مطرود دون شروط

بقلم: الأديبة المغربية مالكة عسال

ركل الاغطية بقدميه، ثم هب منتصبا بحركات متثاقلة، يفرك عينيه بأصابعه، وغصة المرارة تضيّق الخناق على تفاحة آدم التي نبتت كعربون بلوغ الرشد، ويا ليته ما خرج من رحم أمه، ويا ليته ما أحكم الزمان عليه القيود، ويا ليت ما رأى النور في هذه الدنيا المشؤومة، ويا ليت ما نبت له شعر في هذا الدقن، حسب حوار خفي يتصاعد بركانا من صدره، تعكسه علامات التجهم المنسرحة على محياه، يطقطق أصابعه، يتأفف، يشكو من زمن الخيبات الذي أوجعه بحِمل، لا تطيقه نوق..

… في الزاوية الأخرى من البيت حمامة سربه بين صغارها الزغب، تدني سقفا من مشاعرها، لتصُد صاعقة قد ينبلج عليها الصبح، فتُفجر كارثة دون أن تعير اعتبارا للطفولة البريئة.. أفاقت لكن تظاهرت بالنوم، وأسدلت شالها على جبينها، تتلمس في ذلك، لحظة ليّنة خالية من الرعب والزمجرة، والزعيق والنعيق، كأشهى أطباق اعتادت عليها قبل وجبة الفطور.. تسلل كالرمح من غمده في صمت، وتقدم بخطوات ظريفة، وسحب ملابسه بهدوء، سوّى هندامه، ثم غادر موصدا الباب خلفه دون أدنى حركة مزعجة.. نهضت الزوجة مسرعة تخالجها دهشة، تسارر نفسها بركام أسئلة مترادفة، علقته على مشجبها (ما الذي حصل هذا اليوم، كيف لم يقلب البيت كعادته حلبة عراك، ؟؟؟) (ما السر في ذلك؟؟؟)…

هكذا نحن حين نألف عادة وتتغير في لحظة ما، يساورنا الشك ونحتار في الأمر..

اقتربت من الباب بخفة فراشة، قذفت عينيها من ثقب المفتاح تصغي إلى خشخشة أو نحنحة، أو هنة.. لا أثر، لا حركة، سكون ميت مخيم على عتبة الباب؛ تنفست الصعداء، ثم دلفت إلى المطبخ، بنشوة تردد في نفسها (اليوم استثنائي ليس كسائر الأيام… عجبا) بحركة سريعة هيأت الفطور، وعادت إلى فلذات الأكباد، تبسط عليهم ظلال الفرح…

الحقيقة جملة من الأشياء والعوامل تقض مضاجعنا، وتجعلنا في حيرة من أمرنا، ترعبنا تحزننا، تغمسنا في تفكير لا منقطع، خاصة إذا باغتتْنا بما هو مرفوض من قائمتنا، أو مثقل على كاهلنا، أو يتنافى تماما مع ما هو مأمول ومتطَلَّع إليه… فصاحبنا كانت تثور جائحته ليس نكاية في زوجته، ولا ليعكر الجو على أجزاء من كبده، وإنما هي ثورة وتمرد، على أيام صارت كالفك السفلي تتحرك لتقضم… وانتهى.. أو ككفتي ميزان، تارة ترجح بالمفرح وأخرى بالمؤسف…

كان صاحبنا مطمئنا في عمله الذي هو في الحقيقة بحجم الكف، يتحقق لشبابنا اليوم بمرارة رغم الشهادات، ووفق هندسة مخطط لها، يصُر في جرابه 3 أهداف إن أراد ان يصبح فردا له كيان ووجود…

ـ أولها زواج وإنجاب أطفال

ـ ثانيا شراء بيت بحجم وصيدة كلب وسيارة صغيرة بقروض، مما يجعل راتبه يتطاير قصاصات قبل الوصول إلى جيبه…

ثالثا الصراع معهما طول عمره يدحرج صخرة سيزيف نحو القمم الشاهقة، غارقا في حيّزه الضيق حتى الأنف.. وويل لكل همزة إن تعداها، أو سولت له نفسه أن يجاوز مستوى طبقته المحكوم عليها بالقيود السابقة،.. خيوط في قبضة يد فوقية، ستظل تراقص ضحاياها حتى آخر رمق، ويظل المرء حبيس هذه الخانات تنقر اختياراته باستمرار، وتحطم أحلامه دون توقف..

على كل أعود والعود بدء إلى صاحبنا، الذي ركض هذا الصباح بملامح مشرقة، وهدوء عارم، وسيعود مساء على محاكمة عسيرة قد تطول..

فبعد عطالة دامت ثلاثة أشهر، من شركة اجتاحتها ريح الإفلاس، تسببت في نشوب حرب ضارية في البيت، أحرقت أجواء السعادة، وأذبلت غصن التفاهم، كان معها صاحبنا يعض في الصخر لتستمر الحياة، مواجها أشباح الديون، والمصاريف، وحين يطفح كأس الضيق تهز اللحظات وتيرتها، وتأتي على الأخضر واليابس من مزاجه…

واليوم أشرقت الشمس من جديد، لتعوض ما داسته حوافر الإكراهات الزمنية في واحة الضباب، ويعود السيل إلى مجراه.. وتستمر الجندية…

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد