(قارئة:62)، متناسية أن الدور البيولوجي، الذي استبقته يكرس سلطة القضيب، وبالتالي التمايزات بينهما، والأدوار الاجتماعية الاعتباطية.
ولأن أمر المرأة كذلك، فهي ذات تطلعات محدودة الآفاق، لا يمكن أن تعلو إلى آفاق الرجل الذي شكلها على شكل حمامة مقصوصة الجناحين.(ص:46).
لذا فهي قيد رؤية دونية تحط من شأنها الاجتماعي، وتختزلها في الجسد المغري بالجنس، وهو جسد قد تكون من تلبسته غير مؤتمنة في علاقتها بالرجل، الذي هو الآخر غير مؤتمن ذلك أن لهما معا قابلية للغدر( خيانة:10 و خيبة:38).
إن صورة الرجل بموازاة هاته الصورة تبديه مترفعا عن المرأة، ومبخسا لقيمتها، ومستبدا يسلط سلطته عليها، فلا يلبث بعد أن يقضي منها وطره، أن يسلطها على أخرى، ذلك أنه لا يعتد إلا بجسدها الذي يهجره، حالما يغرى بجسد أخرى، لذا فهو يأبى أن يظهر أمامها بمظهر لا يليق بمقامه المترفع (طريدة: 44).
هكذا يكون القاص قد أمعن في وصف صورتين نمطيتين إحداهما للمرأة، والأخرى للرجل، وهما صورتان ترتبتا عن تلك النظرة الاجتماعية القاصرة، التي تقيم العلاقة بين الرجل والمرأة على حيثيات طبيعية بيولوجية، وتميز بينهما على أساس جنسي: ذكر وأنثى.
ولعل ما يستثير الانتباه هو كون القاص، اكتفى بنقل الصورتين كما تصورهما في الواقع، دون أن يفترض أي صورة بديلة.
ونحن إن استرسلنا وفق النهج الذي انتهجناه، سنجد القاص عز الدين الماعزي في مجموعته: “قبلات في يد الهواء”، يطالعنا في إحدى قصصه القصيرة جدا، بعبارة واقعية مسكوكة: “من يتبع الأنثى يصبح حاله هكذا: رأسه دائما إلى الأسفل” (قرار من فوق الشجرة:13)، وهي عبارة تلفظ بها الديك بعدما استجاب الرجل ببلاهة، لأوامر بلهاء صادرة عن زوجته، فأمسك به وبدجاجته وعلقه، حتى يصيح كل يوم بدله أعلى الشجرة.
إن تلك العبارة التي طالما رددها الرجل، وما فتئ يرددها كلما أوقعته المرأة في ما لم يتوقعه من الوقائع، تضمنت كلمة الأنثى بدل المرأة، حتى تدل من جهة على استهانة معممة على كل الأنثيات، كيفما كانت الفصيلة الخلقية، وحتى تدل من جهة أخرى على أن الجنس البيولوجي، هو المحدد الأساس لشخصية المرأة في صيرورتها الاجتماعية والثقافية.
لهذا فإن السيطرة الرجولية على المرأة تجد تبريرها الخلقي، وكل من سلم القيادة للمرأة تستلب منه سلطته ورفعته ونخوته، ويعيش مطأطأ الرأس بدون كرامة.
إلا أن تبخيس المرأة حقها في المساواة، يجعلها عرضة للعنف الذي يولد لديها ألما كثيفا، خاصة حين يوقد لديها أقسى التجارب التي مرت بها، ولقد دل القاص على الحديث الذي يدور حول هذا العنف بعبارة ساخرة، تدل بملفوظ إعادي على الدوران في الحلقة المفرغة: “كان الحديث يدور في جلسة حول النساء ضحايا العنف”(ضد العنف:14).
لذا لا غرو إن انشغل الرجل عنها، وهي تبثه شكواها، وكأن لا شيء يعنيه ، وإن عنفها، وآذاها في دخيلتها، وهجرها في المضجع، دون مبالاة بها، حتى أن ما يشبه الإذعان لحتمية الألم نشأ لديها (كأن الأمر لا يعنيه:18).
وهو قد يمعن في إيلامها إلى درجة قصوى تبلغ به اللذة السادية، حين يستمتع بمفاتنها الجسدية، ويتعالى عليها متى شاء في استيهاماته الجنسية، بينما هي تشقى أمامه في دور اجتماعي مرهق يلزمها جهدا وحركات، يترجمها إلى حركات جنسية مهيجة لرغبته الشاذة (ضلع استراحة الضمائر، ص:20).
إن علاقة الرجل بالمرأة، كما ترسمها لنا نصوص “قبلات في يد الهواء”، هي علاقة مرضية، وأشد ما فيها من المرض قابلية الرجل للانزياح عن الإنساني إلى الحيواني، حيث تتحول تلك العلاقة إلى علاقة مفتِرس ومفترَس، كما نجد في نص “نعجة فاطمة” (ص:34).
ولقد كان وعي المرأة بما آلت إليه عميقا، لذا فهي تصف الرجل في قرارة نفسها، بالعيب الذي لا يذكر مهما ذكرت العيوب (دش:15).
ولعل هذا ما يجعلها كلما تملكت قلبه، لا تطمئن بتاتا إلى عواطفه، بل تجد الفرصة مواتية لاستعباده كما استعبدها،(رأس الخيط:24). وبالتالي مواصلة البحث عسى أن تجد من تحبه، فيفكر فيها ويحبها (كأن الأمر لا يعنيه:18).
بهذا وذاك يتعلق الأمر في نصوص القاص، بقص يعكس الكائن في واقع المرأة والرجل، دون أن يتطلع إلى ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بينهما، لذا أتت صورة المرأة نمطية وهي الصورة الدونية المتداولة، التي ما انفكت تحط من كرامتها إذ تعكسها سخيفة العقل، مغلوبة على أمرها، لا تصلح إلا للعشرة الجنسية شريطة أن تكون فاتنة، كما أن صورة الرجل أتت هي الأخرى نمطية، فهو المسيطر الذي تحق له ذكورته حق السيطرة على الأنوثة، وفق فكر نمطي يشتغل تبعا لوصايا اعتباطية، دون أن يحمل نفسه عناء استثارة الأسئلة وتحريك البنى الذهنية.
ثانيا استراتيجية الاستخيال:
تُنشأ هنا للدلالة القصصية حيثيات جديدة، حيث يتم أثناء الانتقال في الكتابة من عالم الهويات الوجودية الواقعية إلى عالم الهويات التخييلية، انتهاج الصور اللفظية الخيالية الموحية بدل الصورالواقعية التصريحية، كما يتم الانزياح عن الدلالة المحايثة للألفاظ وجاهزية معناها، إلى الدلالة المساوقة التي ترتهن إيحاءاتها بتنافر بين المسند والمسند إليه.
إن الكتابة تبعا لهاته الحيثيات تعيد النظر في المقول القصصي، وكيفية قوله، والمرجع الذي يرجع إليه، ذلك أنها تقام على لغة انزياحية حركية، تعني معاني المعانى، وتبدع الواقع بالأخيلة، بدل استنساخه.
ولعل أهمية هاته الكتابة بالنسبة للطرح الجندري، تكمن في طواعيتها لاستدراج المتلقي للتحاور معها، ذلك أنها كتابة تعتري شبكتها البياضات الدلالية، التي تستحث المتلقي في سياق قراءتها على ملئها، وتنسيل أسئلتها بما تيسر له من أسئلة تاويلية.
ولنا بعد هاته الحيثيات أن نتساءل: إلى أي مدى تساق الأسئلة الجندرية في الكتابات القصصية المعتمدة مساق الخيال والتعالي عما يعوق تفعيلها فيه؟
إن من يقبل على قراءة المجموعة القصصية: “عندما يومض البرق”، للزهرة الرميج، سيجد الخيال فيها هو القادح لوقود محركها في كل النصوص، وهو المفجر لإشعاعاتها الدلالية، واحتمالاتها التأويلية. فالقاصة كلما تحدثت عن الواقع تعمد إلى تلبيسه بالخيال، وبهذا فهي إذ تكتب تكون آليتها في صنع شعرية الكلام وخياله، تعويلها على لغة التخييل الإيحائية العميقة التي تنزاح عن لغة التعقيل التقريرية السطحية، التي هي بخلافها لا يتجاوز معناها لفظها(9).
فنحن إن تعقبنا القرائن الخيالية المثيرة للدلالة على ما قلناه، سيستوقفنا نص سلطة (ص:42) المفعم بالخيال، فالقاصة فيه تصوغ نصها صياغة استعارية تصريحية، فتبدو لغة مقوله ذات مدلولين: أولهما مدلوله مباشر يدل على قلم، وهو عاجز أن يكتب ما عنّ له على صفحة بيضاء، ذلك أنه فقد شكله وتقلص إلى أقصى حد، وثانيهما مدلول غير مباشر يدل على القضيب، وهو عاجز عن أن يفتض غشاء البكارة، لأن الانتصاب لم يتحقق له. إن القاصة بهذا الخيال، تضع موضع تساؤل تلك الثنائية التراتبية القطبية غير المتكافئة، التي تتمثل في قطب فاعل مسيطر يتمثل في الرجل، وقطب مفعول به مسيطر عليه، يتمثل في المرأة، كما تضع موضع تساؤل تلك السلطة الذكورية، التي تخول للرجل أن يتلسط على المرأة، باعتبار قضيبه أو جنسه البيولوجي. ولعل قصدها بهاته المساءلة وتلك، هو أن تفنذ هذا الاعتبار وتبطل تلك القطبية، ذلك أن المرأة قد تهزم الرجل جنسيا، شر هزيمة فتنسحب عليه في الحين دونيتها، فتسحب منه في الآن ذاته هويته الجنسية البيولوجية، وهويته الجندرية التسلطية، ولعل هذا ما عبرت عنه بقولها عن قضيبه: “فوجئت به يتقلص بين يديها، ويتحول إلى مجرد هديبة تتلاعب بها الرياح”(ص:42).
وما دامت القاصة كما أشرنا سابقا، تعكس لنا صورة امرأة تضيق بالإطار، الذي أطرها به الرجل، وتتطلع مكسرة بعض أضلاعه إلى الحركية خارجه، فقد وجدت في الخيال ما يدل على هذا التطلع.
ولقد التمست القاصة الخيال وتعالت به حتى بلغت العجائبي، إذ أمكنها أن تبتدع جندرا جديدا، لا هو بالذكر ولا بالأنثى ولا هما معا، فهو مخلوق اجتماعي بطبعه، يبادل الجميع الحب، (الراقدص:55)، كما أمكنها أن تبتدع جنة دنيوية تسودها العلاقات الاجتماعية وفق صورة مثلى، لما ينبغي أن تكون عليه بعيدا عن الاعتبارات الجنسية البيولوجية.
إن استراتيجية الاستخيال، لدى القاصة تكفل لها فرصة التعالي عن الصورة النمطية، ومزايلة المجتمع الذي ارتسمها إلى مجتمع بديل تسوده المساراة.
أما إن استطلعنا استراتيجية الاستخيال، وفقما تشتغل في المجموعة القصصية: تجاعيد الزمن، لأمنة برواضي، فإننا سنجد النصوص في أغلب الأحيان تفصح عن الحقيقة بلغة تقريرية، ترتسم من فن القول الشفاف العلاقة بين الرجل والمرأة، حتى توهم القارئ بواقعيتها حكيا، وتوقعه في شراك وهم مرجعي، يجعله على بينة من وضعية متأزمة يعتبر إزاءها مسؤولا عما آلت إليه من تأزم.
وهي إذ تستبدل في هذا السياق الألفاظ الحقيقية بالألفاظ المجازية، وتنزاح عن المنحى الواقعي في اختيارها، تتخلل متخيلها القصصي آنئذ صور شعرية استعارية، تشرع الخيال وتدل على المفارقة المستلهمة منه، كما في نص “صور ومخيلة” (ص:56)، حيث تبدو الاستعارة المكنية متمكنة من الخيال، وهي استعارة حذف منها المشبه، وأقيمت فيها العلاقة بين المسند والمسند إليه على التنافر، قصد تشخيص المكان وأنسته، والدلالة على تماهي المرأة معه، إلى حد أن ما تراه فيه ليس سوى ما في مخيلتها من الصور التي تعكسها عليه نظراتها. ولعل المقصود بالصور هنا، هي تلك الصور النمطية التي أسقطها المجتمع عليها، فجعلها قيد زمن غير زمنها.
وقد يتحقق الخيال كذلك في نصوص القاصة بالتشبيه، إذ تشبه الحياة بمسرح أو قاعة من قاعاته الكبيرة، كما تشبه الحياة المعيشية بمسرحية تؤدى فيها الأدوار الاجتماعية، فتتحمل فيها ما لا يتحمله غيرها، إذ تكون مطالبة بتغيير الأقنعة والأدوار، التي تسند إليها بشكل اعتباطي(مسرح الحياة:34، ومسرحية الحياة:52)، وقد تشبه المرآة بحياة بديلة تسافر عبرها في العمر الجميل، إلا أنها لا تلبث أن تعود إلى واقعها المعيش (السخرية:50).
إن الخيال لدى القاصة ظل قيد ثنائية الرجل المسيطر والمرأة المسيطر عليها، دون أن يرتاد آفاقا تحرر من هاته السيطرة الجائرة.
أما إذا ما تعقبنا هاته الاستراتيجية في مجموعة: “همسات الروح” للقاص عبد الرحيم هري، فسنجدها في اشتغالها النصي ذات تجليين:
أولهما، نسقي يتمثل في تشغيل ألفاظ متناسقة، تشكل في علاقاتها الحقل الدلالي للخيال، الذي ينتظم وفقه النسيج اللغوي الدلالي للنص بأكمله، كما نقرأ في النص التالي:
حمامة
شكلها كهيئة طائر..
ولئلا تسبح في سماوات غير سمائه، قص جناحيها وشرع لها الأبواب.. (ص:46).
فالرجل هنا ينفذ عبر بوابة الخيال إلى المرأة، ويشكلها وفقما يريدها أن تكون، لا وفق ما تريد هي أن تكون، فهي لها أن تنعم بالحرية كما اشترطها لها، دون أن تتجرأ على حريته.
ثانيهما غير نسقي، يتمثل في تضمين تقريريةُ النص شذراتِ الخيال أو قرائنَه ، فتشكل ضمنها مفارقة موحية، كما نقرأ في النص التالي:
عطش
خاطبها بتودد، غدت حمامة تزين طوقها لالتقاط هديله.. في الموعد اللاحق انتظرت ذات التودد، حين كان هو يتقدم سربا مهاجرا..(ص:43).
فالواقع هنا يلتبس بالخيال، فتترتب عن التباسهما مفارقة قصصية، توحي برئاسة الرجل المرأة واستهانته بها في الآن ذاته، وعدم تقديره لعواطفها، واختزالها في لحظات استمتاعات عابرة.
ولعل ما يستثير الانتباه بصدد خيال القاص، كونه يستوحي خيالاته تبعا لتلك الثنائية القطبية غير المتكافئة، التي تجعل من الرجل سائدا والمرأة مسودة. فكأن الخيال يتحرك وفق تفكير نمطي مستنسخا بلغته المجازية حقيقة واقعية. لذا فهو لا يتعالى بتاتا في “همسات الروح” عما هو واقعي، ولا يخرج عن نطاقة، ذلك أنه قيد الصورتين النمطيين، اللتين ارتسمهما القاص للرجل والمرأة وفق استراتيجية الاستيقاع.
ولئن انتقلنا إلى تجربة القاص عزالدين الماعزي، في مجموعته “قبلات في يد الهواء”، فإن الانطباع الفوري، الذي سيرتسم في ذهننا لدى مباشرتنا قراءة النصوص الاستهلالية، هو ارتهان استراتيجية الاستخيال أولا بالحلم، إلا أن هذا الحلم الذي استهل به أول نص من نصوصه، لم يستثمر في افتراض واقع أمثل للرجل والمرأة، فهو التمسه منذ البدء، حتى يدل على أن الرجل الحق الذي تعتبره المرأة ويعتبرها، هو مجرد ذكرى ترسبت في لا وعيها منذ مرحلة المعيشة البدائية الطبيعية، ثم ترسبت في اللاوعي الجمعي في مرحلة تالية(أغنية، ص:11). كما التمس هذا الحلم حتى يخترق شرنقة لاوعي الرجل، ويوقفنا على ما يعتمل داخلها ويشكل هاجسه الأساس، فهو بعدما تملك سلطته على المرأة، يحلم بأن يتملك سلطة مركزية أوسع منها في منصب وزير بيده الحل والعقد (نام..أصبح وزيرا.. ص:21)، فالقاص في هذا السياق، يدع الأنا الداخلية تعبر بلغة الانكفاء إلى الذات، وتبرر سلوك الأنا الخارجية المتسلطة.
وكما ترتهن استراتيجية الاستخيال بالحلم، ترتهن كذلك بالسخرية التي تجعل اللغة هنا كذلك تشتغل على مدلولين، أحدهما مباشر والآخر غير مباشر، فالدوال اللغوية بهذا الاشتغال تتعالق تبعا لعلاقات إسنادية متنافرة، تجعلها غير متلائمة مع المداليل التي دعتها، ولعل هذا يتبين من خلال نص ضد العنف (ص:14)، ففيه إذ يلجأ القاص إلى تشخيص الحيوانات، يؤشر بالإيحاءات الواقعية إلى الهيمنة الذكورية من جهة، وما تلاقيه المرأة نتيجتها من تهميش وعنف اجتماعي من جهة أخرى، وقد ختم قصه بمفارقة صارخة وساخرة تُبين أن العالم الحيواني انعكاس للعالم الإنساني، وهي مفارقة دل عليها بجلاء بلغة مباشرة ، إذ استحضر بموازاة العالم الحيواني العالم الواقعي، حيث غيب الشخصيات التي من الممكن أن تجد حلا للعنف الذي يطال المرأة، وأسند الحديث إلى فعل “يدور” للدلالة على دوران الكلام العفوي غير المسؤول في الحلقة المفرغة.
وترتهن كذلك استراتيجية الاستخيال لدى القاص بالعجائبي، الذي تتحقق عنه وظيفة تشكيلية، تتمثل في إعادة ترتيب العلاقات الواقعية، وفصل الموصول، ووصل المفصول، وذلك بالقبض على معنى من المعاني، ليخلق ويولد منه معاني غير مألوفة(10).كما يتبين من خلال النص التالي:
راس الخيط
في رأس الدرب… قال لها: أنت تستحقين قلبي، اقتلع كلتا عينيه، وضع قلبه بين يديها، من يومها، صار وراءها أعمى
حين تلتفت إليه، تعدو، تضحك
يدها في يد آخر اختارته من العميان.(ص:24).
إن العجائبي هنا يدل على اللامألوف، في علاقة معيشية بين المرأة والرجل، وهي علاقة كما يبدو تتسامى عن المنطق العقلي المتداول ونطاقه الزمني والمكاني.
على هذا الأساس وذاك، أتت الكتابة الاستخيالية لدى القاص، رغم اعتمادها على إواليات عدة للخيال، مجرد إيحاءات بتلك الوضعية التنافرية، التي يعيشها الجنسان في علاقتهما ببعضهما البعض، وهي وضعية استجليناها خلا ل المستوى الاستيقاعي، دون أن يكون لها بديل في ما كتب القاص.
ثالثا استراتيجية التنصيص:
هناك إجراءات عدة تتيح للقاص العبور من المرجعي إلى المتخيل، ولقد حاولنا ضمن استراتيجية الاستخيال، الاستدلال على ما يمت بصلة إلى اشتغالها، لأن الاستراتيجيات في السياق النصي متفاعلة حتى أن الفصل بينها يبقى فصلا إجرائيا فقط.
ما سنروم استجلاءه هنا هو إجراء التلفيظ، أي الإجراء اللغوي الذي يصير وفقه المرجعي متخيلا، أو بالأحرى يصير ألفاظا مؤسلبة، وفق اشتراطات جنسية دالة على القصة القصيرة جدا.
إن ما يصادر عليه هذا الجنس الأدبي، باعتبار النماذج القصصية المعتمدة وغيرها، هو كون التفكير لا يطابق التعبير عنه، فهو بهذا لا يقول إن ما ينتظم من ألفاظ متناسقة يلم بما يصدر عن الفكر من معان إلماما شاملا، ويدل عليه بوضوح بشكل يشف عن الواقعي، كما تم التفكير فيه. إنما يقول خلاف هذا القول، مضيفا إن تلك الألفاظ إذ تعتمدها الكتابة في تسريد بناها الحكائية وتحبيكها ترضخها لإواليات الاقتصاد والإيجاز، والتكثيف، والإيحاء، فتترتب عنها بياضات دلالية، واحتمالات تأويلية، تضع الفكر الصادرة عنه تلك الألفاظ موضع مساءلة وتحاور، بحيث يكون الفهم عملية تستثير منطق السؤال والجواب، أي جدلية لبنائه وبالتالي بناء معنى المعنى.
وليس من المغالاة في شيء هنا أن نقول: إن جنس القصة القصيرة جدا أكثر تأهلا من الأجناس الأدبية الأخرى، لاستثارة الحوار حول التحيزات الجنسية أي حول الممارسات، والمعتقدات الجهلية، والأحكام المسبقة، والمفاهيم النمطية التي تهين المرأة، وتحتقرها في علاقتها بالرجل، كما أنه بهذا أكثر تأهلا منها لابتداع الصورة المثلى لعلاقة الجنسين.
لهذا إذا لم تتمكن القاصة أمنة برواضي، والقاصان عبد الرحيم هري وعز الدين الماعزي، من ابتداع صورة لعلاقة عقلانية بديلة بين الجنسين، بخلاف القاصة الزهرة رميج التي أمكنها أن تبتدعتها عن طريق الحلم، فإنهم جميعا كانت لهم في كتاباتهم من البياضات الدلالية ما بتيح طواعية استثارة الأسئلة حول علاقة تحيزية جنسية غير متكافئة.
ويعتبر هنا الحقل المعجمي للتحيز الجنسي، هو القاطع المشترك الذي تتقاطع حوله الكتابات المعتمدة، وهو يتضمن سجلين لغويين: أحدهما عربي فصيح مهيمن، اعتمدته القاصتان أمنة برواضي، والزهرة رميج والقاص عبد الرحيم هري، والآخر عامي يتوالج مع سابقه بشكل طفيف. ولعل القصد منه التأشير على مؤشر واقعي وإعطاء للقص صبغة مغربية.
وقد انتظم المعجم اللغوي انتظامات تقريرية، ذات دلالات حقيقية من جهة، وانتظامات إيحائية ذات دلالات مجازية من جهة أخرى، ولا ريب أن هاته المزاوجة التعبيرية ألانت قناة التواصل الأدبي من موقع القراءة والنقد، فبفضلها يشرع الإبداع على جدلية التحديدات واللاتحديدات.
ولعل الناظر عن كثب إلى إجراء التلفيظ في النصوص المعتمدة، يجد الألفاظ في تآلفاتها وتناسقاتها لا تؤسلب الواقع أسلبة ذاتية، وإنما تؤسلبه أسلبة غيرية، فتورد اللغة مسندة إلى ضمير الغائب، حتى يتم الإيهام بواقعيته، والدلالة على أن الكتابة مهما علت عليه باستخيالاتها تبقى منشدة إليه، فهي في تنوعها محكيات حياة معيشية موضوعية مشتركة، تجعل المسؤولية إزاءه جماعية.
وقد هيمن على نصوص القاصة الزهرة رميج زمن صرفي هو زمن الماضي، الذي ساوقه في السياق التركيبي الزمن النحوي المضارع، الذي اقترن بصيغته الصرفية بنصوص استهلت بملفوظات استعادية دالة على ما يتكرر حاضرا كلما استرسل الزمن، وذلك كما يتبين في نصوص: المرآة (ص: 10)، والأرجوحة (ص: 12)، ولعبة الألم: (ص:23)، ولعل القصد من هاته النسقية الزمنية، الدلالة على وضعية عايشتها المرأة ماضيا دون أن تعرف أي منعرج حاسم في تاريخها إلى يومنا هذا، حيث لا زالت هاته المرأة، تعاني من مضاعفاتها متحملة ما يترتب عنها من آلام تارة، وحالمة تارة أخرى بوضعية بديلة تعيد لها الاعتبار.
إن هاته النسقية نجد شبيهة لها لدى القاصة أمنة برواضي، التي هي الأخرى آثرت الزمن الماضي، واستحضرت الزمن المضارع، الذي لم يستقل به صرفيا وتركيبيا سوى نص واحد هو: مسرح الحياة (ص:34) المستهل بملفوظ استعادي، يدل على ما يستعاد مرات عدة، وهو ملفوظ يشير إلى أدوار اجتماعية، ما فتئت تناط بالمرأة فتشخصها مرغمة مرات ومرات. وكأن القاصة بهاته النسقية الزمنية، تود أن تقول لنا: إن ما عايشته المرأة ما انفكت تعايشه معايشة سيزيفية روتينية مملة.
شأن القاص عبدالرحيم هري في سياقنا هذا، شأن القاص عز الدين الماعزي، فهما معا يعتمدان على الزمن الماضي، الذي ينتظم وفقه النسيج النصي فلا يتخلله في تركيبته الزمن المضارع إلا نحويا، ولعل اعتمادهما على هاته النسقية الزمنية، يجد تبريره في كونهما يكتبان قصد تشخيص الواقع الموضوعي، لتلك القراءة القبلية النمطية التي تقيم العلاقة بين الرجل والمرأة على اعتبارات بيولوجية جنسية.
لهذا وذاك أتى السرد بصيغة الماضي سردا لاحقا، أي سردا تاليا فيه زمنُ قصه زمنَ قصته، كما أتى بصيغة المضارع سردا متزامنا، أي سردا تطابق فيه زمن القص مع زمن قصته، وهو سرد ورد لدى القاصتين أمنة برواضي، والزهرة رميج.
إنه لبوسعنا الآن بعد تدرجنا على هاته الاستراتيجيات الثلاث، أن نستنتج أن الكتابات القصصية المعتمدة، لم يتبلور لديها بعد الوعي الجندري بشكل نسقي، فباستثناء القاصة الزهرة رميج، كانت الكتابات عبارة عن خطابات تنديدية، تندد بعلاقة غير متكافئة بين الرجل والمرأة، نتيجة اعتبارات بيولوجية أو سوسيوثقافية مغلوطة، دون أن تحمل نفسها عناء تحريك هاته العلاقة، حتى تحقق لها التوازن الجندري، ولعل هذا مرده إلى الانشغال بالتمايزات بين الجنسين لتبرير العلاقة النمطية، بدل الانشغال بهاته العلاقة الثابثة، لبث الحركية فيها تبعا للحركية الاجتماعية.
إن القاصة زهرة رميج تنبهت في نصوصها إلى هاته الحركية، فعبرت في نصوصها عن علاقة، بلغت بها حرية جندرية مثلى، أهلتها إلى أن تنتقد النمطي والاعتبار البيولوجي الذي يبنى عليه، وأن تدل على حركية الجندر تبعا لحركية اجتماعية وثقافية، وأن تتصور من وحي المعيش صورة مثلى للعلاقات الاجتماعية بين الرجال والنساء، وهي علاقات تقوم على المساواة والعدالة الجندريين.
هوامش
*هاته المقاربة ألقيت مداخلة ضمن فعاليات ملتقى فاس للقصة القصيرة جدا، يوم 4 نونبر 2019، وهي مقاربة تعد ريادية في مقاربة المنظور الجندري في الإبداع القصصي على مستوى الوطن العربي.
(1). عبد الصمد الديالمي: الانفجار الجنسي والجندري، مهرجان تويزا، الدورة: 15، ندوة القيم في العصر الرقمي، طنجة، من يوم الخميس 25 إلى يوم الأحد 28 يوليوز 2019.
(2). نفسه.
(3). الزهرة الرميج: عندما يومض البرق، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2008.
(4) . أمنة برواضي: تجاعيد الأسد، دار الريف للطباعة والنشر والتوزيع، الناظور، 2013.
(5) . عبد الرحيم هري: همسات الروح، مطبعة بوجوب، الدار البيضاء، 2016.
(6). عز الدين الماعزي: قبلات في يد الهواء، مطبعة دار القرويين، الدار البيضاء، 2011.
(7) . رشيد بنحدو، جمالية البين – بين في الرواية العربية، منشورات نادي الكتاب بالمغرب، مطبعة الكتاب، فاس، 2011، ص: 66
(8). عبد الصمد ديالمي: سوسيولوجيا الجنسانية العربية، دار الطليعة، للطباعة والنشر، بيروت لبنان، ط:1، 2009، ص:16.
(9) . أدونيس: الحوارات الكاملة:1 1960- 1980، بدايات للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، دمشقن سوريا، ص: 96.
(10). حسين خمري: الأقاويل الشعرية والمرآة: من المحاكاة إلى التخييل، مجلة الحياة الثقافية (التونسية) ع:44، أكتوبر، 1987، ص:54.