د. محمد الدريج: أستاذ باحث في علوم التربية
1– تقديم:
لعل أهم درس يمكن أن نستفيده من علم النفس المهني والهادف إلى زيادة الكفاية الانتاجية و زيادة توافق العمال/الموظفين فى عملهم، يتمثل في تحقيق الاستقرار النفسي في العمل و الرفع من زيادة الثقة والرضا (الاشباع النفسي) المادي واللامادي في مجال العمل والمهن.
وقد لاحظنا مؤخرا إدراكا لمثل هذه الأهداف لدى بعض المسؤولين عموما، على الأقل من خلال تصريحاتهم، فقد أوضح على سبيل المثال رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني أمام نواب البرلمان، خلال جوابه عن تساؤلاتهم حول “الوضعية الاقتصادية والمالية”، أن “جزءاً كبيراً من الاقتصاد مبني على الثقة والجانب النفسي“، كما عبر الدكتور العثماني في العديد من المناسبات عن رغبته في “أن تكون الوضعية في التعليم مستقرة، وفيها استقرار مهني وأمن وظيفي“. (عن هسبريس، 24 يونيو 2018).
أنطلق من هذه المقولات لأذكر أن رئيس الحكومة الدكتور النفساني، محق فيها، وأضيف بأن هذه المقولات رغم طابعها الإنشائي، تنطبق بالأحرى على العمل في مجال التعليم ،لأنه مبني بالأساس على الثقة، الثقة في النفس أولا والثقة بعد ذلك بين جميع الأطراف المتدخلة في العملية التعليمية: المؤسسة بتشريعاتها ومناهجها، الادارة، المدرسون، التلاميذ وأسرهم… كما ينبني التعليم والتربية عموما، على الجانب النفساني والذي لابد أن يرتكز بالأساس على الاتزان والشعور بالطمأنينة والسلام الروحي وعلى الاستقرار في العمل والأمن الوظيفي (الاستقرار الاجتماعي) ،و بدونها لا يمكن للتعليم أن يخرج من أزمته وتنصلح أحواله.
لكن السؤال الذي يطرح هنا والآن، هو: هل يسمح نظام التعاقد في استقطاب المدرسين بالشكل الذي أريد تطبيقه به، في منظومة التعليم ببلادنا، هل يسمح بالثقة ويوفر الاستقرار الاجتماعي والاطمئنان النفسي الضروريان للنجاح ؟ وهل يستفيد المسؤولون من دروس علم النفس وعلم الاجتماع و الاقتصاد… ومن تجارب بعض الدول، وهم يفكرون في إحداث نظام التعاقد كاختيار استراتيجي في تشغيل المدرسين وفي تنزيله ؟ نجيب فورا دون كثير انتظار، بالنفي.
وقبل تقديم شروح ومبررات هذه الاجابة النافية، سنستعرض على سبيل الاستئناس والمقارنة، بعض النماذج والتجارب العالمية التي لجأت إلى نظام التعاقد لتوظيف أطر التعليم، المعروف والمعمول به منذ القدم، والنتائج التي تحققت او لم تتحقق، من تطبيقه.
للتذكير فإن برنامج التعاقد لتوظيف المدرسين ليس أمرا جديدا وخاصا، بل شهدت العديد من الدول تجارب التوظيف في التعليم بالتعاقد، من مثل فرنسا وإسبانيا وإنجلترا والسويد وغيرها كثير كما سنرى لاحقا. وإذا كان هذا النظام يعرف نوعا من الوضوح والثبات ويطبق بالكثير من العقلانية والشفافية في مثل هذه الدول المتقدمة، وفي سياق من الديموقراطية والصرامة في احترام وتطبيق القوانين وعقلية وثقافة تقبل بروح من الوطنية والمسؤولية، النقد والتقويم والرقابة والاستفادة من تراكم التجارب الناجحة… الامر الذي ينشر مناخا من الاستقرار والثقة والاطمئنان النفسي والاحساس بقدر من المساواة أمام القانون وبالتالي الانخراط في العمل المنتج وتجويد الاداء (الضمير المهني) كعنصر أساسي للتطوير والنمو. فإن الامر ليس كذلك في معظم الدول النامية التي لجأت لتوظيف المدرسين بنظام التعاقد، نظرا لطبيعة أنظمة الحكم فيها وهشاشة التجربة الديموقراطية أو غيابها أصلا وضعف الحكامة وتغييب المقاربة التشاركية في تدبير الشأن العام وفي تطبيق القوانين والضبط والمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ونظرا لتفشي ظواهر الرشوة والمحسوبية… ونظرا للتفاوتات الاجتماعية المهولة وانتشار الفقر والتهميش واستفحال البطالة وخاصة بطالة حاملي الشهادات… الامر الذي كان وسيكون باستمرار، وراء فشل نظام التعاقد في توظيف المدرسين في الكثير من تلك الدول النامية وفي نتائجه السلبية، كما سنرى في الفقرات اللاحقة.
وعموما يخضع استقطاب العاملين في التربية والتعليم في جل بلدان العالم المتقدم منه والمتخلف، لنظامين أساسيين: يسمى الأول: نظام التوظيف والترسيم الذي يقضي بالتشغيل على سبيل الدوام والاستمرار (أستاذ رسمي)؛ بدءا بالتكوين ومرورا بالتدريب والترسيم، وانتهاء بالتقاعد. أما الثاني، فيسمى نظام التشغيل (أستاذ متعاقد) الذي يقضى بالتشغيل المؤقت، عن طريق التعاقد لمدة زمنية محددة لا ينتهي بالضرورة بالتوظيف والترسيم في أسلاك الوظيفة العمومية.وسنقدم فيما يلي نماذج وتجارب عالمية آملين في ان تستفيد الجهات المسؤولة منها.
2- نموذج من أوروبا : الدرس الفرنسي:
في فرنسا توظف وزارة التربية الوطنية كل سنة، حوالي 30.000 مدرس غير رسمي لملء الشواغر (الخصاص) أو إجراء بدائل (التعويض والاستخلاف)، بنظام التعاقد، (والذين كانوا يسمون حتى عام 2016، بالمؤقتين vacataires)، واصبحوا يمثلون نسبة متزايدة من المعلمين، تصل إلى 7.6% من القوى العاملة في المدارس الاعدادية و11.7% في المدارس الثانوية المهنية.
هذا وإذا كان الطريق المعتاد للتوظيف في التعليم الفرنسي في مختلف مستوياته ،هو اجتياز بنجاح امتحانات ومباريات CAPESوCAFEP وCRPEوغيرها، فقد اصبح توظيف المعلمين الذين يعملون بنظام التعاقد لا غنى عنه، خاصة كلما ظهر نقص او خصاص لا تملأه نتائج تلك المباريات والتكوينات والشهادات. وعلى سبيل المثال، فقد أظهر النقص والحاجة سنة 2017إلى أكثر من 18%من الخصاص، فتم اللجوء إلى التعاقد مع العرضيين (المؤقتين) لشغل الوظائف الشاغرة، لأن التعليم كان وقتها في أزمة التوظيف العادي والذي يتم من خلال المباريات.
كما أصبح يستخدم في التعليم العام الفرنسي، مصطلح “الإطار التعاقدي” de contractuel statut ” لاستبدال مصطلح العرضي أو المؤقت بعد التعديل الذي أحدثه المرسوم رقم 2016-11-31، المؤرخ ب 29 غشت 2016، بشأن وضع موظفي العقود المعينين لأداء وظائف التعليم والتوجيه والإرشاد في المدارس والمدارس الثانوية العامة، والتي يتم شغلها وفق التشريعات الموضوعة بشفافية وفي إطار من التشارك.
ويتم وفق هذا القانون، تعيين “مدرس التعاقد” بواسطة عقود محددة لمدة سنة واحدة أو أقل، بطريقة متجددة، بدوام كامل أو جزئي. ويتم تجديد العقد لمدة الحاجة المراد تغطيتها، فإذا كان يمتد على مدار سنة دراسية، سيشمل العقد جميع العطلات المدرسية والتوقيفات عشية السنة الدراسية التالية (القادمة).
وبعد ست سنوات ، يواجه المدرس المتعاقد بإمكانيتين: إما أن يعرض عليه عقد دائم ويرسم بناء عليه أو يتوقف عن ممارسة التدريس في التعليم العمومي.
بالنسبة لراتب المدرس المتعاقد، يكون أقل من راتب شاغل الوظيفة الرسمي، ويقدر حسب مؤهلاته، لكنه لا يقل عن 1500 يورو (حوالي 15 ألف درهم) شهريا، وقد يصل بعد سنوات من الخبرة وحسب سلك العمل إلى أكثر من 2000 يورو. ويمكن حصوله على مكافآت مماثلة لتلك التي يتلقاها المعلمون المتفرغون، وتتم إعادة تقييم المكافآت كل ثلاث سنوات على الأقل.
وكما أسلفنا، فقد تم سنة 2016، إلغاء وضعية ملء الشغور أو ملء الخصاص أو المؤقتة أو المنتدب vacataire، التي كانت موجودًة في التعليم العام، والتي كانت تتطابق مع نظام الوضع المؤقت temporaire في القطاع الخاص. حيث كان يعين المعلم من طرف مدرس رئيسي للقيام بمهام التدريس “لمرة واحدة”، على سبيل المثال في حالة استبدال المعلم في إجازة مرضية. لذلك كان من المحتمل أن يعمل المعلم المؤقت في العديد من المؤسسات خلال العام في وقت واحد. وكان يتقاضى في العمل بالمدرسة الثانوية بالساعة (34 يورو / للساعة)، بحد أقصى 200 ساعة في السنة، دون ضمان تجديد عقده. (انظر: https://vocationenseignant.fr/، 22Janvier 2019).
3-دروس آسيوية: الهند وكامبوديا:
من الدول الآسيوية التي لجأت إلى نظام التعاقد لتوظيف المدرسين نجد الهند وكمبوديا وغيرها كثير. فقد شرعت
كمبوديا على سبيل المثال، ابتداء من سنة 1996 في توظيف الأساتذة بالتعاقد، وكان هدف هذا البرنامج مواجهة النقص الحاد في عدد الأساتذة، خاصة في المناطق النائية. ووصل عدد المتعاقدين على إثر قرارها هذا، بحلول سنة 2001 نسبة 9% من مجموع الأساتذة في البلد بأكمله، وكان العدد بالتحديد 4.214 أستاذا. وكانت العقدة التي تجمع الأستاذ الكمبودي بوزارة التربية تغطي سنة واحدة، والتي منحت المتعاقدين بموجبها نفس الأجر الذي كان يتقاضاه الأستاذ النظامي، لكنهم حرموا من امتيازات ظلت حصرا على الأساتذة النظاميين.
غير أن كامبوديا قامت بعد سنوات من تجريب التعاقد، بوقف البرنامج الذي طرح العديد من المشاكل وشرعت في تقوية برامج تكوين الأساتذة، وبرمجة إعادة انتشارهم على الصعيد الوطني.
ولجأت الهند بدورها بدءا من أواخر التسعينات، إلى برنامج التوظيف بالتعاقد، مستهدفة خمسة أهداف رئيسة وهي:
ـ مواجهة الخصاص في قطاع التعليم:
ـ مواجهة تغيب الأساتذة المستمر عن العمل.
ـ الحد من نسب الاكتظاظ داخل فصول الدراسة مقارنة مع عدد الأساتذة الممارسين.
ـ توفير عدد كاف من المدرسين لمؤسسات تعليمية تقع في مناطق نائية وصعبة جغرافيا.
ـ فتح باب التمدرس في وجه فئات مهمشة من المجتمع.
فاستطاعت الهند التوفر على عدد كبير من الأساتذة المتعاقدين، إلا أن أجرتهم كانت تقل بكثير عن الأساتذة النظاميين، فبينما يتقاضى الأستاذ النظامي 5.000 روبية شهريا، فإن أجرة نظيره المتعاقد لا تتعدى 1.000 روبية في الشهر والذي كان مستواه التعليمي جد متدن مقارنة بنظيره النظامي، كما أن قوانين الترسيم في الوظيفة تركت الباب مفتوحا لهذا المتعاقد في حال استكماله لتعليمه وتدريبه واجتيازه للمباريات المقررة من قبل وزارة التعليم، بالترقي الوظيفي.
وعن ، دراسة لليونسكو تحت عنوان: “الدروس المستفادة من توظيف المدرسين المتعاقدين Lessons Learnt in the Use of Contract Teacher، إعداد الباحثة الخبيرة التربوية ييل دوتيلو Yael Duthilleu. وهي من أهم المراجع الشاملة لموضوع التعاقد في التعليم و التي اعتمدها عبد الباسط منادي إدريسي في دراسته المقارنة القيمة ونشرها في جزئين تحت عنوان: “الأستاذ المتعاقد: تجارب دولية” (بأنوال بريس، 5 يونيو 2018https://anwalpress.com/ ) حيث عمل على استعراض وتحليل تجارب من دول مختلفة من بينها الهند وكمبوديا ونيكاراغوا والسينغال وغيرها، من ضمن الدول التي لجأت إلى التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم العمومي (UNESCO and IIEP.Paris: UNESCO. 2005 )
وحسب دراسة اليونيسكو هذه، والصادرة سنة 2005، فإن مآل البرنامج الهندي لم يختلف كثيرا عن نظيره الكمبودي، حيث أوردت نتائج دراسات ميدانية حول مآل التعليم بالتعاقد في الهند، خلصت إلى أن نتائجه “ضعيفة وغير مرضية”، كما أنها لا ترقى إلى معايير الجودة المطلوبة وطنيا، ناهيك عن معايير الجودة الدولية. وأفادت دراسة عينة من المدارس التي يعمل بها المتعاقدون في الهند، بأنه غالبا ما يُفرضُ عليهم العمل كبوابين للمدارس حيث يعملون، ويكلفون كذلك بتنظيف مرافق المدرسة والعناية بها، كما يفرض عليهم أداء مهام إدارية وتربوية ليس من اختصاصهم.
يتبع…