الأديبة المغربية مالكة عسال
امتطت هودجها الفاتن إلى برجها العالي، لتمحوَ مرحلة تأسست على الذنوب والأتعاب والمسالك الضبابية، تجر عربة الأسرة في المنحدرات الضيقة والشاهقة، تنحتُ من لحمها وعظامها، لتغلق الأفواه في يوم ذي مسغبة، نوع من الكد القاتل تمسح بكفه وجوه سبعة بؤساء، لا تدري كيف فرّختهم الأيام أولاد غَيْل متتابعين، لم تفلح معه حبوب الحمل، ولا عمليات تحديد النسل.. تلمظت المسكينة من مختلف أنواع المُر، وثابرت على قيادة العجلة دون شكوى؛ احترفت العديد من مِهن البؤس، تعرضت فيها للمهانة والمذلة.. الأمر المعهود لدى الأغلبية، من هو أدنى يُعامَل بالدونية والاحتقار، مرفوض بقسوة من المجتمع في جميع المجالات، ولدى كافة المؤسسات، في ظل ايام أصبحت فيها المساحيق، والحراشف بدل الجوهر تزغــلل العيونَ ولو على طينة من الكذب والرياء… تسلل نصف عمرها وهي لا تدري، تعض في جلدها، حتى اشتد لين عظام إخوتها، لا يهم إن فدَتْهم بإطفاء نورها من بيت العلم، أو تأخرها عن الركب..
تنصلت من زاوية المسؤولية، متدحرجة نحو عوالم من وجهة أخرى مع فارس أحلامها، في كوخ على السطح لا يتجاوز بضعةَ أشبار، بعد أن أطل الفرج أخيرا من كتلة الضباب الفسيحة، لما تبوأ أحد إخوتها مقصورة القيادة، وإن كان الراتب بقبصة ملح، فهو على الأقل يسد بعض الحاجيات الصغرى، وبالتالي يعفيها من وطأة الزمن الحالك..
سلّمت القائمة إلى أخيها وانسحبت، لتعيد القدَر بنفس الترتيب، تفريخ البنات والأبناء دون حسيب أو رقيب، إذا كبروا (قالت تحاور نفسها) سيصبحون عائدا مربحا على أيام شقائها، نفس العقلية ترى في الذرية رجاء في نهاية المطاف (يمشيوا لخديدات وتجي أيام لوليدات).. ناسية أن الزمن في الرقع المنسية غير الزمن، والنسل غير النسل، والأهداف غير الأهداف، والرؤية تختلف كليا من جيل إلى جيل، لم يعد بود جيل اليوم تقاسم المهام والهموم مع الأولياء والآباء، بل ركبتهم النرجسية، فأصبح الهَمّ الحصول على (الدجينز)، والحذاء الرياضي بأغلى ثمن، وثقب الأذن، وحلاقة (خالف تعرف)، وتطريز الجسد بالوشم، وتربية (كليب) من استطاع إليه سبيلا أكلا وتلقيحا ووو…
فتفجّرَ عن ذلك موت المشاعر الإنسانية، والحس الروحي، وأساليب الانتحارات، والاغتيالات بأبشع ألوانها حتى في مَن هم أقرب.. قيم نبيلة داستها حوافر التلاشي، لتحل محلها أبشع التصرفات المشينة والمرفوضة تماما.. فالتاريخ أعاد نفسه، ليجثم القهر على ركبتيه في حضنها، تداريه بتقلد مسؤوليات العمل في البيوت، وتنظيف سلالم العمارات، والمكاتب.. كالنحلة تَجْمعُ شُح الرحيق من أزهار ذابلة…
يكبر الجميع في حقبة مدتها اثنان وستون سنة، وتبلغ صاحبتنا سن الثمانين وهي تحجز مقعدها في بقعة من السطح دون أدنى شروط العيش، لا ماء، لا كهرباء لا نوافذ، غرفة مظلمة مرقعة بأقمشة وقطع من خشب وقصدير، تنخر جسدها جحافل من الأمراض، ولا أحد من أبنائها يملك ذات اليد لعلاجها، أو إطعامها، تعيش على فضلات ذوي القلوب الرحيمة، وبعضِ مَن وخزَهُ الحس بوضع إنساني ضحل تقشعر له المشاعر.. بينما لو أعيد النظر في هندسة وتخطيط البَرَامِجِ وَالْمَشَارِيعِ الاِقْتِصَادِيَّةِ مَعَ تحديد الأَهْدافِ وَصياغة التَّطْبِيقِ وَالتَّنْفِيذِ بِعَيْنِ الاِعْتِبارِ والضمير الحي، والتفحص الثاقب للأوضاع الإنسانية، الشيء الذي لا يخدم تضخيم الرساميل، ولا يهتم بتنمية الأرصدة الخاصة، وشملت الرؤيا جميع أجنحة المجتمع، بكافة شرائحه ومؤسساته، مع صقل القوانين وتطبيقها، لما عاش البعض منا (عيشة الذبانة في البطانة)….
في خضم هذه الأوضاع المؤلمة، وبجسد أصابه الوهن، وبتنكيل فاحش، ينقض على الغرفة سلطاء من رجال الشرطة بصفير سياراتهم، وأزيز دراجاتهم، يتقدمهم صاحب المسكن بكرش مندفعة، ووجه كالطبل تنسرح عليه ابتسامة الغرور العريضة؛ وكأنهم سيحررون بقعة من الكرة الأرضية من قبضة طاغية، ليرموا العجوز قشّة على قارعة الطريق بين فكي موت بطيء بلون الغراب…