حلمٌ… آه.. لو يتحقق !!!!

 

بقلم :الأديبة المغربية مالكة عسال

حج إلى المكتب كالعادة أمام زمرته من الكتب، وركب صهوة التحدي، ينمي موهبة لم يخترها، ولا كان له موعد معها وإنما نزلت قدرا، فاحتضنها بكلتي يديه بشغف كبير، باعتبار المطالعة وسيلة لتنمية الفكر، والإجابة عن أسئلة شائكة ملغزة حول الذات والوجود، وإدراك سر العلاقات بين الكائنات الإنسانية، وكشف ما تنغلق عليه عوالم الطبيعة، ليس أملا في الشهرة، ولا اختيارا للقب، وإنما إحقاقا للكينونة والوجود الإنساني، وتثبيت الذات، وترك بصمة براقة في جذر التاريخ…

كان ينتقى دزينة من الكتب من مختلف مشارب الثقافة، ويشرع في مطالعتها بالترتيب كتابا كتابا، بقراءات متأنية معمقة فاحصة، حتى إذا أتى عن آخرها، بحث عن الجديد في غيرها.. فنهل من أمهاتها، ما وفر له زادا محترما من المعرفة وأغنى محتواه الثقافي، غَرَفَه من معين أدبائها الأساتذة الكبار، فتشرب قيم السلوك، ووعى بمصادر الأخلاق النبيلة، وتهذيب النفس.. ”افتحْ الكتاب، تأتيك الأنفاق المظلمة بضوء مدهش” على حد تعبيره.. فالكتاب بوصلة من نور، تضيء سراديب النفس، تستدرجك نحو الشرفات المقمرة، لتفتح أمامك الآفاق الشاهقة، فتهدم كل ما يعتريك من قمم منتصبة، وتردم ما يصادفك من الأغوار العميقة؛ هو الأنيس في وحشتك، الرفيق الأسمى الذي يبادلك ألسنة البوح، ومكنون الروح، فيه تضع وديعة أسرارك، وبين ثناياه تجد بلسما لجراحك، يناغيك بسعة صدره كلما ضاقت بك الدنيا، ويكظم غيظك، حين ترتج غضبا.. في غمرة الشرود تعود به الذاكرة، ليجيب عن سؤال أستاذه…

ـ ماذا تتمنى كمهنة في المستقبل يا بني ؟؟؟

ـ لا شيء أستاذي غير الدراسة والمطالعة حتى آخر رمق من عمري، وأبلغ نهايتها لو كانت لها نهاية..

ـ أسألك عن المهنة/المهنة ماذا تريد أن تصبح في المستقبل ؟؟

ـ مدرسا ليستمر التصاقي بالكتب..

“عجيب أمري تمنيت التدريس، لأخلق صداقة مثلَى مع الكتب، وما الفائدة في زمن تذبح فيه الدولة الثقافة على مقصلة الإحباط ؟؟؟ وتنصب أمامك موارد الرجوع إلى الخلف، وتحارب بشدة منابر التوعية والتنوير، وتذكي بجهد تام، ما يدعو إلى التلهية وتجميد الأذهان، وتحجر الأفكار” لخلق جيل بدويّ التفكير، أمي، جاهل، ينظر قيد قدميه، لا تنقره أسئلة حول الأوضاع، ولا يتطلع إلى مستقبل مرموق، ولا يحلم بلحظات أنيقة ترفع من شأنه إلى فوق، ليعيش في أبراج عالية بقطوفها الدانية.. جيل يفكر بأبسط سبل العيش، للحصول على بيت بحجم وصيدة كلب، وسيارة اقتصادية صغيرة، وبناء عش زوجي قدر المستطاع وأطفال، بقروض تنهك الجيب، وتظل تركض خلفه مدى الحياة…

وما تبقى من البشر، يواجهون سياسة التكالب من قبل مصاصي الدماء، ليعيشوا أيامهم الشمطاء في معركة مسعورة، مع غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، وتقزيم الرواتب.. وويل لكل همزة لمزة  لو سولت له نفسه  فتح لسانه…

في غمرة تصفح إحدى الكتب، داعبتْه سنة من النوم، فوجد نفسه في محفل غريب بساحة عمومية كبيرة، وخيام منصوبة محاطة بسياج، مزينة بأشرطة ملونة ولافتات، وباقات من الزهور، تحفه وجوه مستبشرة بابتساماتها المنفرجة.. يتقدم نحوه رئيس الحكومة ــ ليس رئيس حكومتنا نحن ـ بانحناء واحترام بليغين، يقبل يده ورأسه ويسلمه المفاتيح قائلا بصوته الجَهِرِ…:

أعلن أمام الملأ، وبكامل قواي العقلية، أنه اليوم بتاريخ غير محدد، وإلى أجل غير مسمى، تمّ إعفاء البرلمان بجميع أعضائه ونوامه وعشاقه وأبالسته، والوزارات الوصية بكافة عشاقها ومعارفها، ومرتشيها ومراوغيها ولصوصها، والأحزاب السياسية بكل أوعيتها الفارغة، وسياساتها الهشة المفلِسة، المفلّسة، ونبراتها وشعاراتها الرنانة الجوفاء، وكافة المنظمات مهما كانت مسالكها ومسارتها وإراداتها وتوجهاتها من مهامهم المُوكَلَة إليهم.. وباسم المثقفين والأدباء والفلاسفة، ومجانين الكلمة الناهضة، وحماق الحرف الجريء، والدراويش والفقراء، وضحايا التنكيل السياسي العشوائي الفوضوي الظالم، تمّ تتويجك رئيسا للشعب بكل أطيافه وشرائحه، وتعييين المثقفين بكافة مشاربهم الثقافية سلاطين البلد وخدامها؛ لقد آن الأوان لتتقلدوا أنتم المناصب، وتملؤوا الكراسي إلى أن تقوم القيامة.. فالبلد أمانة في أعناقكم، وأنا متأكد من أنكم ستنهضون بها، لتصبح في مصاف الدول الراقية.. اهتزت الساحة بالتصفيقات والهتافات، وتعالت الأصوات الصاخبة، ارتاب لها صديقنا، فنهض من كرسيه متحمسا، ليقدم بطاقة ترحيب وشكر، فانكفأ على بطنه ممدا…. ثم طفق  يفرك عينيه متمتما، وقصد الحمام.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد