الإتيقا والأخلاق عند بول ريكور مفهوم “الإيتيقا الصغيرة”

الأستاذ. محمد الهلالي

1

ازداد بول ريكور سنة 1913 وتوفي سنة 2005. عاش يتيم الأب والأم منذ طفولته المبكرة. عاش مع جده وجدته. انغمس في قراءة الكتب عوض التمتع بالألعاب كباقي الأطفال. توفي أبوه في الحرب العالمية الأولى سنة 1915. وتوفيت أمه في نفس سنة ولادته.

نشأ وسط النصوص، وتعلم الفلسفة من نصوصها. يقول عن نفسه في عبارة ساخرة: “إنه مهووس النصوص” (obsédé textuel). هو مسيحي بروتستانتي. ورفض أن يُنعت بالمفكر المسيحي. وكان يطالب بأن يُنعت بالفيلسوف.

2

إبان هيمنة البنيوية، انكب ريكور على دراسة أعمال فرويد طيلة خمس سنوات. كانت نتيجة هذا الاهتمام هو نشره سنة 1965 لكتاب تحت عنوان “De l’interprétation, essai sur Freud” (وهو الكتاب الذي تمت ترجمته تحت عنوان: في التفسير، محاولة في فرويد، ترجمة وجيه سعد، الطبعة الأولى: 2003، أطلس للنشر والتوزيع، سوريا). ولقد كتب هذا الكتاب لمحاورة المحللين النفسيين، فاستدعاه جاك لاكان لحضور حلقته الدراسية الشهيرة (السيمنير). وكان لاكان سعيدا بحضور ريكور لحلقته الدراسية. وما كان يبحث عنه لاكان هو الحصول على ضمانة من الفيلسوف. لكن ريكور لم يشر لجاك لاكان في كتابه عن فرويد إلا مرتين. وهو ما أغضب لاكان غضبا شديدا. فهاجم ريكور، وشكك في فهمه لفرويد. كما تعرض ريكور للاحتقار والاستهزاء من طرف أنصار لاكان. واتهموه بسرقة مفاهيم لاكان وعدم فهمها.

ومع هيمنة فكر ألتوسير ولاكان وفوكو في نهاية الستينيات، صار ريكور موضوع سخرية عامة. بلغت أوجها لما صار عميدا لكلية نانتير سنة 1970. حيث وضع الطلبة المحتجون سلة مهملات فوق رأسه، فاشتهر بعميد سلة المهملات (le doyen de la poubelle). بالرغم من أنه كان لطيفا ووديا، ودافع عن كوهن بيندت (ِCohn Bendit) وهنري لوفيفر (Henri Lefebvre) وألان تورين (Alain Touraine).

سوف يُتهمُ بأنه لم يفهم معنى البنية والبنيوية، وأنه ظل متمسكا بمفهوم الذات. وسوف يغادر فرنسا ليدرس في بلجيكا (جامعة لوفان المسيحية) ثم في أمريكا (جامعة شيكاغو).

3

يقول ريكور عن انتمائه الفكري: “أنتمي لثلاث مرجعيات: أ) التقليد اليوناني: فأرسطو يظل دوما حاضرا في كتابي. لقد استعرت منه العبارة التالية: “الرغبة في التمني العميق لحياة مكتملة”.  ب) التقليد اليهودي المسيحي: ويتضمن أول صياغة للقاعدة الذهبية التي تقول: “لا تفعل للغير ما لا ترغب في أن يُفعلَ بك”. ج) التقليد النقدي: النهضة والأنوار”.

يوصف فكر ريكور بأنه فكر جدلي، لا يؤدي إلى تركيب في الأخير وإنما يقود إلى تعدد المعاني. لا نتائج نهائية. فكر يفكك نتائجه ويثبت عدم صلاحيتها بعد الوصول إليها. يشبه المنهج الأفلاطوني الذي لا يقود إلى تعريف نهائي لموضوع المحاورة.

يرى ريكور أن المفكرين الكبار يصحح بعضهم بعضا باستمرار: فينبغي في نظره تصحيح كانط بواسطة هيجل، وتصحيح هيجل بواسطة كانط، وتصحيح أفلاطون بواسطة أرسطو.

ولقد ظل ينتقد الكوجيطو الديكارتي باستمرار، منطلقا من أن هوية الذات ليست معطى جاهزا دفعة واحدة. ويعتقد أن عبارة “أنا أفكر إذن أنا موجود” يمكن أن تصبح “أنا أؤول، إذن أنا أصير كائنا آخر”. (j’interprète donc je deviens).

4

يرى بول ريكور أن المتخصصين في مجال فلسفة الأخلاق غير متفقين  حول معنى كل من كلمة morale  وكلمة éthique. كما أن الاشتقاق اللغوي لا يفيد في تحديد الفرق في معنى كل من الكلمتين، لأن كلمة éthique يونانية الأصل، بينما كلمة morale رومانية الأصل. وهما معا تحيلان على معنى واحد هو آداب التصرف والسلوك. وبالرغم من الاتفاق حول ضرورة استعمال الكلمتين فليس هناك اتفاق حول طبيعة العلاقة بينهما.

لذلك قرر ريكور أن يجعل من كلمة morale كلمة مرجعية ثابتة وإعطائها وظيفة مزدوجة هي:

ـ أن تشير للمعايير المحددة لما هو مسموح به ولما هو ممنوع

ـ أن تشير للشعور بالإلزام.

أما كلمة éthique فلقد جعلها تتفرع إلى فرعين:

ـ فرع من الإيتيقا هو منطلق المعايير (الإيتيقا الأولى أو السابقة)

ـ فرع من الإيتيقا هو منتهى المعايير (الإيتيقا اللاحقة)

ولا توجد حسب ريكور إيتيقا مرجعية واحدة. فالإنسان تتجاذبه عدة إيتيقات. فلا وجود لإيتيقا واحدة تعتبر صالحة وجيدة. هناك تعدد في القيم وفي الإيتيقات، والإنسان في حاجة لتعدد الإيتيقات.

يرى ريكور أننا نكون أمام مشكل أخلاقي لما نكون في مواجهة معايير، وإلزامات، وممنوعات. ولما يضعُ الإيتيقا قبل الأخلاق فإنه يقصد بذلك أن هناك وجود لشيء ما سابق على المعيار والإلزام والمنع. وهذا الشيء السابق على الأخلاق هو الرغبة في حياة مكتملة. وهو هنا يستبدل كلمة السعادة (كما توجد عند أرسطو) بعبارة “حياة مكتملة”. وهذه العملية تمكن المرء من ربط الصلة بالآخر، لأنه لا يمكنه تمني الرغبة في حياة مكتملة إلا في علاقة الصداقة والمحبة. لذلك يعرف الإيتيقا بأنها “تمنّي الحياة الجيدة والخيرة مع الآخر ومن أجل الآخر داخل مؤسسات عادلة”. إن الحديث عن الإيتيقا يقتضي الانطلاق من قناعة بوجود “حياة جيدة وخيرة”، لذلك يجب استهدافها.

يقول بول ريكور: “ماذا عن التمييز المقترح ما بين الإيتيقا والأخلاق ؟ لا شيء في علم الاشتقاق أو في علم استعمال المفردات يفرض ذلك. فأصل إحدى الكلمتين يوناني، وأصل الكلمة الأخرى لاتيني، وكلاهما تحيلان على الفكرة الحدسية المتعلقة بآداب السلوك والتصرف، إلى جانب الدلالة المزدوجة التي سنعمل على تفكيكها لِما يُعتبرُ جيدا وخيرا، ولِما يفرض نفسه كإلزامي. لذلك فمن باب الاصطلاح سأستعمل كلمة إيتيقا لتدل على استهداف حياة مكتملة، وأستعمل كلمة أخلاق لربط هذا الاستهداف الإيتيقي بمعايير تتميز بالطموح للكونية وبنتيجة ناتجة عن الإكراه في نفس الوقت” (Ricœur, Soi-même comme un autre, Seuil, 1990, p. 200).

ويفسر ريكور مصدر موقفه هذا كما يلي: “سيتم التعرف بسهولة في التمييز بين الاستهداف الإيتيقي والمعيار التعارض بين إرثين هما: إرث أرسطي حيث تتميز الإيتيقا ببعدها الغائي، وإرث كانطي حيث تعرّفُ الأخلاق بخاصية الإلزام المفروض من طرف المعيار، أي تعرّف من وجهة نظر ديونطولوجية”. (نفس المرجع، نفس الصفحة). ويرى ريكور أن هناك “أولوية للإيتيقا على الأخلاق، أي أولوية للاستهداف الإيتيقي على المعيار. فدور الأخلاق هو إعطاء المعيار مكانته الحقة دون أن تكون له الكلمة الأخيرة”. (نفس المرجع، ص 202). (لم يطور ريكور مفاهيمه الخاصة في مجال الأخلاق وإنما لجأ إلى مفاهيم أرسطو وكانط).

ما هو الاستهداف الإيتيقي ؟ “الاستهداف الإيتيقي هو استهداف حياة جيدة وخيرة مع الغير ومن أجل الغير وداخل مؤسسات عادلة“. وهذه العناصر الثلاثة المحددة لمعنى الاستهداف الإيتيقي تحقق الصلة ما بين الذات (القادرة على تقدير ذاتها) وبين القريب (الآخر) وبين طرف ثالث يجسد الحق على المستوى القانوني والاجتماعي والسياسي. كما يرتبط استقلال الذات بالعناية بالقريب (الآخر) وبالعدالة. إننا نلج مجال الإيتيقا عبر قولنا “نعم”. أي عبر الإيجاب والتأكيد على ما هو إيجابي، عبر الثقة، منذ البداية يكون موقنا إيجابيا ويظل إيجابيا في جميع الحالات تجاه أي موضوع كان (مثلا: التقنية إيجابية، الرغبة في كل شيء إيجابية… نثق في أننا نتوجه نحو الإيجابي وليس نحو السلبي. أما مجال الأخلاق فنلجه من باب السلب، أي نلجه ونحن نشعر بأننا كائنات تشكل خطرا على الآخرين وقادرة على إلحاق الأذى بهم (الشر) وقادرة على إلحاق الأذى بأنفسها. وبما أن الشر موجود فإننا في حاجة للحد والمنع أي في حاجة للأخلاق كواجب.

ويتم الانتقال من الإيتيقا إلى الأخلاق لما يعترضُ العنف الرغبة في تحقيق حياة جيدة وخيرة. لأن الأخلاق هي مجموع الأوامر القطعية.

“الإيتيقا الصغيرة”: هناك عبارة تشير بوضوح إلى موقف بول ريكور  من الإيتيقا والأخلاق وهي عبارة “الإيتيقا الصغيرة”. لم يكتب بول ريكور أي مؤلف مخصص كليا لمسألة الإيتيقا والأخلاق. لكنه اكتفى بالحديث عما يسميه “بالإيتيقا الصغيرة” في ثلاث دراسات (الدراسة 7: الذات والاستهداف الإيتيقي، الدراسة 8: الذات والمعيار الأخلاقي، الدراسة 9: الذات والحكمة العملية) ضمن كتابه (Soi-même comme un autre) والذي تمت ترجمته للعربية تحت عنوان: (الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2005). وينبغي التمييز في هذه الإيتيقا الصغيرة بين ثلاث لحظات مكونة لها وهي: لحظة الاستهداف الإيتيقي لما يُعتبر جيدا وخيرا، ولحظة المعيار الأخلاقي أو القاعدة الأخلاقية المتميزة بالواجب والإلزام، ولحظة الحكمة العملية بالمعنى الخاص الذي يقدمه ريكور. يمكن الحديث عن مثلث إيتيقي عند ريكور يتكون من: قطب الـ “أنا” (الفاعلة) (je)، وقطب الـ “أنت”، وقطب الـ “هو”. وبتعبير آخر: لحظة الانشغال بالذات، ولحظة الانشغال بالآخر (الغير) ولحظة الانشغال بالمؤسسة. والإيتيقا الصغيرة يتم التعبير عنها من طرف ريكور في هذه الجملة الأساسية: “الاستهداف الإيتيقي لحياة جيدة وخيرة مع الغير ومن أجل الغير في مؤسسات عادلة”. ولفهم معنى الإيتيقا الصغيرة يرى ريكور أنه ينبغي التمييز بين ثلاث لحظات: أ) لحظة الاستهداف الإيتيقي لحياة جيدة وخيرة وهي لحظة أرسطية وغائية، ب) لحظة المعيار الأخلاقي الذي يفرض نفسه كملزم (وهي لحظة كانطية وديونطولوجية، ج) لحظة الحكمة العملية (وهي لحظة ريكورية).

الحكمة العملية: ما أغفله كانط وأبدعه ريكور هو الحكمة العملية. أي مستوى صراع الواجبات، الحيرة بين تصورات مختلفة عن الواجب. مثلا: الواجب حسب أنتيجون، والواجب حسب كريون. نحن أمام تصورين كونيين للواجب، لكنهما صحيحان معا رغم كونهما متعارضين ومتصارعين. أدخل ريكور مستوى “الحكمة العملية” من خلال المأساوي (التراجيدي). لأن الإيتيقا تظل سجينة الصراعات والخلافات التي قد لا تجد لها حلا. يقول ريكور: “إذا كنتُ قد اخترت أنتيجون فلأن المأساة تقول شيئا فريدا حول الطابع الضروري للصراع في الحياة الأخلاقية (…) ما تُعلمُه أنتيجون حول المصير المأساوي للفعل البشري (…) هو ضيق زاوية الالتزام لكل شخصية من شخصيات هذه المأساة” (ريكور، مرجع مذكور سابقا، ص 290). يحصل أن يكون الإنسان ممزقا بين إيتيقتين: إحداهما تتحمل مسؤولية القتل لضمان استمرارية الدولة ويكون للقضاء والعدل وجود، والثانية تتحمل مسؤولية الخيانة لتقديم شهادة عن استهداف غير عنيف للحياة الجيدة والخيرة. ونجد ذلك أيضا عند فيكتور هيجو في رواية البؤساء. فالإنسان يمكن أن يعاني من وجود أكثر من تصور للواجب، والحكمة العملية هي التي تمكن الإنسان من اختيار الحل الأقل شرا والأقل سوءا. لا وجود لحل جيد ولا لحل ممتاز وإنما هناك فقط حل أقل سوءً (مثلا: الالتزام السياسي، الموقف من الفوضى، الموقف من الحرب، الموقف من مقاومة نظام معين، الموت الرحم…).

يحتاج إبداع التصرفات والسلوكات الأكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات العناية بالآخر إلى الحكمة العملية، ويتم ذلك بالإخلاص للقاعدة الأخلاقية قدر الإمكان. مع التذكير أن ريكور يؤكد على أولوية الإيتيقا على الأخلاق. علما أن الاستهداف الإيتيقي للحياة الجيدة والخيرة يتم عبر مصفاة أو غربال هوَ المعيار (أو القاعدة). لكن على المعيار أن يلجأ للاستهداف الإيتيقي للحياة الجيدة لما يجد نفسه في طريق مسدود على المستوى العملي.

الذات: لكي يصبح الإنسان ذاتا أخلاقية عليه أن يكون قادرا على إنجاز أفعال، وعلى أن يتكلم، وعلى أن يحكي أو يَسرُد ما ينجزه. فالذات التي لا تستطيع أن تنصت لحكي أو لسرد تقوم به ذات أخرى، أو تعجز عن سرد حياتها الخاصة، فإنها ذات لا تملك الحد الأدنى من الانسجام وبالتالي لا يمكنها أن تصبح ذاتا أخلاقية. وإذا صار الناسُ عاجزين على أن يحكوا حياتهم أو عاجزين على أن يُنصتوا لحكايات الآخرين فلن يكونوا أخلاقيين.

والذات مفهوم مهم في العلاقة ما بين الأنا والآخر (الغير). الذات هي الأنا في علاقتها بالآخر، الذات هي عبور الأنا في الزمن ولقاء بالآخر. الذات هي أنا يتحول ويتغير بفضل عبوره في الزمن وبفضل لقائه بالآخر. فالذات لا تظل هي الأنا بعد مسارها في الزمن ولقائها بالآخر، إن الذات هي حركية جدلية ما بين الأنا والآخر.

الذات تتكلم وتحكي وتُنجز أفعالا وتعتبر نفسها مسؤولة، هي ملَكة أخلاقية قادرة وفاعلة لكنها في نفس الوقت مُنفعلة ومتألمة وهشة وعطوبة.

اللحظات الثلاث لإيتيقا ريكور الصغيرة:

لحظة الـ “أنا”: يُعتبر تقدير الذات لنفسها اللحظة الأولى في الإيتيقا. ويعني تقدير الذات (بعيدا كل نرجسية) أن يرى الإنسان نفسه دون أن يُشاهدها، أي أن يرى نفسه لكي يُصدر أحكاما عن نفسه دون أن يتأملها؟ فالذات تكون هنا قادرة على أن تصدِر أحكاما عن نفسها. إن تقدير الإنسان لذاته يجعله قادرا على تقدير نفسه باعتباره فاعلا. يقول ريكور: “إن ما يحظى بالتقدير في ذاته أمران: أولا القدرة على الاختيار بناء على أسباب معينة، القدرة على تفضيل هذا الأمر أو ذاك، القدرة على القيام بفعل معين بناءً على قصد مسبق، ثانيا القدرة على القيام بتغيير مسار الأشياء، القدرة على البدء في فعل أمر ما في هذا العالم، أي القدرة على المبادرة”. ويتساءل ريكور: “هل الاهتمام بالذات يشكل منطلقا جيدا؟ أليس من الأفضل البدء بالاهتمام بالآخر” ويجيب قائلا: “لا يمكن تأسيس إيتيقا بدون ذات قائمة تتمتع بدرجة معينة من الحرية”. وهذا يعني أن الحرية عملية فعلية بالرغم من الإكراهات.

يحتل تقدير الذات المرتبة الأولى في الإيتيقا. وتقدير الذات يجيب عن أسئلة مثل: كيف أنظر إلى نفسي ؟ كيف أقدر نفسي ؟ كيف يمكن لي أن أكون سعيدا انطلاقا مما أنا عليه؟ يفترض تقديرُ الذات أن تكون للفرد مشاريع وأهداف وأن يريد أن يكون سعيدا وأن يَقدِرَ على أن يكون سعيدا. إن تقدير الذات منطلق إيجابي. وكـأن الفرد يقول لنفسه: “من الأحسن أن أوجد عوض ألا أكون موجودا”. فليس الشرُ هو البداية ولا الأنانية. وتقدير الذات يعني القدرة على الفعل لأسباب إنسانية وليس بناءً على دوافع غريزية. وهذا ما يسمح بالحديث عن مشروعية السلوكات وإمكانية الدفاع عنها وإقناع الآخرين بما بما تفعله الذات. كما أن الذات تملك قدرة سردية (حكائية) حول حياتها الخاصة، فهي تدرك حياتها كحكاية، حياة لها قيمة وتستحق أن توجد.

لكن الذات تدرك أنها لا يمكنها أن تبلغ السعادة وحدها. فلحظات السعادة نعيشها مع الآخرين، مع الأقرباء والأصدقاء ومع من نحب. إذن هناك حاجة للآخر.

لحظة الـ “أنت”: الآخر هو الذي ألتقي به ويعتبر جزءا من مشروعي في البحث عن حياة خيرة وجيدة. لحظة الـ أنت، هي لحظة العناية (sollicitude). [يقول ريكور: “لا يشكل الاحترام الكانطي إلا إحدى أوجه الشعور الأخلاقي، لذلك اقترحتُ أن أطلق اسم العناية على البنية المشتركة للتدابير الصالحة للغير والتي تدعم العلاقات القصيرة بين الذوات”].  ويتعلق الأمر هنا بالتمتع بحياة جيدة بعيدا عن انغلاق الأنا على نفسها. يقول ريكور: “إن أقصر طريق من الذات إلى نفسها يمر عبر الغير”. لا يمكن لتقدير الذات أن تقوم له قائمة بدون العناية بالغير. فبإقراري بحرية الغير أتمكن من اكتشافه باعتباره أنا آخر، والنتيجة الهامة هي: بالرغم من وجود لا مساواة في القوة والقدرة (مثلا في العلاقة بين أستاذ(ة) وتلميذ(ة)) فإن المُعاملة بالمثل فيما بينهما تظل ممكنة. العناية هي تجربة اعتراف متبادل حيث “التسَلمُ يُساوي العطاء”، ويتم الانتقال من عدم التماثل وعدم التجانس إلى المعاملة بالمثل. وفي هذا الصدد يقول ريكور: “إن مبادلة ما لا يقبل التبادل هو سر العناية”. على الذات أن تدرك أن الآخر يُنجز أفعالا ويفكرُ ويبادرُ ويفسرُ تصرفاته وله مشاريع ويكتب حكايته الخاصة به وبحياته. والنتيجة هي أن الـ أنا (الفاعلة) والـ أنت يخلقان بعضهما بعضا، ولن تتمكن الذات من اعتبار نفسها شخصا إن لم تعتبر الآخر شخصا: إن تقدير الذات واحترام الغير يُنتَجان في عملية تبادلية واحدة. إن قاعدة المساواة بين الذات والغير تقتضي قول ما يلي: “أنت أيها المتكلم، عامل المتلقي لكلامك كمتكلم”.

لحظة الـ “هو”: هي لحظة المؤسسات. لحظة العدالة. فلكي يكون الناس سعداء فإنهم يحتاجون لمؤسسات عادلة، مؤسسات تسهرُ على توزيع الخيرات، مؤسسات خيرة وجيدة. وتقتضي العدالة أن يتم تجاوز الاهتمام بالآخر القريب المواجه لي الذي ألتقي به هنا والآن، إلى الاهتمام بالآخر غير المحدد الذي هو أساس علاقتي بالعالم. مثلا: فكرة الإحسان لا توجد فقط مع من تكون لي صلة مباشرهم بهم، يوجد الإحسان أيضا بالنسبة لريكور في الخدمة المتواضعة التي تقدمها مكاتب البريد والضمان الاجتماعي (في الغرب بالأساس)، أي مجموع المساعدات الاجتماعية. فالمؤسسات هي (أو ينبغي لها أن تكون بالنسبة لمجتمعنا) “بنيات للعيش المشترك“. إن المؤسسة هي “العيش المشترك المنظم“، والسياسة لا تعتبر إلا علاقة خاصة ضمن علاقات أرحب منها. فالمؤسسة كعيش مشترك ينبغي أن تكون بعيدة عن السيطرة والخضوع والقيادة… يتطلب العيش المشترك المنظم توزيع الأدوار والمهام والامتيازات والحرمان من الامتيازات أيضا. تحتل كلمة “توزيع” مكانة هامة في تحديد معنى المؤسسة والعدالة في التصور الإيتيقي لريكور. فالمجتمع كله هو نظام للتوزيع، بحيث لا يقتصر التوزيع على ما هو اقتصادي.

إن وظيفة المؤسسة هي العمل على استمرارية العيش المشترك واستمرارية العلاقات الإنسانية والحفاظ على السلم الاجتماعي. فبدون السلم الاجتماعي لن توجد علاقة المعاملة بالمثل بين شخص وآخر. فلا وجود لفضاء الحرية الخاص بالفرد دون حد أدنى من الوجود المؤسساتي أي دون وجود دولة الحق.

المراجع:

– Paul Ricœur, soi-même comme un autre, édition du Seuil, 1990.

– بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2005

– Hervé Barreau, L’éthique de Paul Ricœur à partir de ”Soi-même comme un autre”(1990), 2006. (https://halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-00108135)

– Paul Ricœur, L’Éthique, la morale et la règle,  in Autres temps n°24, 1989-1990, p. 52-59.

– Vincent Descombes, “Le pouvoir d’être soi, Paul Ricœur : Soi-même comme un autre.”, Un article publié dans la revue CRITIQUE, Paris, Revue générale des publications françaises et étrangères, tome 47, nos 529-530, juin-juillet 1991, pp. 545-576.

– Lagarrigue Jacques, Lebe Guy. « Éthique ou morale ? ». In: Recherche & Formation, N°24, 1997. Conscience éthique et pratiques professionnelles. pp. 121-130.

– Olivier Abel et Jérôme Porée, le vocabulaire de Paul Ricœur, éditions ellipses, 2007.

– L’Unesco, Hommage à Paul Ricœur, 2006.

– François Dosse, Paul Ricœur, les sens d’une vie, éditions La découverte, 2008.

–  A. Marcel Madila Basanguka, ÉTHIQUE ET IMAGINATION CHEZ PAUL RICOEUR, Editions du Cerf | « Revue d’éthique et de théologie morale », 2005/1 n°233 | pages 113 à 134, https://www.cairn.info/revue-d-ethique-et-de-theologie-morale-2005-1-page-113.htm

– Pierre KROPOTKINE, L’ÉTHIQUE, LES ÉDITIONS INVISIBLES, (1921).

– Isabelle Butterlin, L’éthique kantienne résiste-t-elle à son explicitation ?, Sciences de l’Homme et Société. Université de Provence – Aix-Marseille I, 2008.

– Michel Maffesoli, Morale, éthique, déontologie, Fondapol, 2011.

– Quan Kuang, Une ontologie de la liberté dans l’œuvre de Paul Ricœur, Religions. Université de Strasbourg, 2016. Français.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد