حرر بقلم الأستاذ الباحث عبد الغني لزرك.
يعتبر المرحوم الأستاذ والعلامة عبد الرحمان أبو الفتح أو عبد الرحمان الشتوكي عالم من علماء اثنين شتوكة ودكالة على الخصوص والمغرب على العموم، انتشر صيته في كل نواحي البلاد.
بدأ مساره المهني موسم 1963/ 1964 بإعدادية أبي شعيب الدكالي كأستاذ لمادة اللغة العربية وبعد ذلك التربية الإسلامية، كسب حب الجميع بلباسه وكلامه وعلمه، كان فصيح اللسان وبليغ الكلام وقوي الحجة والإقناع.
وصفه كل الذين درسوا إلى جانبه بكلية ابن يوسف بمراكش بأنه شعلة من الذكاء، اشتهر هذا العالم أنه لايخاف في الحق لومة لائم، فرغم أن الأستاذ رحمه الله وصل من السن عتيا ، إلا أنه أثناء زيارة جريدة مزاكان نيوز لمنزله بتجزئة الكدية بالجديدة، ومديرها الأستاذ محمد حيداش الذي تتلمذ هو الآخر على يد فضيلة العلامة أبو الفتح، لوحظ أن ذاكرة الرجل لازالت تختزن وتحفظ صحيح البخاري والأجرومية وابن عاشر والمتون السبع والموطأ.
حكى المرحوم في حواره الصحفي من الجريدة السالفة الذكر، المؤرخة ب 6 غشت 2012، العدد 16، أهم محطاته الدراسية والمهنية والنضالية التي عاشها، وروي إحدى طرائفه وهو يستهل مع تلاميذته أول حصة دراسية، أنه كتب على السبورة التاريخ هكذا، الإثنان 15 محرم..الموافق 5 أكتوبر..فتعالت أصوات التلاميذ أستاذ هناك خطأ، الإثنين وليس الإثنان، ابتسم كعادته واستحسن ملاحظة التلاميذ وبعدها سألهم ماحكم المثنى المبتدأ؟ فأجابوه يرفع بالألف، فأجابهم الإثنان مثنى مبدأ مرفوع بالألف، اليوم الإثنان، إذا ذاك فهم الكل أنهم أمام أستاذ متمكن وفقيه في اللغة والبلاغة والشريعة الإسلامية والأدب، كما جاء على لسان أحد تلاميذته.
ولقد استوعب كل من درس عند العلامة أبو الفتح رحمه الله مقولة ” لكل مقام مقال”، وكان في كل مرة يشرحها لهم، كلما استوجب الظرف أو المقام أو الواقعة، فصار الجميع يستشهد بها ويستحضرها ويستدل بها في المجالس والأحاديث كلما وقع كلام في غير محله أو مقامه، ويحكي أحد التلاميذ الذين درسوا عند الأستاذ أبو الفتح أنه من بين المواد التي درسها أبو الفتح وهي مادة الإرث، وكانت سبب نجاح هذا التلميذ في مباراة التوظيف بعدما طرح عليه طرف اللجنة في الامتحان الشفوي، الاستدلال بموانع الإرث في جملة، فكان الجواب على التو، من طرف التلميذ الذي درس عند الأستاذ أبو الفتح، هكذا ” عش لك رزق”.
حفظ العالم أبو الفتح رحمه الله الشيخ جليل ابن عاصم العمل ( 1000 بيت)ابن عاشر (300بيت)، الجرومية وألفية ابن مالك وكافية ابن مالك، ألفيةالأفعال، المنطق، ألفية العراقي، الكتب الست ( البخاري، مسلم…).
كان يلقي دروسا في الحديث والوعظ والإرشاد في كل مساجد مدينة الجديدة، وله طريقته الخاصة في إلقاء الدروس، فهو من مدرسة ” بشروا ولاتنفروا، يسروا ولا تعسروا”، يحبب للناس دينهم ويستعمل أسلوبا بسيطا حتى يفهم الناس، يضرب أمثلة من التاريخ الإسلامي، ومن مواقف الصحابة والأئمة والعلماء.
ومن ميزته أنه كان يسمح للحاضرين أثناء إلقاء الدرس بطرح الأسئلة حتى ولو كانت لاعلاقة لها بموضوع الدرس، وذات يوم رمضاني وهو يلقي الدرس بمسجد بلحمدونية بالجديدة حسب ماجاء في الجريدة السالفة الذكر، سأله بوشعيب البصير وقد كان رحمه الله تعالى مؤذنا بالمسجد، هل تقبيل الأيادي حلال أم حرام؟ فأدار الأستاذ أبو الفتح رأسه عدة دورات كأنه قال لسي بوشعيب ” معايا أنا”، وأجاب إلى كان شريف ولد النبي حقيقي نبوسو ليه حتى رجليه ماشي غير رجليه.
يحكي المقربون من الأستاذ أبو الفتح رحمه الله وكذا أصحابه وزملائه أن الرجل صحح عدة أحكام صادرة عن قضاة في قضايا الإرث والشرع ومايتعلق بالأحوال الشخصية، ولقد استدعي رحمه الله ذات يوم من طرف ناظر الأوقاف بالجديدة ، وأبلغه أنه ممنوع من الولوج إلى المساجد، اتصل أبو الفتح بأحد تلاميذه القدامى الذي كان قد أصبح وزيرا للداخلية وهو حدو الشيكر، وفي اليوم نفسه اتصل وزير الأوقاف إذ ذاك المدغري العلوي بالأستاذ أبو الفتح طالبا عودته للمسجد الذي يرغب فيه، كما اتصل الناظر بمؤذن المسجد آمرا إياه بإخبار الناس أن أبو الفتح عاد إلى المسجد.
عرف أبو الفتح وهو طالب بكلية ابن يوسف بمراكش بعبد الرحمان الهشتوكي، ونال شهادة العالمية باسم عبدالرحمان الهشتوكي، حيث عين بعد ذلك أستاذا للبلاغة في الكلية وناضل ضد الاستعمار الفرنسي، ثم انتسب إلى حزب الشورى والاستقلال، وتصدى بكل قوة لممارسات حزب الاستقلال ولسلوكات قيادته، وكان يصف الحزب بحزب الاستغلال، ولهذا السبب حاربوه إلى أن عزلوه من الكلية وطردوه من الوظيفة العمومية، فاضطر إلى الرجوع إلى بلدته بهشتوكة، وبدأ يزاول الفلاحة ويحرث الأرض بنفسه.
كان المغرب في بداية استقلاله في حاجة إلى معلمين، فتقدم إلى نيابة التعليم كحافظ للقرآن الكريم ولم يدل بشهادة العالمية، واضطر إلى إخفاء إسمه الحقيقي فتم تعيينه كمعلم عارف، وهو العالم العلامة الحامل لشهادة العالمية التي توازي اليوم شهادة الدكتوراه.
رحم الله العلامة عبد الرحمان أبو الفتح أو عبد الرحمان الهشتوكي، المحدث الحافظ والفقيه المفتي، وجعل كل ماقدمه من علم في ميزان حسناته ونور له في جنة الخلد.