الشعوب العربية بين الخط المستقيم و الحاجة للاختراع

بقلم رزاق عبدالرزاق

 

يقول أهل المنطق الفلسفي و العلمي : ” إن أقرب مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم” ، و “الحاجة أم الاختراع”. حبذا لو أخذت الشعوب العربية التي تعصف بها رياح التطرف الأهوج والقتل المتعمد بهاتين المقولتين المأثورتين، وطبقتهما أحسن تطبيقا، لكي تزيل عن صورتها ملامح القبح والهمجية، ولو جزئيا ومرحليا، لأن لكل شيء بدايته. فالعالم الذي نشاهد حاليا صراعاته الجلية بقلق مستفيض ، والذي نتوجس من حروبه الخفية المقبلة، لا يرحم المغفلين، والكسالى، والأميين . فلكي تخرج هذه البلدان المتأخرة من عنق الزجاجة بدون خدش في الوجه، عليها أن تبحث عن وسيلة تساعدها على تقريب المسافات،  لكي تتحول الطرق الملتوية التي نهجتها في السابق، إما في حالة لا وعي جماعي، أو عن سابق إسرار وترصد ، إلى خط مستقيم، يضمن الجدوى وربح الوقت، لكل مبادراتها ويعزز من مكانتها و كيانها.  وبذلك تصبح حاجاتها سلسلة من الاختراعات ترفع من الرأس المال المادي والغير المادي.

إن الحاجة الأولى والماسة هي ضمان تكوين ناجع وناجح، لأن لا عدل بدون تكوين سليم، ولا تطور بدون عدل ، ولا يزدهر الاقتصاد في الدول القمعية  التي يكيل العدل فيها بمكيالين ، ولا تواصل حقيقي مع الأميين. فكيف التخلص من التبعية العمياء باعتمادنا أساليب أكل الزمان عليها وشرب، و لا تساهم إلا في تعميق الشرخ وسوء الفهم.

فالدول التي تفرض وجودها الآن على باقي سكان المعمور، وتملي سياستها على الدول الضعيفة،  لم تخلق من عدم ، فهي نتاج لعقود من الهجرة والاستفادة من الخبرات البشرية  والتلاقح الفكري والعلمي. مرت هي الأخرى بظروف استعمارية ، وحروب أهلية ، وأزمات خانقة ، ومد وجزر، لكن مع مرور السنين وبفضل مساهمة العقول النيرة التي أنجبتها مجتمعاتها، وبفطنة وعبقرية  مخترعيها ، وجودة أساليب التعليم والتكوين المتبعة ، تقلصت مدة التحول الانتربولوجي. ولنا في الشباب الأمريكي الذين اخترعوا يوتوب وفيسبوك وانبهارات  تكنلوجيا التواصل الجديدة المدرة للدخل الوفير، خير مثال  ونموذج  نتوخى من جيلنا الصاعد أن يستوحي به . لكن مع الأسف  تسير الأمور في ما لا تشتهي الأنفس ، لقد اغتر ببعض اليائسين  منهم  فذهبوا إلى مشرق  القلاقل والاضطرابات، و الصراعات  الأيدلوجية الحارقة. هذه الحرب الداعشية ليست حربهم. يجب خوض الحرب على الجهل والأمية وعلى الفكر الظلامي ، تلك الحرب الدنيئة التي أوقعت بالأشياء الجميلة ومرغرتها في  الوحل كالتعايش الديموقراطي المبني على المساواة واحترام الآخر، أما قطع الرؤوس لأسباب لا يقبلها العقل السليم، فذلك تسيب سينتهي لا محالة بحرب إبادة تضر بالجانب الأفقر لوسائل الدفاع،  وتضر بفكرة التعايش الإنساني . فإن تطور الأمر إلى ما لا يحمد عقباه  أي من السيئ إلى الأسوأ، سيدخل النووي لوضع حد لهذه الحرب النتنة، والغير المتكافئة لوجيستيكيا، وسوف تكون المرحلة الثانية هي الأخيرة، كما وقع في الأربعينيات مع اليابان، لأن الغرب يملك اكبر ترسانة نووية وفي ظل هذا الحقد المتبادل و جو الاحتقان السائد بين الضفتين،  تبقى كل الحلول المأساوية واردة، و يكون الخاسر فيها أحفاد الحجاج الثقافي الذي كان يفتقد إلى ثقافة حقوق الإنسان ويتلذذ بالقتل كالدكتاتور السادي ، معمما طرق وأساليب  الاستبداد والقهر . هذا السفاح الذي تتلمذ على يديه سفاحون كثر، كان يشبه رؤوس أبناء وطنه بالرمان الذي أينع لقطفه كما تقطف الفواكه المسروقة. يا له من قطف مروع .عوض الأخذ بالأساليب الديمقراطية، التجأ إلى الأسلوب الدموي، لترهيب الشعب وبارغامه بالحديد والنار على الخنوع . والخنوع لا قيمة مضافة له .

لنعيد قراءة هاتين المقولتين الجميلتين : “أن أقرب مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم” ، و “الحاجة أم الاختراع”

فما أحوجها إلى مفكرين وزعماء ينطلقون من هاتين  المسلمتين الفلسفيتين، يحولونهما  إلى برامج للتنمية المستدامة ويضعوها على سكة التنافسية المبنية على العلم والإبداع. فإذا كانت الحاجة أم الاختراع، فحاجتنا الملحة هي فسح المجال لحرية الإبداع. وعلى الدولة ممثلة في مؤسساتها أن تعطي المثال.  وإلا سيضل باب الهجرة البحرية (الحراكة ) و الجهادية مفتوحا على مصراعيه .فالجماعات المتطرفة لم تخلق من عدم . إن تجاهل وجودها في وقت سابق وحاسم وعدم الاهتمام بمشاكلها هو ما دفع ببعض الشباب المهمش إلى الخروج عن الطاعة و تبنى الأفكار السامة والتملي بروح الانتقام ، معتمدين على مبدأ “الأرض المحروقة” .

إن الشعوب العربية في حاجة إلى مزيد من العقلانية والابتعاد عن الشعوذة و الفكر الغيبي واللاهوتي. وعلى المستوى الرمزي لا بد من إيقونة سلمية متشبعة بالفكر الإنساني لتدفع إلى الأمام ، كما عرفها هنود آسيا (غاندي) وضحايا الأبارتهايد (مانديلا) والصينيون (كونفوسيوش) . ففي بحر الظلمات لابد من ربان متبصر ومتمرس لقيادة السفينة إلى شط الأمان.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد