أزمة توظيف المدرسين بالتعاقد: تجارب مغيبة ودروس منسية (تابع 1)

الدكتور محمد الدريج: أستاذ باحث في علوم التربية

4- نماذج إفريقية :

من بين الدول الافريقية كانت السنغال الأولى التي قررت وفرضت نظام التوظيف في التعليم بالتعاقد ابتداء من سنة 1995. وجاء هذا القرار كمحاولة لمواجهة ضعف موارد الدولة التي أصبحت غير قادرة على توفير مناصب تعليمية كافية لاستيعاب نسب تسجيل التلاميذ الجدد المرتفعة، وغير قادرة كذلك على توفير البنيات التحتية التربوية اللازمة لهذا الغرض. فمن أصل 2.000 منصب سنوي كانت السنغال في حاجة إليهم بشكل سنوي آنذاك، لم تستطع الدولة توفير سوى 250 منصبا سنويا، وقد أدى هذا إلى انخفاض نسب التسجيل في المدارس مما جعل الدولة تنهج سياسة التوظيف بالتعاقد، كإجراء تقشفي يزيح ثقل التكوين المادي السليم للأستاذ، وتفاديا كذلك لتكاليف التكوين وتكاليف الأجرة الشهرية لمناصب الشغل الجديدة المرتفعة نسبيا بالنسبة للأساتذة النظاميين.

ويمكن أن نستخلص مع منادي إدريسي وانطلاقا من نتائج دراسة اليونسكو السالفة الذكر، بأن برامج التوظيف بالتعاقد في التعليم في دول العالم الثالث، ليست أمرا محمود العواقب. فالتجارب أعلاه تُظهر بما لا يدع مجالا للشك، بأنها قرارات لا تراعي السياق والمتمثل في طبيعة هذه الدول، التي تعاني من تفاوتات اجتماعية مهولة أو تفتقر إلى المؤسسات الديمقراطية المكلفة بالتشريع وبالمراقبة والحكامة. فبدءا بمباريات دخول المهنة التي تعرف فسادا، مرورا بشروط العمل المهينة، ووصولا إلى أداء المدرس المتعاقد ونتائجه، تؤكد كل هذه العوامل، بأن الإقدام على خطوات مماثلة دون اعتبار مآلات هذا القرار لا تُعدّ إصلاحا جادا ونضيف على تلك العوامل والمآلات، ما يمكن أن يحدث من قلق وفقدان الثقة في المسؤولين وفي المؤسسات وإلى أشكال من الاضطراب والاحتراق النفسي.

وغالبا ما كان يعبر الأساتذة المتعاقدون في مثل تلك الدول النامية، “بأنهم يفتقرون إلى الدعم المهني، وبأن أجرتهم الشهرية لا تكفي لتلبية حاجياتهم الأساسية “…، بل إن معظمهم لا يتلقى أجرته الشهرية بشكل منتظم فيعيش حالة من القلق النفسي المستمر، والذي قد يتحول إلى اكتئاب ،الأمر الذي يحدو بالعديد منهم إلى مغادرة مهامهم بعد انتهاء مدة العقد وربما قبلها. وقد أكدت بعض تلك الدول نفسها عدم قدرتها على دفع أجور المدرسين المتعاقدين بشكل دوري ومنتظم، مما يدفعهم إلى مشاعر القلق والاحباط والإفادة بأنهم يشعرون بأن “الدولة خذلتهم وتخلت عن واجباتها تجاههم… بعد أن وعدتهم بالاستقرار المادي والأمان الوظيفي وإتاحة فرص الترقي الاجتماعي لهم…”، وقد يدفع بهم عدم الوفاء بالوعود تجاههم إلى فقدان الثقة في مؤسستهم والانخراط في ممارسات مشينة كالتغيب المستمر، والتأخر المقصود عن الحصص الدراسية، والتراخي في أداء المهام، والبحث عن موارد رزق موازية (أنشطة إضافية خارج المؤسسة مؤدى عنها) لمهامهم التعليمية.

 

5- التجربة الجزائرية:

عرفت تجربة نظام التعاقد في التعليم بالجزائر، بدورها العديد من المشاكل والاضطرابات.. حيث خرج آلاف الأساتذة الذين وظفوا بهذا النظام، في اضرابات واحتجاجات مستمرة للمطالبة بالتوظيف والترسيم “دون قيد أو شرط”. (عن -CNN الجزائر 06 ابريل 2016).

علما بان وزارة التربية الوطنية الجزائرية، سبق لها أن طمأنت المدرسين المتعاقدين والمستخلفين، حيث حددت جملة من الشروط والحالات “الايجابية” لتوظيفهم، من بينها العطلة المرضية لأكثر من سبعة أيام، عطلة الأمومة، مرض طويل الأمد يقل عن سنة، يضاف إليه كسابقة أولى من نوعها عطلة مناسك الحج وتسخير الأعضاء في الانتخابات، إضافة إلى عطلة المترشحين في الانتخابات كعطلة انتقالية، خاصة أن هذه الأخيرة شكلت مشاكل كبيرة في تعويض الدروس عقب كل مناسبة انتخابية.

فضلا عن تحرير المناصب لأسباب التقاعد، التسريح، الاستقالة، الوفاة، العزل، الإحالة على الاستيداع، الانتداب، النقل خارج الولاية، الترقية في جميع الرتب ما عدا رتب التعليم والتعيين في الوظائف العليا…

وتربط عقود الاستخلاف المدرسين بالمؤسسات التربوية في مختلف الاطوار، ويقارب عدد المستخلفين (العرضيون واساتذة سد الخصاص كما كانوا يسمون عندنا)، استنادا للوزارة، ب 50 ألف أستاذ، وحسب شهادات للمدرسين الرافضين للتعاقد والمحتجين، جمعتها CNN بالعربية، هناك من فاقت مدة تعاقده 16 سنة وما زال لم تسوى وضعيته. ووفقا للمعطيات التي أوردتها بعض المصادر، فإن المسابقة (المباراة) التي اجريت سنة 2015، تلقى  فيها الاساتذة المتعاقدون ضمانات من الوزارة المعنية بتثمين الخبرة، لكن تبين بعد النتائج، أن اغلب الناجحين لا يحوزون الخبرة فيما تم اقصاء ذوي الخبرة (انظر الرابط: . https://arabic.cnn.com/world/2016/04/06

وقد أصدرت الفيدرالية الوطنية لقطاع التربية المنضوية تحت لواء النقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي الإدارة العمومية في الجزائر، بياناً “ترفض فيه كل أشكال العمل الهش والتعاقدي في التعليم الذي كرسه القانون العام للوظيفة العمومية”، مطالبة “بالإدماج دون قيد أو شرط، وتسوية وضعيتهم المالية العالقة”.

ويبدو أن هذه الوضعية المأزومة في الجزائر دفعت وزارة التربية الوطنية مؤخرا، للتفكير في القضاء على العمل بالتعاقد في قطاعها بداية من سنة 2017، وذلك من خلال إدماج جميع الأساتذة المتعاقدين المصنفين في القوائم الاحتياطية، من خلال توظيفهم بالتعاقد على مرحلتين ثم إدماجهم بصفة رسمية.

مما يثبت مرة أخرى أن تجارب التوظيف بالتعاقد في مثل تلك الدول التي ذكرتها دراسة اليونسكو السابقة وغيرها مما أوردناه نحن، والتي كان غرضها الدفين ضمان دعم المؤسسات الدولية المادي لها، بأنها سياسة فاشلة في معظمها،  واتضح أن هدف هذه السياسة ليس “الانصاف والتعليم للجميع” ولا “القضاء على الاكتظاظ”، بل هو إجراء تقشفي يبرر غالبا “بالإكراهات والأعباء” المالية المرتفعة لقطاع التعليم على ميزانية الدولة ،وربما برغبتها التخلص من هذه الأعباء التي تشكلها القطاعات الاجتماعية العمومية وفي مقدمتها التعليم العمومي والصحة، وتفويتها للخواص(خصخصة القطاعات العمومية).

 

6-التجربة المغربية: خلفيات إرساء نظام التعاقد وتغييب التخطيط الاستراتيجي:

بدأ نظام التعاقد بشكله الجديد في التعليم ،منذ إصدار وزارة التربية الوطنية للمذكرة عدد 866-16 بتاريخ فاتح نونبر 2016، تباشر بموجبها الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين (12 أكاديمية)، عملية توظيف أساتذة التعليم العمومي بواسطة التعاقد.

والحقيقة أن التفكير في نظام التعاقد ليس أمرا جديدا في منظومة التعليم ببلادنا، فقد كانت وزارة التربية الوطنية – قطاع التعليم المدرسي – قد أعلنت منذ  غشت 2009 عن تنظيم، مباراة لتوظيف مجموعة من أساتذة التعليم الابتدائي، والثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي. وقد شكل الإعلان عن تلك المباراة، بداية شروع الوزارة في تنفيذ مخطط التوظيف بالتعاقد، تطبيقا لما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين بهذا الخصوص، حيث شكل تبني الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999 نظام التعاقد، تحولا نوعيا في مسألة توظيف المدرسين، فبالرجوع للميثاق نجد أن المادة 135 منه تنص على أنه: “يتم تنويع أوضاع المدرسين الجدد من الآن فصاعدا، بما في ذلك اللجوء للتعاقد على مدد زمنية تدريجية قابلة للتجديد على صعيد المؤسسات والأقاليم والجهات”.

لقد أجبر الخصاص الكبير في أطر التدريس بالمغرب واكتظاظ الأقسام والمدارس وقبل هذا وذاك، غياب لدى وزارة التربية الوطنية ولدى الحكومة بشكل عام، استراتيجية بعيدة المدى لتكوين المدرسين وتوظيفهم وتشتت مؤسسات التكوين وتوزعها بين التعليمين المدرسي والعالي واضطراب أنظمة اختيار واختبار وتوظيف المدرسين وأطر التربية والتعليم عموما، فضلا عن عوامل أخرى لا تقل اهمية وتتمثل في:

-تجاهل النظرة الاستراتيجية وسياسات الارتجال والتخبط والانشغال في “تدبير الشأن اليومي” لمشاكل التعليم والتي كانت السمة المميزة للإجراءات والتدابير “الإصلاحية” لوزارات التربية الوطنية المتعاقبة لحد الآن؛

ـ وعدم الاستفادة من أبسط دروس التخطيط والتوقعات المستقبلية والاسقاطات الاحصائية والتي كانت يمكن أن تجنبنا أخطار المغادرة الطوعية و التقاعد العادي والتقاعد النسبي للمدرسين. حيث تورد إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة التربية الوطنية نفسها، أن المعدل السنوي لعدد الموظفين المتقاعدين هو 12 ألفا و389 موظفا، في حين ينتظر أن يحال على المعاش بين 2017 و2025، أكثر من 125 ألفا، إما بسبب السن أو التقاعد النسبي، وأن يزيد المتوسط السنوي للمغادرين إلى 13 ألفا و900 موظف سنويا في سنة 2019.

ويستنتج أحمد المنصوري، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للتعليم، من هذه المعطيات المقلقة، المشاكل التي تتخبط فيها المدرسة المغربية، والتي لا تتوقف عن التفاقم بسبب الاكتظاظ، إلى غياب سياسةٍ حكومية استباقية لمعرفة حاجيات القطاع، قائلا: “سبق أن نبّهنا إلى أن المغرب سيحتاج في سنتي 2019 و2020 إلى 120 ألف إطار تربوي، من أساتذة وإداريين، لكنَّ الحاصل هو أنَّ عدد هذه الأطر في تناقُص مستمر، ولو كانت هناك رؤية استباقية لما وصلنا إلى هذا الوضع الكارثي الذي أصبح التعليم العمومي فيه يمشي على رأسه:

“.https://www.hespress.com/societe/328336.html

ـ و في مقابل ما فقدته وتفقده المدرسة المغربية من قوى عاملة بسبب المغادرة الطوعية والتقاعد، هناك ارتفاع أعداد الأطفال في سن التمدرس بفعل ازدياد معدل الولادات وتراجع نسب وفاة الرضع والاطفال والتحسن النسبي للفاعلية الداخلية لمنظومة التعليم والحد النسبي من الهدر المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة… مما يشكل تحديا كبيرا لا يخفى أمره حتى على الطلبة المبتدئين في دراسة الإحصاء والتخطيط.

ـ فاين خبراء الاحصاء والتوقعات وماذا أفادتنا الرؤى ورسم الاستراتيجيات ومشاريع الاصلاح، من كل هذه المعطيات الصادمة ؟

ـ واين مديرية الاستراتيجية والإحصاء والتخطيط التي من المفروض أن تقوم بإعداد الدراسات الاستشرافية حول النظام التربوي (مدخلاته ومخرجاته وحاجياته…) وإدماجه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد؛ وإنجاز التحقيقات والتحليلات الإحصائية؛ وإعداد وتنسيق المخططات الجهوية لتنمية التمدرس والسهر على انسجامها مع الأولويات والأهداف الوطنية.

ـ وأين مديرية الموارد البشرية وتكوين الأطر، والمكلفة مبدئيا، بإعداد استراتيجيات التوظيف والحياة الإدارية لتنمية الموارد البشرية؛ وإعداد السياسة التربوية الوطنية في مجال تكوين الأطر التعليمية العاملة في قطاع التربية والتعليم ؟

لقد وجدت الوزارة نفسها بحكم كل تلك المتغيرات والتطورات غير المحسوبة وغير المتوقعة وفي غفلتها وانشغالها بتدبير الشأن اليومي، وربما خشيتها من ضغوط البنوك والصناديق القارضة، أمام مطب حقيقي فاضطرت وربما بتوصية “سرية” من المجلس الأعلى للتعليم، إلى اللجوء بسرعة، للتوظيف المباشر للمدرسين وفق نظام التعاقد وبأعداد ضخمة (55 ألف). فبعد انتقاء أولي من بين حاملي الإجازة في مختلف التخصصات واجتياز مباراة التوظيف بالتعاقد، يتلقى الناجحون تكوينا نظريا سريعا وعلى فترات بالمراكز الجهوية للتربية والتكوين وتدريبا ميدانيا أسرع على يد المفتشين بالأقسام المسند إليهم تدريسها وهذا بشكل مؤقت وانتقالي لفوجي 2016 -2017. لكن الوزارة المشرفة على القطاع أعادت التفكير بخصوص فوج 2018، بتكوينه قبليا لمدة 4 أشهر على الأقل، في انتظار ارساء نظام أساسي قار وقوانين موحدة خاصة بهذه الفئة من المدرسين، الامر الذي أصبح بعيد المنال على ما يبدو بعد التطورات الاخيرة. وها هي الآن أمام وضع جد معقد، لن تنفع معه التهديدات ولا المقاربات الأمنية.

فهل فقدنا البوصلة وأصبحنا في التعليم نخبط خبط عشواء في متاهة لا مخرج منها ؟ نحن نطرح السؤال فحسب.

 

يتبع…

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد