بقلم محمد أكديد باحث في علم الاجتماع السياسي
ماإن وضعت الحرب أوزارها في كل من العراق وسوريا بعد اندحار مشروع الخلافة الداعشية حتى عاد آلاف الدواعش من هناك إلى دولهم الأصلية فرارا من قبضة الجيش السوري وحلفاءه ومن قوات الجيش العراقي مدعومة بفصائل الحشد الشعبي الذي قدم آلاف الضحايا لإنقاذ العراق من بطش هذه الجماعات التكفيرية الدموية التي تنهل من نفس المرجعية السلفية الوهابية، والتي انخرطت عدد من دول المنطقة العربية في دعمها لعقود ولو بالتغاضي عن مخططاتها المتواصلة في اختراق الفضاءات العمومية لتحول أغلب الجامعات والمساجد بالإضافة إلى دور القرآن كثكنات لترويج خطابها المتطرف وغسل أدمغة الشباب اليائس من أنصاف المتعلمين
)أغلبهم( والباحثين عن الجنة التي يحتكر مفاتيحها شيوخهم من أبواق الفتنة والتكفير الذين شوهوا بفتاواهم ومواقفهم المخزية صورة
الإسلام في الشرق والغرب. وبعد أن كان الإسلام دينا للرحمة والتسامح ونشر قيم الحب والسلام أصبح منبوذا في عدد من الدول الغربية بل في عقر داره من بعض أبناءه الذين جعلتهم أفكار و ممارسات هؤلاء المتطرفين الذين يتكلمون باسم الدين يتحولون إلى مذاهب وأديان وتيارات أخرى
بما فيها الإلحاد. وفي الوقت الذي ترفض فيه اليوم معظم الدول الغربية عودة الدواعش الناجين من الحرب العراقية السورية إليها وقد تمرسوا في
ميادين واعتادوا على مشاهد الدماء والقتل، بالإضافة إلى أنهم مازالوا يحملون نفس الأفكار المتطرفة التي ذهبوا بها إلى هناك عندما
كانت تساعدهم شبكات دولية متخصصة في شحنهم إلى بؤر القتال والتوتر، وفي غياب أو ضعف مراكز التأهيل والإدماج رغم صعوبة إدماج هؤلاء، يدل على ذلك فشل تجربة المراجعات التي جندت لها الدولة كل إمكانياتها داخل السجون بعد أحداث 16 ماي الإرهابية لتخرج بخفي حنين. فإن عودة هؤلاء في ظل صمت المسؤولين وغياب قرار واضح من الدولة المغربية بخصوص هذا الأمر قد أصبحت تشكل خطرا على مرافق الدولة و على المواطنين المغاربة خاصة أولائك الذين يخالفونهم في الرأي ويسجلون
مواقفهم التي تستنكر بعض طروحاتهم المتزمتة أو الدموية، سواء داخل الصف التقدمي أو الأقليات الدينية والمذهبية.
يشهد على ذلك المجهودات الكبيرة التي أصبحت تستنزف مختلف الأجهزة الأمنية في البلاد لتفكيك وإيقاف عدد من الخلايا الإرهابية
والذئاب المنفردة التي باتت تتربص اليوم بمصالح وأمن المملكة بعد أن فشلت مشاريعها المزعومة في بلاد الشام والرافدين،
بالإضافة إلى التهديدات لم نسلم منها نحن أيضا لقاء مانكتبه بين الفينة والأخرى من أجل تنوير الرأي العام حول الكثير من المغالطات التي كرستها الأيديولوجيا السلفية الوهابية التي ينهلون منها مواقفهم المتطرفة وأحكامهم الجاهزة، وذلك بعد أن باتوا يتجولون على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء وبروفايلات وهمية ويطلقون تهديداتهم الدموية على كل من خالفهم في الرأي أو انتقد فكرهم المتطرف، وقد غاب عنهم أن البشرية قد تجاوزت حالة الطبيعة حيث القصاص والغلبة للأقوى إلى الحالة المدنية حيث ينبغي أن يسمو القانون فوق الكل وأن يحتكم الناس للحوار والعقل عند الاختلاف وليس إلى السب والشتم والتهديد بالقتل الذي لايذهب
إليه إلا العاجز والمفلس فكريا وأخلاقيا.
ولذا فقد بات على الدولة والمجتمع المدني أيضا تحمل مسؤولياتهما لمواجهة هذا الفكر الدموي المتطرف المرتبط بالأيديولوجيا السلفية الوهابية التي سقطت في عقر دارها اليوم بالسعودية بعد تحول سياساتها الداخلية نحو الانفتاح المتسارع على الغرب مع ابن سلمان وسقطت أدواتها التكفيرية الإرهابية في كل من سوريا والعراق بعد انتصار الدولة والوطن من جديد رغم تدمير البلدين وتشريد ملايين المواطنين الذين انخدع بعضهم بوهم دولة الخلافة وشعارات تطبيق الشريعة، حيث أن ارتدادات هذا الوحش مازالت
مستمرة في عدد من الدول العربية خاصة في شمال إفريقيا كليبيا التي يصطف فيها هؤلاء مع إحدى الفصائل المتناحرة على السلطة، مما بات يهدد كل المنطقة إن استطاعوا الظفر بها هناك.
ولا يمكن أن تنجح هذه المواجهة إلا بتفكيك ونقد هذه الأيديولوجيا التي يعتمد عليها هؤلاء لترويج خطاباتهم من مصادرها على ضوء
العقل والنقل أيضا بالاستعانة بما وصلت إليه آخر التحقيقات في المتون المعتبرة، وذلك وفق رؤية تتجاوز المذهب الذي لايمكن بأي
حال من الأحوال أن يختصر شساعة الإسلام بتاريخه وقيمه ومعانيه الظاهرة والكامنة، وكذا الاستعانة بماوصلت إليه الفلسفة وأدوات العلوم الإنسانية وفق روح العصر الذي نعيش فيه، وليس بعقلية خارج التاريخ والحضارة الإنسانية المعاصرة. وهو مايتطلب أيضا
مواكبة هيآت المجتمع المدني لهذا الموضوع بالعمل على إبراز الجانب المتنور والحضاري في الإسلام عوض الإستسلام لوصاية هؤلاء بتقديم رؤية أحادية قزمت هذا الدين وربطت عقائده وطقوسه وتعاليمه بتصورات وأحكام جاهزة خالية من الروح، كانت سببا في تراجع المسلمين وسقوطهم في هوة التخلف والاندحار على كل المستويات.