حفريات في ذاکرة مدينة وجدة من خلال کتاب جدة والجدة للدکتور ”أحمد طنطاوي”.

وجدة ـ الأستاذة سعيدة الرغيوي: کان الحجيج الثقافي مساء هذا اليوم 1 دجنبر 2018 على موعد مع الحلقة الثالثة من حفريات في ذاکرة مدينة وجدة، التي احتفت بمٶلف الدکتور “أحمد طنطاوي“ الموسوم ب: ”وجدَةُ والجدّةُ“، حلقة اکتمل فيها البهاء وتفردت فيها القراءات لهذا الکتاب التوثيقي التأريخي الذي طرز صفحات بديعات من تاريخ وذاکرة وجدة الأنيقة من خلال توصيف جميل ولغة اتخذت من السّجع دثارا لها فبدا التّرف اللغوي واضحاً للمُتجول في عرصات وحداٸق الکتاب المُحتفی به…

لقاء متفرِّد وهذا ما کشف عنه الحضور والأساتذة الذين قدموا قراءات عاشقة وتحليلية لمحتوی الکتاب وسفروا في ماضي وذاکرة هاته المدينة التليدة.

إذ سافر بنا الدکتور ”مصطفی سلوي“ في رحلة ماتعة فميز بين ”الحکاية“ و”الحکاٸي“ وقربنا من مٶلِّف الکتاب الدکتور ”أحمد طنطاوي“ الذي اعتبره رحّالة مدينة وجدة دونما مُنازع لکونه يٶرخ لهاته المدينة ولطقوسها وعاداتها وينبش في خصوصياتها وماضيها العريق المحافظ، إذ يعتبر کتابه منطلقا قيِّما لحفظ وصَون الذاکرة الجماعية لهاته المدينة.

کما أکد علی کون المٶلِّف نهج في هذا الکتاب منهج السارد العارف بتفاصيل المحکي لأنه يکتب بشغف وحب وعشق عن فضاء ولد فيه وترعرع بين أهله فهو القاٸل في وجدة:

أهيم بوجدة ما حييت ويحضنني ثراها حين أموت

فالحکي حياة واستمرارية، إذ تنبجس الحياة من حفظ الماضي المجيد… وقد ألمع الدکتور ”مصطفی سلوي“ من خلال قراءته للکتاب إلى عناية الکاتب باللغة ونزوعه نحو نهج لغة السّهل الممتنع وهذا يُعزی لحرصه الشديد على لغةٍ الضّاد الأنيقة.

ووقف عند الجَدَّة التي تعتبر مرجعا خِصبا للکاتب والتي ذکرها باسمها ”الجدة راضية بنت إدريس بن صالح“ التي يناديها المٶلف ب”أم البشرية“ وکذلک کل معارفها.

الجدة بما هي خزَّان للحکايات، إذ لها المُکنة والطّول علی التوليد، فهي شهرزاد الحکي وهي مدار العاٸلة ”الري والشوَار“*.

کما وقف عند زمکان الحکي والعلاقة الحميمة التي تجمع الذات بالفضاء، وهي علاقة کلف ووجد.. ليٶکد علی کون الکتاب رحلة بديعة ونافذة علی ذاکرة ”وجدة“.. فهو استنطاق للماضي وحفر ونبش في الذاکرة التي هي أسُّ الحاضر والمستقبل.
لتعقبه قراءة الدکتور ”محمد نوالي“ الذي أشار بدوره إلی أنّ الهوس بالفضاء جعل الذات الکاتبة تنغمس في الحکي والتوصيف والتصوير والعزف علی الکلمات فانکتب الکتاب بروح عاشقة وبأسلوب سلس ولغة أنيقة مُوشحة ببديع المفردات وبالبيان الآسرِ.

ليتوقف عند التغير المجالي: ”(المجال بين الماضي والحاضر)، الذي ترتب عن الزّحف الإسمنتي وعن تغير العادات ووَأدِ التّقاليد مما أفضى إلى تغير في معالم المدينة.

وأشار إلى صوت الذّات الذي يتبدّی بشکل جلِي في الکتاب.. وتعدد الأصوات ولاسيَّما صوت الجَدّة التي تعتبر محرک الحکي ومصدره.. کما توقف عند السّند السّردي والرّصف اللُّغوي ونقط أخری تُشِيد بالمٶلِّف والمُٶلَّفِ. ومن ثمة الکتاب نوستالجيا بها زخم وعبق المدينة موضوع الحفر.

لتُمرر الکلمة بعد ذلک للحاج الواسطي الذي قدم شهادة في حق المُحتفی به ونوّه بجهود الکاتب، حيث دعا بدوره إلی ضرورة تشييد متحف يحفظ ذاکرة المدينة للأجيال الجديدة ويعرف بها.. ونوّه من جانبه بقيمة الکِتاب.. وقدم أيضا الأستاذ ”محمد العمراني“ شهادة في حق المحتفی به ”أحمد طانطاوي“.. وتدخل في الجلسة الثقافية الدکتور ”ميمون راکب“ فقدم دراسة في الغلاف ووقف عند العديد من محتويات الکتاب المُحتفی به، إذ استرجع ذاکرة المدينة وبين العلاقة والارتباط الوطيد بين الجدة والحکاية ودورها في الأسرة وفي مجال الاستشارة والتدبير فهي الحکيمة وعماد الأسر التقليدية وإن حضر الجدّ.

…هو حفر ونبش في الذاکرة المحلِّية الوجدية الحُبلی بتاريخها العريق وسِيرَة آهاليها الأرِجة، وهذا ماکشف عنه کتاب: ”وجدة والجَدَّة“.

إنه سفر تاريخي.. سوسيوثقافي وأنثروبولوجي.. تلتحم فيه الذّات الکاتبة بالمکان لتنکتِب سطوراً بديعات مضيٸات بين دفتي هذا الکتاب الشاٸق الماتع.

ومما لا يخفى على أحد أنّ المرء ابن بيٸته ومحيطه وکثيراً ما يرتبط وجدانيا بالأفضية التي يقيم فيها وينتمي إليها… إذ لا تغادره بفعل الرّحيل أو التنقل أو النّزوح إلى مکان جديد.. فالجذور تأسِر وتحفِر عميقاً. هي علاقة جدلية ”دياليکتيکية“.. إذ لا يمکن أن نفصم بين الذات وموضوعها.

واختتمت الحلقة الثالثة من حفريات في ذاکرة مدينة وجدة بتوزيع الشواهد التقديرية على المتدخلين في إثراء اللقاء وتوقيع کتاب: ”وجدةُ والجدّةُ“ لمٶلِّفِه الدکتور ”أحمد طانطاوي“ بعد کلمته التي شکر فيها الحضور والأساتذة الذين رفقوه في الجلسة التواصلية الثقافية.

ــــ

*الري والشوار“: المقصود بهاته العبارة أنّ الجدة کانت تستشار في کل صغيرة وکبيرة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد