محمد أديب السلاوي
-1-
قانون” من أين لك هذا”، قانون قديم / جديد.
في تاريخنا الإسلامي ظهر يد على الخليفة عمر بن الخطاب، أحثكم إليه الأمراء والشرفاء والولاة، فكان هو القانون الذي لا يهاب منه أحد ولا يهاب من أحد.
وفي التاريخ الحديث، نجده في أغلب الدول الديمقراطية مرتبطا بأحكام الدستور، نجده في فرنسا وبريطانيا واسبانيا وبلجيكا وفي كل دول الاتحاد الأوروبي وفي الولايات المتحدة الأمريكية، يساهم في حماية المال العام، وتطهير دواليب الدولة والمنشآت العمومية من الفساد والمفسدين، ومن العبث والعابثين بأحوال الشعب وأملاكه وحقوقه المادية.
كما نجد هذا القانون بصيغ مختلفة في دساتير دول العالم العربي، وفي اتفاقيات هيئة الأمم المتحدة التي تنص بوضوح على تجزيم الإثراء غير المشروع، وعلى الوقاية من كل أشكال الانحراف المرتبط بالفساد الإداري / المالي، وباستعمال السلطة من أجل سرقة المال العام.
ومغربيا، بدأ الحديث عن هذا القانون في السنوات الأولى من عهد الاستقلال، تحدث عنه الزعيم علال الفاسي في صحف ومؤتمرات حزب الاستقلال، وطالب به المهدي بن بركة في صحف ومؤتمرات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ونظر له محمد بن حسن الوزاني في مقالاته وصحفه، فكان مطلبا ملحا من أجل محاسبة أغنياء الفترة الاستعمارية وما بعدها…
أثناء هذه الفترة، طالبت الحركة الوطنية بإقرار قانون “من أين لك هذا” وأعدت له مسودة وضعت أمام البرلمان سنة 1964، ينص الفصل الأول منها :” أن يعاقب كل شخص تولى سلطة أو وظيفة إدارية أو سياسية، أو كان عضوا أو مسيرا بحزب أو منظمة اقتصادية أو اجتماعية أو له علاقة بمن سبق أو أثرى على حساب الإدارة أو الصالح العام / أن يعاقب بانتزاع ثروته لفائدة الدولة ويسجن بمدة تتراوح ما بين خمس وعشر سنوات نافذة.
بقي هذا المقترح يتردد على كواليس البرلمان الأول والبرلمانات التي جاءت بعد حالة الاستثناء…وكانت السلطات العمومية تؤجله باستمرار إلى أن دخل في خبر كان، بعد أن أعطته حقنة تنويم شديدة.
مع ذلك لم يغب هذا القانون عن الذاكرة الوطنية، ففي عهد الحسن الثاني، أوصت العديد من المؤتمرات الحزبية والنقابية، والعديد من مذكرات المجتمع المدني، بإحياء ” قانون من أين لك هذا ” لإعطاء القضاء الوسائل التي تمكنه من تتبع الإثراء غير المشروع، وتتبع ما يتحصل من أموال وفوائد من جرائم الفساد المالي والإداري، التي كانت ولا تزال تتحرك بقوة على الساحة المغربية.
وفي عهد الملك محمد السادس، ظهر هذا القانون من جديد على الفصل الأول من دستور 2011، بصيغة “ربط المسؤولية بالمحاسبة“، بعد أن توفرت للمغرب الحديث ترسانة قانونية هامة تستهدف محاربة الفساد / محاربة تبييض الأموال، محاربة الإثراء غير المشروع، كما تستهدف إدماج الأخلاق في الحياة العامة.
هكذا أصبح على طاولة حكومات ما بعد التصويت على دستور 2011 مسودة بقائمة التعديلات المقترحة على القانون الجنائي المغربي، التي تعطي الصيغة الجديدة ل ” قانون من أين لك هذا ” حلته القانونية، لكن الخلافات بين السياسيين وأصحاب المصالح بهذه الحكومات حول المبررات المسطرية والقانونية والسياسية التي تعطي لربط المسؤولية بالمحاسبة صيغة ” قانون من أين لك هذا” تركت الموضوع مرة أخرى على الرف الحكومي، ينتظر الموافقة والإحالة على البرلمان للموافقة عليه، ليصبح قانونا ساري المفعول، وهو ما يجعل المغرب يفتقر حتى الآن إلى منظومة قانونية متكاملة لملاحقة الفساد والمفسدين، وملاحقة الجرائم المالية وأصحابها في كافة القطاعات العامة والخاصة.
-2-
هكذا بقي المغرب لزمن طويل يعاني من وجع الفساد / وجع الإثراء غير المشروع / وجع الفساد المالي المتعدد الأشكال والألوان، بقي ينتظر ظهور “قانون العدالة والإنصاف / من أين لك هذا” لمحاسبة مافيات الفساد التي تعبث بقدرات البلاد والعباد منذ العهد الاستعماري وحتى اليوم، والتي أصبحت واضحة بأسمائها وصفاتها بالمشهد الوطني…
لذلك كان الحديث عن هذا القانون يتجدد في كل مناسبة مع كل حدث / ظل حاضرا في ذاكرة الوطن، ينتظر إطلاق سراحه، يتجذر الحديث عنه يقوه، بعد ظهور” النيابة العامة” في المشهد القضائي… وبعد انفجار ظاهرة “المقاطعة” على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ بدأت صيحات العامة تتجه إلى إشكالية الإثراء غير المشروع، التي استنزفت موارد المغرب المالية والعقارية والغابوية التي تقدرها تقارير أمريكية ب 34 ألف مليار سنتيم، وبعد أن أصبح الحديث بصوت مرتفع عن غياب الثروة المغربية، وهو ما جعل المواطن المقهور بالفقر والفاقة والتهميش، يطالب بصراحة ووضوح وبصوت مرتفع بمحاسبة كل من له مسؤولية، (رئيس الحكومة / كل الوزراء / كل نواب البرلمان / كل المدراء / كل رؤساء الجهات / رؤساء المجالس البلدية / كل رؤساء المحاكم والقضاة / …وكل من يتمتع برتبة أو امتياز، أو وظيفة عمومية ) على أن يخضع لهذا القانون كل العاملين الحاليين والسابقين، الذين شغلوا مناصب عامة بالدولة وكل من وردت شكاية بحقه، ذلك لأن قانون “من أين لك هذا” لا يسقط سرقة أو اختلاس المال العام، أو التهرب من أداء الضرائب بالتقادم ما دامت الأدلة متوفرة ضد من سرق أو أفسد، مما يعني أن هذا القانون سيجعل لا أحد يفلت من العقاب، ولا أحد يمكنه التمتع بالمال الحرام كيف ما كانت رتبته أو مركزه.
-3-
في الأيام القليلة الماضية، بدأ الحديث الرسمي من جديد عن “ربط المسؤولية بالمحاسبة” أي عن “قانون من أين لك هذا ” بصيغة دستورية، وهو ما يعني في اللغة القانونية، أن المغرب بإخراجه هذا التشريع إلى الوجود، سوف لا يبقى مكتوف الأيدي أمام مافيات الفساد التي جمدت حركته وتنميته وتطلعاته، منذ عقود طويلة، إذ سيضع المجرمين الذين يستخدمون البلاد والعباد في الإثراء والسرقة وغسل الأموال في مكانهم الذي يستحقونه، وهو ما سيضمن للمغرب بلا شك، تضييق الخناق على الفساد، وسحب البساط من تحت أقدام الفاسدين واللصوص وخونة الوطن…بل وهو ما سيعزز مكانة “النيابة العامة” التي أعطاها القانون مسؤولية تطبيق القانون في حق الخارجين عليه.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة على المغرب والمغاربة اليوم…وبإلحاح : متى يصبح قانون ربط المسؤولية بالمحاسبة / قانون من أين لك هذا ساري المفعول…؟.
متى ستطلق الحكومة سراحه…؟
لقد طال انتظاره يا سيادة النائب العام….